في تكرار لتجربة ميناء “العين السخنة” التي تم وأد مشاريع تطويرها  ، بفعل سيطرة الإمارات عليه وإدارته، مدعية التطوير والارتقاء به، فإذا به يفقد جودته وتتراجع أعماله التجارية وتتناقص قدراته الاستيعابية للسفن، وهو الأمر الذي يصب لصالح  منطقة جبل علي اللوجستية في الإمارات.

وتثير مساعي الإمارات للسيطرة على الموانئ المصرية حالة من القلق، لما تنطوي عليه تلك المساعي من تفريغ لمكانة تلك الموانئ وإجهاضها في مواجهة أي منافسة محتملة مع الموانئ الإماراتية التي يُخطط لها لأن تكون الأكبر والأوحد في المنطقة.

بما يرسخ نفوذ أبو ظبي المتمدد في الشرق الأوسط وإفريقيا.

 

وكانت حكومة الانقلاب قد وقعت مع شركة “اعتماد القابضة” الإماراتية التابعة لجهاز أبو ظبي للاستثمار، عقد شراكة أواخر نوفمبر الماضي بشأن المشاركة في تدشين “مدينة أبو قير الجديدة” باستثمارات تتجاوز 12 مليار جنيه، وهو ما يعادل 807 ملايين دولار.

 

إرساء المشروع على شركة إماراتية تحديدا أثار الكثير من الجدل والمخاوف في آن واحد، فتجارب الإمارات مع الموانئ المصرية غير مبشرة ولعل آخرها تجربة “موانئ دبي” مع ميناء “العين السخنة” الأمر الذي دفع البعض للإشارة إلى وجود أمور ما خلف الكواليس تجعل الإمارات الخيار الوحيد رغم كل التحفظات بشأنه، وهو ما قد يعرض مصالح مصر للخطر.

 

ويعود تاريخ دخول الشركات الإماراتية مجال الموانئ المصرية إلى عام 2008 عن طريق “موانئ دبي” ومن خلال مشروع تطوير وتشغيل “ميناء سفاجا” على البحر الأحمر، ومنذ ذلك اليوم ولم تتوان أبو ظبي عن مساعيها نحو الهيمنة الكاملة على موانئ المنطقة، ما دفع العديد من علامات الاستفهام لأن تطل برأسها بشأن ما إذا كان الأمر يقف عند حاجز الطموح الاقتصادي فقط ، أم أن وراء ذلك مشروعا سياسيا مستترا يتخذ من هذا التوغل بوابته الأولى والأساسية.

 

 

وعلى طريقة فناكيش السفيه السيسي في العاصمة الإدارية وغيرها من المشاريع  التي ينفق بها المليارات، يستهدف السيسي أن  تكون “مدينة أبو قير الجديدة” كبرى المدن الساحلية اللوجستية في مصر، وموطنا لأكبر ميناء بحري في المنطقة، هذا بجانب تحويل المدينة الجديدة إلى قبلة للاستثمارات العالمية.

 

ووفق الخطة المقدمة لتنفيذ مشروع تلك المدينة في الاتجاه الشرقي للإسكندرية، فإن هناك حزمة من المشروعات المستهدفة، أبرزها بناء أكبر شاطئ على سواحل مدينة الإسكندرية الشرقية على مساحة 385 فدانا، وبناء المدينة التجارية اللوجستية على مساحة 985 فدانا، وتجهيز ممر الميناء الملاحي لاستقبال السفن العملاقة بحيث يصبح ميناء عالميا ينافس الموانئ الدولية الأخرى.

 

وتنقسم خطة العمل في المدينة التي تصل مساحتها الإجمالية إلى 1400 فدان إلى 7 مراحل رئيسية، الأولى تتعلق بتجهيز موقع المدينة الافتراضي لعمليات الحفر المتتالية، عبر استخدام أحدث الأساليب المتطورة والأدوات المخصصة لذلك، أعمال الردم للمناطق المستكمل حفرها، تليها مرحلة تجهيز حائط صد الأمواج وتركيب طبقات الدعامة الخاصة به، وبعدها تشييد عدة أجزاء متفرقة من الميناء، ليصبح أكبر ميناء بحري لنقل البضائع في الشرق الأوسط، وأخيرا بناء هيكل المدينة الأساسي من فنادق وأبراج ومشاريع خدمية.

 

وتبلغ التكلفة الأولية للمشروع نحو 12 مليار جنيه، ويشرف عليه بعض الشركات والهيئات، تحت قيادة شركة “اعتماد القابضة” الإماراتية، الممول الرئيسي للمشروع، مع بعض المؤسسات الأخرى، بعضها يمثل القطاع العام المصري كوزارة الإسكان والمرافق العمرانية، والآخر القطاع الخاص ويمثله 4 شركات، ثم 3 شركات أجنبية أخرى متخصصة في أعمال الحفر والردم والتشييد، وهي شركة “هيل إنترناشونال” وشركة “WATG” الأمريكية وشركة “Van Oord” الهولندية.

تجربة الإمارات لإفشال “العين السخنة”

 

يشار إلى أنه في 17 فبراير 2018 أعلنت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية (تدير ما يقرب من 78 ميناء بحريا في نحو 40 دولة) عن توقيع اتفاقية رسمية مع هيئة قناة السويس ، لتنفيذ مدينة صناعية متكاملة في منطقة العين السخنة على مساحة 30 كيلومترا ، والاتفاقية تعود إلى 9 أغسطس 2017 حين وافق السيسي على تأسيس شركة تنمية رئيسية مشتركة بين الهيئة العامة الاقتصادية لمنطقة قناة السويس، ومجموعة موانئ دبي العالمية، التي بموجبها تستحوذ الشركة المصرية على 51% وموانئ دبي على 49%.

 

الاتفاقية الموقعة تعد امتدادا لعام 2008 حين استحوذت “موانئ دبي” على شركة تنمية ميناء السخنة، حينها أعلنت أنها ستبني رصيفا بطول 1300 متر وغاطس 16 مترا لاستيعاب قرابة مليوني حاوية سنويا، بخلاف إنشاء محطة للصب السائل على مساحة 400 ألف متر ومحطة للبضائع بطول الرصيف.

المشروع بمرحلتيه، الأولى الخاصة بالرصيف والغطاس ومحطة البضائع عام 2008 والثانية المتعلقة بتنفيذ المدينة الصناعية المتكاملة منذ 2018، لم يتحقق منه أي شيء على أرض الواقع، وفي المقابل تراجعت طاقة ميناء العين السخنة من 570 ألف حاوية عام 2010 إلى 511 ألف حاوية حاليا، وهو ما دفع بعض الخبراء للمطالبة بفسخ العقد ومحاسبة المقصرين.

 

وكان استشاري المشروع، المهندس ممدوح حمزة، قد قال في مؤتمر صحفي بعد عامين من الإعلان عن بدء انطلاق المشروع “هناك فساد في مشروع العين السخنة، حيث تم تخصيص أراض مصرية لشركات أجنبية بالمخالفة للقانون، فيما خرجت بعض المناشدات لاسترداد ميناء السخنة من قبضة موانئ دبي وملاحقة الأخيرة قانونيا”.

 

وظلت المنطقة الصناعية بقناة السويس، منطقة خط أحمر ممنوع اقتراب المستثمرين الأجانب منها، لاعتبارات سيادية تتعلق بالأمن القومي المصري، لكن في عهد النظام الحالي سرعان ما تبدل الأمر، إذ فتح الباب على مصراعيه أمام الإمارات للهيمنة على معظم مشروعات قناة السويس، ما أثار الشكوك والمخاوف معا.

 

 

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن تعبيد الطريق أمام الإمارات للهيمنة على الموانئ المصرية يجهض حلم المصريين في تطوير نوافذهم البحرية التي كانوا يؤملون أنفسهم بأن تصبح الأقوى والأهم في الشرق الأوسط وإفريقيا لما تمتلكه من إمكانات هائلة، سواء على مستوى الامتداد الطولي على بحرين من أكبر بحار العالم، المتوسط والأحمر، فضلا عن القدرات اللوجستية التي تتمتع بها وتؤهلها للمنافسة عالميا.

 

 

يشار إلى أن مشروع منطقة قناة السويس كان من المفترض أن ينافس ميناء جبل علي في الإمارات، وأن سيطرة أبو ظبي عليه يعني وأدها لهذا المشروع وحماية مينائها من أي منافسة إقليمية محتملة.

فالمشروع بداية الأمر حين تم طرحه كان الهدف منه منافسة الموانئ الإقليمية برمتها، وعلى هذا الأساس تم وضع الخطط الإنشائية الخاصة بالمنطقة المحورية واللوجستية لتقديم الخدمات الملاحية العاجلة للسفن العابرة لقناة السويس، بما يعتبر شهادة وفاة رسمية للميناء الإماراتي، وعليه فإن منح المشروع لشركة إماراتية تخطط للهيمنة على موانئ العالم، هو بمثابة تسليم الحلم المصري للإماراتيين بشكل رسمي.

 

لم يكن قطاع الموانئ وحده الذي تهيمن عليه الإمارات، فقد وضعت يدها على مختلف القطاعات المصرية على رأسها احتكار قطاع الصحة، فقد استحوذت شركة أبراج كابيتال الاقتصادية الإماراتية العملاقة المتخصصة في إدارة الملكيات الخاصة، على نصيب الأسد في حزمة المشروعات الصحية المقدمة في القطاع الطبي، لتتحول من مجرد مستثمر إلى محتكر لهذا القطاع الحيوي الذي يخدم ملايين المصريين.

 

كذلك السيطرة على قطاع المواصلات، إذ ضخت الإمارات 180 حافلة ضمن مشروع النقل الجماعي الذكي داخل القاهرة الكبرى الذي استثمرت فيه شركة مواصلات مصر التي تستحوذ مجموعة الإمارات الوطنية على 70% من رأسمالها، بنحو مليار دولار.

ومؤخرا، كشف تقرير لوزارة الاستثمار أن إجمالي عدد الشركات الإماراتية العاملة في السوق المصرية بلغ 674 شركة، تجاوز حجم استثماراتها في قطاع التكنولوجيا حاجز الـ2.08 مليار دولار، وأن رأس المال المصدر لهذه الشركات وصل 2.6 مليار دولار في حين بلغ رأس المال المدفوع 2.6 مليار دولار أيضا.

 

وبلغت عدد محطات تموين السيارات التابعة لشركة إمارات مصر البترولية خلال عامي 2016/2017 فقط قرابة 15 محطة موزعة في مختلف المحافظات المصرية، هذا بخلاف الشراكة التي تم توقيعها بين شركات إماراتية وأخرى مصرية للهيمنة على تموين الطائرات.

 

اللافت أن التحركات الإماراتية للهيمنة على الساحة المصرية خلال السنوات الستة الماضية رغم ما تحمله من تهديدات، فإنها قوبلت بحزمة تشريعات أقرتها القاهرة لحماية هذا النفوذ، أبرزها مذكرة التفاهم التي صادق عليها السيسي في 19 أكتوبر 2017، وأقرها البرلمان ونشرتها الجريدة الرسمية، وأعطت أبو ظبي حزمة من الامتيازات الاقتصادية غير المسبوقة في تاريخ مصر، كما أنها وفرت لها الضمانات الكافية للحيلولة دون الملاحقات القضائية، بما يحمل تهديدًا لإرادة واستقلالية القرار المصري.

 

وكانت الإمارات قد تبنت مشروعًا سياسيا – تحت غطاء اقتصادي – خلال السنوات الماضية يتمحور حول السيطرة على موانئ المنطقة، من اليمن إلى القرن الإفريقي وصولا إلى مصر، في امتداد جيوإستراتيجي غير مسبوق للدولة الخليجية الصغيرة التي أثارت أجندتها التوسعية قلق وحفيظة حلفائها قبل خصومها، في الوقت الذي تسير فيه لتوسيع تلك الأجندة دون أي اعتبارات.

والغريب أن السيطرة الإماراتية ومشاريعها التوسعية بمصر تجري برعاية وخيانة من رأس النظام، الذي لا يفسر صمته وخنوعه سوى أجندات خفية جرى التوافق عليها  قبل الانقلاب العسكري في 2013، حيثث دعمت الإمارات الانقلاب العسكر بنحو 100 مليار دولار وتريد سدادها ، عبر احتلال مصر اقتصاديا وسلب حرية قرارها لاقتصادي والسياسي والإعلامي والاجتماعي، وبخيانة من السيسي تقدم المصانع والشركات الناجحة والرابحة بتراب الفلوس للإمارات، كما جرى مع الخمس شركات الأخيرة التي تم بيعها للإمارات، شركة أبو قير للأسمدة ، وشركة موبكو للأسمدة، وشركة الإسكندرية للحاويات والشحن،  وشركة فوري للخدمات المالية، وشركة الإسماعيلة للاستثممار الزراعي، والبنك التجاري الدولي.

Facebook Comments