أثار إقرار الكنسيت الصهيونى قانونا يقضى بإعدام الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين انتقادات واسعة من جانب منظمات حقوق الإنسان والهيئات والمؤسسات الدولية، التي اعتبرت أن القانون الصهيونى يخالف القوانين والاتفاقيات الدولية، خاصة فيما يتعلق بحقوق الأسرى والمحاكمات العادلة .
وحذرت المنظمات الحقوقية من أن تطبيق هذا القانون قد يؤدي إلى تصعيد أكبر في الأوضاع ويزيد من حدة الصراع بدلًا من احتوائه.
يُشار إلى أن مشروع القانون الصهيونى يستهدف بشكل أساسي الأسرى الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ أو التخطيط لهجمات أسفرت عن مقتل صهاينة، حيث يدعو إلى تطبيق عقوبة الإعدام في حالات محددة، وهو ما لم يكن معمولًا به بشكل فعلي منذ عقود، رغم وجود نصوص قانونية قديمة تتيح ذلك في ظروف استثنائية.
كما يأتي هذا التوجه في سياق ضغوط سياسية داخلية على حكومات الاحتلال المتعاقبة لإظهار الحزم في مواجهة العمليات المسلحة، إلى جانب رغبة بعض التيارات في استخدام القانون كأداة ردع.
اتفاقيات جنيف
فى هذا السياق أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور محمد العزبي، أن إقرار الكنيست الصهيونى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يمثل تحولًا خطيرًا في نهج التعامل مع الصراع، معتبرًا أنه يعكس توجّهًا نحو تبني سياسات عقابية تتعارض مع مبادئ العدالة والقانون الدولي، وتثير مخاوف قانونية وإنسانية واسعة.
واعتبر العزبي في تصريحات صحفية أن هذا التشريع يشكّل نقطة فارقة في إدارة الصراع، كونه يتصادم بشكل مباشر مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، خاصة الاتفاقية الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، التي تفرض قيودًا صارمة على العقوبات الموقعة بحق الأسرى، وتؤكد ضرورة توافر ضمانات المحاكمة العادلة.
وأشار إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضع بدوره ضوابط مشددة على تطبيق عقوبة الإعدام، حتى في الدول التي لا تزال تقرّها، حيث يقصرها على الجرائم الأشد خطورة، ويشترط محاكمات تتوافر فيها كافة معايير العدالة، وهو ما يثير شكوكًا كبيرة حول مدى توافق القانون الجديد مع هذه الالتزامات الدولية، في ظل الانتقادات المتكررة لنظام التقاضي في قضايا الأسرى.
وأضاف العزبي أن النصوص الواردة في المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف تحظر بشكل واضح المساس بحياة وسلامة المحتجزين، بما في ذلك القتل بكافة أشكاله، ما يضع هذا القانون تحت شبهة التعارض الصريح مع قواعد القانون الدولي.
حقوق الإنسان
ولفت إلى أن هذا التوجه يتناقض أيضًا مع سياسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، التي تدعو إلى تقليص استخدام عقوبة الإعدام عالميًا تمهيدًا لإلغائها، معتبرًا أن توسيع نطاق هذه العقوبة في سياق نزاع مسلح يمثل تراجعًا مقلقًا عن مسار تعزيز حقوق الإنسان.
وحذّر العزبى من تداعيات ميدانية محتملة لهذا القانون، مشيرًا إلى أنه قد يسهم في زيادة التوتر داخل الأراضي الفلسطينية، ويدفع نحو تصعيد متبادل، بما يهدد فرص التهدئة ويقوّض أي جهود للوساطة.
وتوقع أن تعرّض هذه الخطوة الكيان الصهيونى لموجة انتقادات دولية متزايدة داخل المحافل الأممية، وربما تفتح المجال لتحركات قانونية أمام جهات قضائية دولية، خاصة في حال تنفيذ أحكام بالإعدام فعليًا.
وشدد العزبى على أن توظيف العدالة كأداة سياسية في إدارة الصراع يضعف مصداقيتها، ويحوّلها إلى عامل إضافي في تأجيج الأزمة بدلًا من احتوائها، مؤكدًا أن التجارب السابقة أثبتت محدودية الحلول الأمنية في تحقيق الاستقرار.
وطالب المجتمع الدولي بضرورة أن يتبنى موقفًا أكثر وضوحًا في رفض مثل هذه السياسات، مع الدفع نحو إحياء مسار سياسي جاد يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية، وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف.
تمييز وعنصرية
أكد الدكتور عماد جاد، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن إقرار الكنيست الصهيونى قانون إعدام الأسرى يمثل شكلاً واضحًا من أشكال التمييز والعنصرية، خاصة في ظل ادعاءات دولة الاحتلال المستمرة برفض عقوبة الإعدام، بينما تسنّ تشريعات تستهدف فئة بعينها، وعلى رأسها الفلسطينيون.
وقال جاد، في تصريحات صحفية إن هذا التوجه يعكس ازدواجية في المعايير القانونية والسياسية، ويطرح تساؤلات جدية حول التزام الكيان بالقوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأوضح أن كلًا من دولة الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية تمتلكان القدرة على تعطيل أي تحركات دولية جادة من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) داخل المؤسسات الدولية، ما يحدّ من فاعلية أي جهود لردع مثل هذه السياسات.
وأشار جاد إلى أن ردود الفعل المتوقعة من المجتمع الدولي غالبًا ما تقتصر على بيانات الإدانة والتصريحات الدبلوماسية، دون اتخاذ إجراءات حقيقية أو مؤثرة على أرض الواقع.