“رضوى ياسر” .. بين أنياب السرطان وقسوة السجّان

- ‎فيحريات

أربع سنوات من الحبس الاحتياطي تهدد حياة شابة في العشرينات

تتجسد في قضية الشابة المصرية رضوى ياسر سيد محمد برعي واحدة من أكثر صور الانتهاكات قسوة في ملف النساء المحتجزات داخل السجون، حيث تتقاطع المعاناة الصحية مع التعسف القانوني، ويتحول الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي إلى عقوبة مفتوحة بلا سقف زمني، رضوى، البالغة من العمر 26 عاماً، تقبع خلف القضبان منذ ديسمبر 2021 على ذمة القضية رقم 2976 لسنة 2021، المعروفة إعلامياً بـ«جروب مطبخنا»، وهي قضية ارتبطت بحملة اعتقالات واسعة طالت بنات وزوجات وأهالي معتقلين سابقين، ومنذ لحظة اعتقالها، بدأت رحلة طويلة من الانتهاكات البدنية والنفسية، قبل أن تتفاقم مع إصابتها بأورام سرطانية في الثدي والرحم، ما جعل حياتها مهددة بصورة مباشرة.

 

اعتُقلت رضوى من منزلها في حلوان بعد اقتحام قوة من الأمن الوطني، لتختفي قسرياً نحو أسبوعين داخل مقر الأمن الوطني بالمعصرة، حيث وثّقت منظمات حقوقية تعرضها لانتهاكات جسيمة، قبل ظهورها أمام نيابة أمن الدولة العليا في 20 ديسمبر 2021، ومنذ ذلك التاريخ، ظلت رهن الحبس الاحتياطي داخل سجن العاشر من رمضان، ثم نُقلت لاحقاً إلى سجن القناطر للنساء، قبل أن تعود مجدداً إلى سجن العاشر، في دورة تنقلات لم يصاحبها أي تحسن في ظروف احتجازها أو رعايتها الصحية.

 

تدهورت الحالة الصحية لرضوى بصورة خطيرة داخل السجن، حيث شُخّصت إصابة بورم في الثديين بلغ حجمه 6 سم، إضافة إلى ارتخاء في عضلة القلب واضطراب في كهرباء القلب، وهي أمراض تستلزم رعاية طبية متخصصة لا تتوفر داخل مستشفيات السجون، ورغم حاجتها العاجلة إلى تدخل جراحي وجلسات علاج كيماوي منتظمة، فإنها لم تحصل إلا على فحوصات متقطعة على نفقة أسرتها، بينما ظل العلاج المتخصص خارج متناولها بسبب استمرار احتجازها، وقد نُقلت لفترة قصيرة إلى مستشفى سجن بدر، لكنها أعيدت سريعاً إلى محبسها دون استكمال العلاج، ما أثار مخاوف حقوقية واسعة من تعرضها لما يشبه «القتل البطيء» نتيجة الإهمال الطبي.

 

وتشير شهادات حقوقية إلى أن رضوى ليست مجرد معتقلة سياسية، بل شابة نشأت في بيئة مثقلة بالمعاناة، إذ سبق أن اعتُقل والدها لمدة ثماني سنوات في قضية «كتائب حلوان» قبل حصوله على البراءة، هذه التجربة دفعتها إلى العمل المجتمعي ودعم أسر المعتقلين، وهو ما جعلها هدفاً سهلاً لحملات الاعتقال التي طالت نساءً وفتيات بهدف الضغط على ذويهن. ورغم محاولات البعض تصوير قضيتها باعتبارها امتداداً لانتماءات أسرية أو خلفيات سياسية، فإن الوقائع القانونية تؤكد أنها محتجزة على ذمة اتهامات لم تُحسم بعد، وأنها لم تُحاكم حتى الآن رغم مرور أكثر من أربع سنوات على اعتقالها.

 

وتوثّق الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، إلى جانب منظمات أخرى مثل «هيومن رايتس إيجيبت»، سلسلة من الانتهاكات التي تعرضت لها رضوى منذ لحظة اعتقالها، بدءاً من الإخفاء القسري، مروراً بالاعتداءات البدنية والنفسية، وصولاً إلى الحرمان من العلاج، وتؤكد هذه المنظمات أن استمرار احتجازها رغم حالتها الصحية الحرجة يخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويصطدم حتى بالقوانين المصرية التي تتيح الإفراج الصحي عن المحتجزين الذين يواجهون أمراضاً تهدد حياتهم. كما تشير إلى أن الحبس الاحتياطي فقد غايته القانونية في حالتها، وتحول إلى عقوبة مطولة بلا محاكمة، خصوصاً بعد إحالة قضيتها إلى الجنايات دون تحديد موعد للجلسة الأولى.

 

وتبرز قضية رضوى أيضاً إشكالية أوسع تتعلق بالرعاية الصحية داخل السجون المصرية، حيث تتكرر شكاوى المحتجزين من نقص الأدوية، وغياب الأطباء المتخصصين، وتأخر نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات، وفي حالة رضوى، يتضاعف الخطر بسبب طبيعة المرض الذي يحتاج إلى تدخلات عاجلة، بينما تتعرض هي لانتظار طويل داخل بيئة احتجاز لا توفر الحد الأدنى من الرعاية، ويؤكد أطباء متخصصون أن التأخر في العلاج الكيماوي أو الجراحي لمرضى السرطان قد يؤدي إلى انتشار الورم وتفاقم المضاعفات، ما يجعل كل يوم تأخير تهديداً مباشراً للحياة.

 

وتحمل قضية رضوى بُعداً إنسانياً لا يمكن تجاهله، فهي شابة في مقتبل العمر، لم تكمل تعليمها الجامعي، ولم تُتح لها فرصة بناء مستقبلها، وتواجه اليوم مرضاً قاتلاً داخل زنزانة ضيقة، بعيداً عن أسرتها ورعاية الأطباء، وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار احتجازها لا يحقق أي مصلحة قانونية، بل يعكس خللاً عميقاً في استخدام الحبس الاحتياطي، الذي تحول من إجراء احترازي إلى وسيلة عقابية، كما تشير إلى أن الإفراج الصحي عنها ليس امتيازاً، بل حق قانوني وإنساني، خاصة أن حالتها الصحية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

 

وفي مواجهة الانتقادات، يحاول البعض تبرير استمرار احتجازها بالإشارة إلى خلفيات أسرتها أو الاتهامات الموجهة إليها، لكن هذه التبريرات تتجاهل حقيقة أن القانون لا يجيز معاقبة شخص بسبب انتماءات ذويه، ولا يسمح باستمرار احتجاز مريض يواجه خطراً على حياته. كما أن الإصرار على إبقائها داخل السجن رغم حالتها الصحية يطرح أسئلة حول مدى التزام السلطات بمعايير العدالة والإنسانية، خصوصاً في ظل تصريحات رسمية متكررة تؤكد توفير الرعاية الصحية للسجناء، بينما تكشف الوقائع عن فجوة واسعة بين الخطاب والواقع.

حالات مماثلة

ولا تختلف معاناة رضوى كثيراً عن مأساة الصحفية المصرية علياء عواد، البالغة من العمر 39 عاماً، والمحتجزة على ذمة القضية المعروفة إعلامياً بـ«كتائب حلوان»، اعتُقلت علياء لأول مرة عام 2014 بسبب عملها كمصورة صحفية، ثم أُخلي سبيلها عام 2016 قبل أن يُعاد اعتقالها من داخل قاعة المحكمة عام 2017 والحكم عليها بالسجن المشدد 15 عاماً، ورغم إصابتها بالسرطان وحاجتها إلى علاج كيماوي خارج مستشفى السجن، ما تزال تقبع في ظروف احتجاز غير آدمية، وسط اتهامات حقوقية بأن استمرار حبسها يمثل تهديداً مباشراً لحياتها. وتؤكد «هيومن رايتس إيجيبت» أن التهم الموجهة إليها تفتقر إلى الأدلة، وتطالب بإعادة محاكمتها أمام قاضٍ جديد والإفراج عنها فوراً.

 

أما في الإمارات، فقد انتهت قصة المعتقلة علياء عبد النور نهاية مأساوية، بعدما توفيت داخل سجن الوثبة في أبو ظبي في مايو 2025 إثر معاناة طويلة مع السرطان، اعتُقلت علياء بتهمة «تمويل الإرهاب» بعد جمع تبرعات لمساعدة أسر سورية محتاجة، وتعرضت للتعذيب والإجبار على توقيع اعترافات، وفق شهادات حقوقية دولية، ورغم المناشدات الواسعة للإفراج الصحي عنها، رفضت السلطات الإماراتية السماح لها بقضاء أيامها الأخيرة بين أسرتها، لتفارق الحياة داخل السجن بعد حرمانها من العلاج المناسب، وقد أثارت وفاتها موجة غضب دولية، باعتبارها مثالاً صارخاً على الإهمال الطبي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل السجون الإماراتية.

 

وتكشف هذه الحالات الثلاث—رضوى ياسر، علياء عواد، وعلياء عبد النور—عن نمط متكرر من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء المحتجزات في المنطقة العربية، حيث يتحول المرض إلى عبء مضاعف داخل بيئة احتجاز تفتقر إلى الرعاية الطبية، ويُستخدم الحبس الاحتياطي أو الأحكام المشددة كأداة عقابية تتجاهل الاعتبارات الإنسانية، كما تبرز هذه القصص غياب آليات فعالة للمساءلة، سواء في ما يتعلق بالإخفاء القسري، أو التعذيب، أو الحرمان من العلاج، أو رفض الإفراج الصحي رغم خطورة الحالات.

 

وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن استمرار هذه الممارسات يشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وقواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، التي تنص على ضرورة توفير الرعاية الصحية المكافئة لما هو متاح خارج السجون، والإفراج عن المحتجزين الذين يعانون أمراضاً تهدد حياتهم، كما تشدد على أن احتجاز مريضات بالسرطان في ظروف غير إنسانية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية، وأن حماية الحق في الحياة يجب أن تكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

 

وتطالب المنظمات الحقوقية في مصر والإمارات بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي تعرضت لها هؤلاء النساء، وضمان عدم تكرارها، وإقرار آليات رقابة فعالة على السجون، وإطلاق سراح كل من يعاني أمراضاً خطيرة لا يمكن علاجها داخل أماكن الاحتجاز، كما تدعو إلى مراجعة شاملة لسياسات الحبس الاحتياطي والأحكام المشددة التي تُستخدم في كثير من الأحيان كأداة للانتقام السياسي أو العقاب الجماعي.

 

وتبقى قصص رضوى ياسر وعلياء عواد وعلياء عبد النور شاهداً مؤلماً على ثمن الإهمال الطبي داخل السجون، وعلى الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية تضمن أن لا تتحول الزنازين إلى غرف انتظار للموت، وأن لا تُترك النساء لمواجهة السرطان وحدهن خلف القضبان.