بعد انتخاب للواء أحمد ناصر الريسي جنرال التعذيب الإماراتي رئيسا لشرطة الإنتربول الدولية مؤخرا، وسط اعتراضات شديدة من منظمات حقوق الإنسان. وجاء فوز "الريسي" نتيجة للنفوذ الدبلوماسي المتنامي لدولة الإمارات، حيث تم تعيينه مفتشا عاما لوزارة الداخلية في عام 2015، للإشراف على السجون والشرطة، ورُفعت شكاوى من التعذيب ضده في الأشهر الأخيرة في فرنسا وتركيا اللتين تستضيفان الجمعية العامة للإنتربول في إسطنبول.

 

المال الحرام

وكانت الإمارات قد تبرعت بمبلغ 54 مليون دولار في عام 2017 ، وهو ما يعادل تقريبا المساهمات المطلوبة من جميع الدول الأعضاء في المنظمة البالغ عددها 195، والتي بلغت 68 مليون دولار في عام 2020، وفي عام 2019 قدمت حوالي 10 مليون يورو، ما يقرب من 7 ٪ من إجمالي الميزانية السنوية للمنظمة الدولية.

وفي هذا السياق أصدر السير ديفيد كالفيرت سميث، المدير السابق للنيابات العامة في إنجلترا وويلز ، تقريرا في إبريل  الماضي خلص فيه إلى أن الإمارات العربية المتحدة تسعى للتأثير بشكل غير لائق على الإنتربول من خلال التمويل والآليات الأخرى،  وأضاف أن الريسي أشرف على حملة القمع المتزايدة ضد المعارضين، واستمرار التعذيب والانتهاكات في نظام العدالة الجنائية في الإمارات.

وبسبب المال الإماراتي، هزم الريسي ضابط شرطة جمهورية التشيك المخضرم ساركا هافرانكوفا، الذي حذر قبل التصويت من أنه اختبار لمصداقية المنظمة ونزاهتها، بعد ثلاث جولات من التصويت، حصل رئيسي على 68.9٪ من الأصوات التي أدلت بها الدول الأعضاء، حسبما قال الإنتربول عن عملية الانتخابات المشهورة بغموضها،  ولا توجد دولة مطالبة بالكشف عن كيفية تصويتها.

وكان رد فعل المدافعين عن حقوق الإنسان على فوز الريسي مقلقا، وقال سيد أحمد الوداعي ، مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية  "تمثل هذه الانتخابات بداية حقبة خطرة، حيث أصبحت الأنظمة الاستبدادية قادرة الآن على إملاء الشرطة الدولية، لا أحد في مأمن من إساءة استخدام الإنتربول والأنظمة الاستبدادية".

فلدى الإنتربول سلطة إصدار النشرات الحمراء، بدعوة من دولة ما لاعتقال أفراد في دولة أخرى، غالبا ما اتُهم الإنتربول بالسماح باستخدام النشرات الحمراء من قبل الحكومات الاستبدادية لمتابعة الانتقام السياسي ، وتعقب المنشقين في المنفى.

وفي شكوى أخرى ضد رئيسي، اتهم محامو مركز الخليج لحقوق الإنسان الجنرال بارتكاب أعمال تعذيب ووحشية ضد الناشط أحمد منصور.

وقال ويليام بوردون، محامي حقوق الإنسان الذي قدم الشكوى إن "المؤسسات الدولية الكبرى بحاجة إلى أن يكون على رأسها أشخاص يتمتعون بالنزاهة والاستقامة بما يتجاوز كل شك،  انتخاب الريسي ضربة كبيرة لمصداقية الإنتربول".

ولم تسفر أي من الشكاوى عن أي إجراءات رسمية ضد الجنرال.

 

شهادات إنسانية

وقال أحد المشتكين، المواطن البريطاني ماثيو هيدجز، إنه "احتُجز وتعرض للتعذيب في الفترة ما بين مايو ونوفمبر 2018 في الإمارات بعد اعتقاله بتهم كاذبة بالتجسس خلال رحلة دراسية، ووصف فوز الريسي بأنه “وصمة عار”.

وقال هيدجز “هذا يوم حزين للعدالة الدولية والشرطة العالمية، لا أعرف كيف لا يشعر أعضاء الإنتربول الذين صوتوا للريسي بالحرج من الاختيار الذي اتخذوه، وماذا سيعني هذا في الواقع لسمعة المنظمة”.

واعتقل مدعي آخر، وهو المواطن البريطاني السوداني المولد علي عيسى أحمد، في عام 2019 بعد أن اتهمه مسؤولون أمنيون بارتدائه قميص كرة القدم القطري، قال إنه "لأمر فظيع حقا أن يتم منحه هذا الشرف، الإمارات العربية المتحدة ستستخدمه لجعل العالم يعتقد أنهم بارعون في حفظ الأمن لكنني سأعرف الحقيقة دائما، الندوب التي لدي على جسدي والتي تركتها الشرطة الإماراتية عليّ ستعرف الحقيقة دائما “.

بينما قال نبهان الحنشي، رئيس منظمة القسط لحقوق الإنسان ، التي تناضل ضد الانتهاكات في المملكة العربية السعودية “انتخاب الريسي يبعث برسالة تقشعر لها الأبدان مفادها أن الإنتربول قد تخلى عن التزاماته في مجال حقوق الإنسان، وهذا يثير مخاوف من تفاقم المخاوف الحالية بشأن الوكالة، بما في ذلك استخدام “الإشعارات الحمراء” ذات الدوافع السياسية من قبل الدول المسيئة “.

وقال السناتور الأمريكي روجر ويكر الأسبوع الماضي إن "الإنتربول أصبح أداة في أيدي الطغاة والمحتالين الذين يسعون إلى معاقبة المنشقين والمعارضين السياسيين في محاولة لقلب تطبيق القانون في الدول الأخرى ضد سيادة القانون”.

ومع اعتلاء الإمارات قمة الإنتربول الدولي، من المرجح أن يتعرص المنفيين والفارين بأفكارهم ومواقفهم من الحكام المستبدين لعصف بحقوقهم واعتقالهم أو ملاحقتهم ما يفاقم مأساة الشطاء الإنسانية في الداخل والخارج من دول الربيع العربي خاصة، خاصة في ظل تسييس القضاء وعسكرته كما يجري في مصر وتونس وغيرها من دول الاستبداد العربي، الذي أدمن قلب الحقائق والعمل في ركب المستبدين وإهدار استقلالية القضاء برمته وغياب العدالة والقواعد والمواثيق الدولية التي باتت مهدرة.

Facebook Comments