يُخبرنا التاريخ عن طغاة كبار كانوا هم والسفاح السيسي وزمرته في الإجرام واستباحة الدماء سواء، فلم يمكثوا طويلا حتى احتوتهم قضبان السجون وطالتهم يد العدالة والقصاص ، بعد أن ظنوا ـ وبعض من الظن ـ إثم في منطق أهل الشر والفجور أن رقاب العباد قد دانت لهم، وأن علوهم واستكبارهم في الأرض قد بات أمرا لا ريب فيه، وأنهم أبعد ما يكونون عن غضبة الحق وموازين العدالة وسنن الكون والحياة.

ومنذ انقلابه في الـ 30 من يونيو 2013 وفي كل خطاب كان السفاح السيسي يُلقي التهديد والوعيد يمينا ويسارا، وأحيانا يلتفت خلفه ليستكمل صياحه، وكأن هناك من يريد الانقضاض عليه من الخلف، محذرا من سماهم بـ"أهل الشر" ويعلنهم أنه مستمر في الحكم حتى يلقى حتفه، أما الانتخابات أو القانون أو الدستور أو فترات الرئاسة فأمور وإجراءات شكلية، يمكن تعديلها أو حتى تجاوزها في أي وقت حسب الحاجة، أنا أو الفوضى، منطق حسني مبارك نفسه.

 

لمن يوجه تهديداته؟

من هم أهل الشر الذين تحدث عنهم السفاح السيسي؟ قديما كان هذا المصطلح المبهم يفمفم به إعلام العسكر ، ويشير إلى إرهابيين وتكفيريين وجماعات إسلامية، وأحيانا كان يتعمد الخلط ليتم استنتاج أن قوى الشر هي جماعة الإخوان المسلمين وتركيا وقطر وحركة حماس، وأحيانا إسرائيل والولايات المتحدة على الرغم من أنهما حليفان للسفاح السيسي منذ انقلابه وغدره بالرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي.

ولكن بعدما تصالح مع قطر وحماس وتركيا بات السؤال من أهل الشر هذه المرة ؟ وهل يخشى السفاح السيسي سيناريو الجمعية الوطنية للتغيير عام 2010 أو جبهة الإنقاذ في 2013 ؟ هل يشكل ذلك تهديدا حقيقيا لعصابة الانقلاب العسكري، بعدما بسطت سيطرتها على كل مقدرات السلطة في مصر؟

من جهته، حاول الإعلامي المصري، أسامة جاويش، البحث عن "أهل الشر" الذين يكرر السفاح السيسي؛ الحديث عنهم في خطاباته.

وتساءل جاويش في مقدمة برنامجه "نافذة على مصر" على فضائية "الحوار"  "من هم أهل الشر؟ ولماذا لا يفصح السيسي عنهم؟ لماذا لا يعلن عن أسمائهم وبلدانهم ومموليهم ومن يقف وراءهم؟ دوما نسمع عن أهل الشر وأن مصر تحارب إرهابا يحركه أهل الشر، فمن هم؟

وفصل جاويش احتمالات من يمكن وصفهم بأهل الشر حسب مكان مصر الجغرافي والاستراتيجي ، فقال عن الغرب "وفقا لعلاقات مصر الخارجية الرسمية منذ قدوم السيسي في ليبيا غرب الحدود المصرية مثلا؛ يقف خليفة حفتر حاميا للحدود، وحليفا استراتيجيا له متلقيا منه دعما ماليا وعسكريا".

وعن شرق مصر وجنوبها، قال  "قطاع غزة وحركة حماس، يستقبل السيسي وفدا رفيع المستوى من الحركة كل شهر تقريبا، وإسرائيل لا يُسمح بتهديد أمنها القومي، وتعتبره قائدا ثمينا يحافظ على أمنها، معتبرا أن السفاح السيسي يتمتع بعلاقات ممتازة مع عبد الفتاح البرهان وحميدتي اللذين يقودان الانقلاب في السودان ويعتبران السفاح السيسي رجلا صادقا في وعوده وأن العلاقات الثنائية تسير على ما يرام".

وعن الشمال، قال جاويش "قبرص واليونان تنازل لهم السيسي عن حقول الغاز المصرية، واجتمع برؤسائهما أكثر من أي دولة أخرى، ليخلص إلى أنه لا ليبيا ولا غزة ولا إسرائيل ولا السودان ولا قبرص واليونان يمكن اعتبارهم من أهل الشر".

أما على الصعيد العربي، فاستعرض جاويش العلاقات الوثيقة مع الإمارات الحليفة الكبرى لمصر، والكويت والبحرين والأردن وعمان وسوريا وموريتانيا وتونس والجزائر والمغرب والعلاقات الوثيقة بينها.

كما أشار جاويش إلى التقارب الإيراني المصري، بالإضافة إلى العراق الذي يمد مصر بمليون برميل من النفط الخام شهريا، متحدثا عن قوة العلاقات المصرية السعودية، طبقا لتصريحات وزير خارجية الانقلاب سامح شكري.

وأضاف "تبقى قطر التي يتحدث عنها الإعلام المصري بأن أحد أحياء محافظة الجيزة أكبر من حجمها، وهي نفسها التي استقبل السيسي أميرها في شرم الشيخ العام الماضي".

 

مصير مبارك

ووجه جاويش بحثه إلى أوروبا، فوجد اتفاقات استثمارية مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمجر، كما أن السيسي زار بريطانيا في عهد رئيس الوزراء السابق ، وتواصل مع رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي ووصف العلاقات بالجيدة.

وقال  "تبقى تركيا التي أعلنت عن وفد اقتصادي تم استقباله رسميا في القاهرة منذ أسبوع، إذن لا وجود لأهل الشر في أوروبا".

وتابع  "ظننا أنه يقصد أمريكا، لكننا وجدنا أنها أكبر الدول المانحة للمعونات العسكرية لمصر والسيسي يرى في ترامب مستقبلا مشرقا، وجميع ما سبق وفقا لبيانات وزارة الخارجية المصرية، وتصريحات السيسي نفسه عن علاقاته مع هذه الدول".

واختتم جاويش بحثه عن أهل الشر قائلا "يبقى التساؤل، من هي قوى الشر ومن أهل الشر الذين يحاربهم السيسي كما يحارب طواحين الهواء؟

يرى بعض المراقبين أن السفاح السيسي يخشى من تحرك من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها لأي سبب كان، فلم يزح حسني مبارك عام 2011 إلا بعد تحرك المؤسسة ضده، ولو لم يكن هناك هذا التحرك والتأييد الظاهري لمطالب ثورة يناير لما تنحى مبارك بعد الـ 18 يوما.

ولذلك قد يكون هناك توجس فعلي لدى عصابة الانقلاب، أو شعور بالتهديد من أي تقاطعات أو نقاط مشتركة بين القوى المدنية والتيار الإسلامي مع أي قوى أو مجموعات معارضة من داخل المؤسسة العسكرية، تنتهي بحتمية إزاحة السفاح السيسي.

الأمثلة الواردة كثيرة منها يوغسلافيا السابقة ، حيث أرباب القمع الدموي في البوسنة والهرسك وكوسوفو، ومن غواتيمالا، والكونغو، ورواندا، وسيراليون، وغيرها من البلدان التي حوكم العديد من مجرمي الحرب فيها، ما زالت قريبة وتعطي مؤشرات بالغة القوة حول المآلات الطبيعية لمجرمي الحرب، والنهايات الحتمية للجنرالات وأهل الباطل والفجور الذين استخفوا بقدر وقيمة دماء الأبرياء، وولغوا فيها دون أي وازع من إنسانية أو ضمير.

 

Facebook Comments