قالت صحيفة معاريف" العبرية: "إيران من تحدد قواعد اللعبة الآن فتهديدها بوقف المحادثات مع واشنطن دفع ترامب لوقف الهجوم الإسرائيلي على لبنان". وأعقبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات عبر "تروث" مساء الاثنين 1 يونيو قال إن الأمور تبدو جيدة بشأن مسار التفاوض مع إيران مضيفا "طرأ خلل بسيط على المسار وتمت معالجته بسرعة كبيرة" وأن "السلام قد يكون أفضل من الانتصار العسكري" واضعا بذرة الاستدارة بقوله: "الأمر ليس سهلًا بالنسبة لإيران، لكن واشنطن ستحصل على ما تحتاج إليه".
وعلق المحلل السياسي محمد فرج، "إيران طرحت ثلاثة مستويات من التهديد لكيان الاحتلال: وقف الرسائل مع واشنطن، ورد من جبهة المقاومة، وتهديد واضح لشمال فلسطين المحتلة والمستوطنات."
في المقابل، نقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر مسؤول أن إيران ستطبق تعديلات جديدة على مسودة مذكرة التفاهم، مؤكداً أن مقترحات ترامب لا تعني بالضرورة القبول بها .
ضربة الضاحية وبداية مرحلة مختلفة
تعيش المنطقة لحظة فارقة بعد ضربة كيان الاحتلال التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي ضربة لم تُقرأ كعملية عسكرية محدودة، بل كرسالة سياسية حاول فيها بنيامين نتنياهو إعادة فرض قواعد اشتباك جديدة بعد أشهر من التراجع والارتباك.
لكن ما لم يتوقعه كثيرون هو أن الرد الإيراني سيأتي بهذه السرعة والوضوح، وأن طهران ستتعامل مع الضربة باعتبارها استهدافًا مباشرًا لها، لا لحزب الله وحده.
هذا التحول وضع الحرب على مسار جديد، مسار لم يعد يشبه ما قبله، وفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل المواجهة، وحول ما إذا كانت واشنطن نفسها بدأت تدرك أن خياراتها تضيق وأن قدرتها على فرض الإيقاع تتراجع.
تصريحات عراقجي
في قلب هذا التحول جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي حملت نبرة غير مسبوقة في حدّتها. قال عراقجي إن انتهاك وقف إطلاق النار على جبهة واحدة هو انتهاك له على جميع الجبهات، وإن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تتحملان مسؤولية أي خرق، محذرًا من أن رعونة وعدوانية كاتس ونتنياهو تهدد بدفع المنطقة كلها إلى الحرب مجددًا.
وهذه الكلمات لم تُقرأ كتحذير دبلوماسي، بل كإعلان عن معادلة ردع جديدة ترى فيها إيران أن وقف النار لم يعد اتفاقًا محليًا في غزة أو لبنان، بل منظومة أمنية مترابطة تشمل كامل الإقليم.
وبذلك، فإن أي خرق في أي ساحة سيُعامل باعتباره خرقًا شاملًا، وهو ما يعني أن إيران لم تعد تقبل الفصل بين الجبهات، وأنها باتت ترى نفسها طرفًا مباشرًا في تحديد مستقبل الحرب.
إحراج واشنطن وتل أبيب
هذا الموقف عبّر عنه بوضوح المحلل السياسي سعيد زياد @saeedziad الذي كتب أن نتنياهو اعتقد أن بإمكانه التصعيد بلا سقوف، وأن إيران ستمرر استباحة الضاحية كما مررت استباحة الجنوب سابقًا، لكن الرد الإيراني السريع كان مفاجئًا ومحرجًا للإسرائيلي والأمريكي معًا.
ويضيف زياد أن الرد وضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما ترك إسرائيل تواجه إيران وحزب الله وحدها، وهو ما تفضّله طهران، أو الانخراط في المعركة بما يعني عودة الحرب إلى نقطة الصفر.
ويرى زياد أن نتنياهو خسر ماء وجهه بهذا التراجع، وأن إيران ستتشدد أكثر في مسألة وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، معتبرًا أن الحرب انتهت عمليًا وبدأت مرحلة الاعتراف بالواقع الإيراني.
تسريبات نيويورك تايمز واستدارة واشنطن
هذا الواقع الجديد بدأ يتجسد في التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين ودبلوماسيين مشاركين في المفاوضات. فالتسريبات تشير إلى اتفاق واسع لا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل وقفًا للقتال لمدة ستين يومًا قابلة للتمديد، واتفاق عدم اعتداء بين واشنطن وطهران، وبُعدًا إقليميًا يشمل لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفعًا تدريجيًا للعقوبات، وصندوقًا اقتصاديًا قد تصل قيمته إلى ثلاثمئة مليار دولار.
هذه البنود، إن صحت، تعني أن الحرب التي بدأت بخطاب يتحدث عن استسلام إيران وتفكيك برنامجها النووي بالكامل انتهت إلى تفاهمات سياسية وأمنية واقتصادية، وهو ما يراه كثيرون تحولًا جذريًا في الموقف الأمريكي، أقرب إلى الاعتراف بإيران قوة إقليمية منه إلى محاولة تحجيمها. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذا التحول يشبه استسلامًا سياسيًا ناعمًا، أو على الأقل تراجعًا اضطراريًا فرضته نتائج الميدان.
الرؤية الإيرانية
لكن هذا المشهد ليس موحدًا داخل إيران نفسها. فقد كتب المحلل الإيراني مهدي محمدي أن فترة وقف إطلاق النار انتهت فعليًا، وأن الانسحاب منه بدأ، وأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن الثقة في إمكانية التفاهم مع حكومة تقود عمليات اغتيال شبه معدومة.
ويرى محمدي أن الحديث عن أن إيران تتلقى الضربات ولا ترد هو دعاية غربية، وأن الواقع يظهر العكس، وأن صمت الكيان وتحركات واشنطن يشيران إلى فترة تحضير جدية لحرب جديدة.
ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إن ترامب خسر الحرب والمفاوضات معًا، وإنه يلجأ إلى الحرب النفسية للتغطية على هذه الهزيمة. هذا الخطاب يعكس رؤية التيار المحافظ الذي يرى أن أي اتفاق مع واشنطن سيكون تنازلًا غير مقبول، وأن إيران يجب أن تفرض شروطها من موقع القوة لا من موقع التفاوض.
البعد الأخلاقي للصراع وتذكير بمراتب التضحية
وفي خضم هذا الجدل السياسي والعسكري، يبرز صوت مختلف يذكّر بالبُعد الأخلاقي للصراع. فقد كتب محمد حامد العيلة @Moh_Aila أن العدل فريضة لا يسقطها خلاف، وأن من قدّم آلاف الشهداء في معركة الإسناد لغزة لا يجوز أن يكون هدفًا للوم أو التشكيك، وأن من يقاتل العدو لا ينبغي أن تُوجَّه إليه السهام من الخلف. هذا الخطاب يعيد ترتيب الأولويات في لحظة تتداخل فيها السياسة بالحرب، ويذكّر بأن الصراع ليس مجرد حسابات عسكرية، بل معركة قيم أيضًا.