حذر خبراء وباحثون من الأضرار البيئية المترتبة على إنشاء مارينا لليخوت أمام مدينة العلمين الجديدة، خصوصا بعد الأثار البيئية السلبية التي نتجت عقب إنشاء مارينا مراسي، حيث قالت دراسات شركات أجنبية: إن "الأثار السلبية للمرسى من الصعب علاجها، وفي ذات الوقت تصر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على تنفيذ المشروع دون الانتصاب للدراسات والتحذيرات العلمية. "
على بعد 33 كم، من مشروع مارينا مراسي الذي واجه انتقادات عدة بسبب تجريفه للشواطئ، تُقام "مارينا اليخوت بالكيلو 92" بالساحل الشمالي الغربي، بمدينة العلمين الجديدة، وسط تخوفات من تجدد مشاكل مشروع "مراسي" به، خاصةً مع منح "مارينا اليخوت" تسهيلات استثنائية.
كانت الجريدة الرسمية نشرت في عددها الصادر بتاريخ 23 مايو 2026، قرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي باعتبار المشروع، الذي تنفذه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، "من المشروعات القومية في تطبيق أحكام قانون البناء رقم 119 لسنة 2008".
ترصد منصة "#متصدقش" في التقرير التالي الامتيازات التي قد يحظى بها المشروع، والأضرار البيئية والبحرية المحتملة على سواحل البحر المتوسط، في حال تكرار المشكلات التي تظهر مع ذلك النمط من المشروعات، كما تتبع الشركة المنفذة له.
التمهيد قانونًا لشق البحر وتهيئته لليخوت
أعلنت شركة قاصد خير للمقاولات العامة والإنشاءات وهي مقاول للمشروع من الباطن عنه في يناير 2025، وتُقام "المارينا" على مساحة تُقدّر بنحو 180 ألف متر مربع، مع تخصيصها لاستقبال اليخوت الفاخرة وسفن الكروز، باستثمارات تُقدّر بنحو 80 مليون دولار، وفقًا لما نشره موقع "اقتصاد الشرق بلومبرغ".
يتضمن المشروع أرصفة بلوكات عميقة، تغوص حتى 5 أمتار "لتستوعب أضخم اليخوت الفاخرة"، بحسب منشور في يناير 2025 لصفحة شركة قاصد خير، والتي طمأنت المتابعين حينها، مشيرة إلى أن المياه المحيطة به "ستزدهر بتطوير تقنيات حماية مبتكرة من الألسنة البحرية (groins) التي ستحافظ على استدامة الشواطئ".
إدخال مشروع "مارينا اليخوت" ضمن إطار المشروعات القومية في تطبيق قانون البناء، يتيح له مجموعة من التسهيلات والإجراءات الاستثنائية، من بينها استبدال إجراءات الترخيص التقليدية بشهادة تصدرها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وفق المادة 39 مكرر من قانون البناء، بما يسرّع إجراءات التنفيذ واعتماد الأعمال.
كان المنقلب عبد الفتاح السيسي أصدر في أبريل 2015 القانون رقم 23 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون البناء، والذي أضاف حينها المادة 39 مكرر.
وفي يناير 2016، خلال تصريحات ألقاها في مجلس النواب، أرجع اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية حينها، أسباب تعديل القانون، إلى أن "الهيئة الهندسية تقوم بمشروعات كثيرة للدولة، وفيما يتعلق بالمشروعات القومية الكبرى المسندة للهيئة فهي تأتي من مجلس الوزراء وليس من المنطقي أن أحصل على موافقة المحليات، وهذه الشهادة تعتبر ترخيص للهيئة"، مضيفًا أن التعديلات تستهدف البعد عن الروتين.
وأشار شاهين حينها إلى "أن القوات المسلحة تعمل في المناطق ذات الأهمية العسكرية، ولا نعمل إلا في أراضي تملكها وزارة الدفاع، وإذا أوكلت الدولة إلينا مشروعًا".
ذلك التعديل يعني أن أعمال الإنشاءات الخاصة بمشروع مرسى اليخوت، الذي تنفذه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، قد تخضع لمسار استثنائي في إجراءات الترخيص.
رغم ما قد يتضمنه من إنشاء كاسرات أمواج خرسانية، وحمايات صخرية، ومصدات أرصفة بحرية، وهي منشآت تُستخدم لحماية السفن والأحواض أثناء الرسو عبر امتصاص تأثير الأمواج وتهدئة حركة المياه داخل المرسى.
وتقول المادة 39 مكرر نصًا: "تُستثنى المشروعات القومية الصادر بها قرار من مجلس الوزراء التي أقامتها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وتعتبر هذه الشهادة بمثابة ترخيص منتج لآثاره".
وهو ما يعني عمليًا أن المشروع، بما يتضمنه من أعمال بحرية وإنشائية حساسة قد تؤثر على البيئة والحياة البحرية، يمكن أن يتجاوز إجراءات الترخيص المحلية التقليدية، من خلال الاكتفاء بشهادة تصدرها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بدلًا من مسار البناء المعتاد.
قبل تكرار "مأساة مراسي"
مشروع إقامة مرسى بحري لليخوت الفاخرة، الذي تعمل الحكومة المصرية على إنشائه على طريق الإسكندرية مطروح الساحلي بمنطقة الكيلو 92 بالساحل الشمالي الغربي، يحتاج إلى سلسلة من الإنشاءات والأعمال داخل البحر، لتهيئة الموقع كمرسى بحري على البحر المفتوح.
يتسبب إنشاء المصدات أو كاسرات الأمواج الصلبة، التي يُرجّح أن يتطلبها مشروع المارينا البحري، في إحداث اضطراب بالنظام الطبيعي لحركة الرمال على الساحل، إذ تتراكم الرواسب أمام هذه الحواجز، ما يحرم الشواطئ المجاورة من الرمال التي كانت تغذيها طبيعيًا، ويؤدي إلى تآكلها بمعدلات متسارعة.
وذلك وفق دراسة علمية منشورة في مجلة "Arabian Journal of Geosciences"، أجرتها د. إسراء عزيز المصري من قسم علم المحيطات بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، حيث وثّقت تغيرات الخط الساحلي في "الساحل الشمالي" خلال الفترة من 1995 إلى 2022.
وقد رصدت الدراسة التغيرات التي ظهرت في منطقة سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي، منذ أن أنشأت شركة "إعمار" الإماراتية ميناء "مارينا مراسي" بداية من عام 2015.
حيث بدأت تظهر تراجعات حادة في بعض النقاط القريبة من المشروع، إذ كان الشاطئ يتراجع ويتحرك خط الساحل باتجاه اليابسة بمعدل بلغ 14.2 مترًا سنويًا، وهو معدل مرتفع عكس تدهورًا حادًا في البيئة الشاطئية.
كما أشارت الدراسة إلى أن إنشاء "إعمار" عددًا من الكاسرات البحرية لدعم الأنشطة الترفيهية الخاصة بالمشروع أدى إلى اختلال التوازن الطبيعي لحركة الرواسب، وتسبب فعليًا في تآكل الشواطئ بالمناطق المجاورة، بدلًا من حمايتها،
ويحدث ذلك نتيجة اضطراب حركة الرواسب الساحلية، إذ تصبح الشواطئ التي لا تحظى بحماية مماثلة، أو التي تعتمد على حمايات جزئية وغير فعالة، أكثر هشاشة وعرضة للتآكل بمعدلات أسرع، وهو ما ظهر بوضوح على سواحل سيدي عبد الرحمن، بحسب تحقيق سابق لشبكة "أريج".
وقد أثارت هذه التغيرات شكاوى واسعة من ملاك الشواطئ والقرى المجاورة، ما دفع وزارة البيئة إلى إعلان في بيان نشرته مايو 2022 عن إيقاف أعمال التكريك بميناء مراسي، وتشكيل لجنة لبحث الآثار السلبية للمشروع.
دراسة أثر بيئي "مخففة" للمشروع
في أغسطس 2024 وافق مجلس الوزراء على تعديل بعض مواد اللائحة التنفيذية لقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 338 لسنة 1995، بهدف تسهيل إجراءات دراسات تقييم الأثر البيئي لدعم وتشجيع الاستثمار.
بموجب التعديلات، جرى تخفيف بعض الاشتراطات المرتبطة بالمعايير البيئية؛ إذ نصت المادة الرابعة من اللائحة، والتي توضح مسؤوليات جهاز شؤون البيئة في تحديد المعدلات والنسب والمعايير، التي يجب أن يوافق عليها، لتصبح "استرشادية"، بعدما كانت "إلزامية".
في حديثه مع "#متصدقش"، يقول المحامي المتخصص في قضايا البيئة أحمد الصعيدي، إنه من المفترض في مشروع يقع بمنطقة بحرية حساسة ونادرة كهذا المشروع، أن تكون الدولة هي الأكثر حرصًا على إجراء دراسات "تقييم أثر بيئي"، وتنفيذ جميع الاشتراطات البيئية المنصوص عليها قانونيًا قبل بدء أي أعمال إنشائية، وهو ما لا يتوقع الصعيدي حدوثه، رغم خطورة ما قد يترتب على ذلك من أضرار لبيئات بحرية متميزة تُعد من حق المواطنين.
وأضاف الذي تابع عن قرب الأزمة البيئية المرتبطة بمشروع "مراسي"، أنه يخشى تكرار السيناريو نفسه في مشروع "مارينا اليخوت"، خاصةً أن المشروعين يقعان تقريبًا في المنطقة ذاتها وعلى الطبيعة الساحلية نفسها للبحر المتوسط.
"تقييم الأثر البيئي" هو دراسة متخصصة ترصد كل التأثيرات المحتملة للمشروع على البيئة، وكيفية تجنبها أو الحد منها أو إصلاحها، ويُعد أحد الاشتراطات الأساسية اللازمة للموافقة على إقامة أي مشروع.
وأشار إلى أن هذا النوع من الدراسات ساهم بالفعل، في حالات سابقة داخل مصر، في وقف بعض المشروعات أو تعديلها بسبب الأضرار البيئية التي كان يمكن أن تتسبب بها، فهو ليس مجرد "تستيف ورق"، على حد تعبيره، موضحًا أن الأضرار اللاحقة تكون أكثر صعوبة في إصلاحها.
وضرب الصعيدي مثلًا بما حدث في منطقة سيدي عبد الرحمن، قائلًا: إن "الحكومة لم تتحرك، ولم تُشكّل لجان متابعة أو تُجرِ مراجعات بيئية موسعة، إلا بعد أن بدأت الآثار السلبية للمشروع الذي نفذته "إعمار" في الظهور بشكل واضح على الشواطئ المجاورة، مضيفا أن شركة “إعمار” استعانت لاحقًا بشركة استشارات أجنبية في محاولة لاحتواء أزمة التآكل والتجريف التي ظهرت في سيدي عبد الرحمن، إلا أن الرد الذي تلقته كان أن أي تدخلات لاحقة لن تكون نتائجها مضمونة، وأن ما سيجري سيكون أقرب إلى التجريب"..
طريق مالك “قاصد خير” إلى البرلمان مفروش بالكراكات البحرية
وثّقت "متصدقش" صورًا لعمال داخل المشروع، إلى جانب عدد من الصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها الشركة المنفذة للمشروع، "قاصد خير"، وتُظهر تنفيذ أعمال الأرصفة والكاسرات والإنشاءات داخل البحر، وأعمال التكريك لإنشاء حوض المارينا، خلال العام الماضي 2025.
وبمجرد تصفح حساب الشركة على “إنستجرام”، تظهر مقاطع أعمال الحفر والتكريك والإنشاءات داخل البحر لإنشاء مشروع اليخوت، يتوسطها فيديو لرئيس مجلس إدارة الشركة، سعيد جمال، أثناء أدائه اليمين الدستورية عضوًا في مجلس النواب، بعد صدور قرار جمهوري بتعيينه في يناير 2026.
شركة "قاصد خير"، متخصصة في المقاولات والأعمال البحرية والبنية التحتية، وتأسست عام 1991، وتشير محفظة أعمال الشركة إلى توسع ملحوظ في حجم مشروعاتها منذ عام 2014، فيما يغلب على المشروعات المنشورة عبر موقعها الرسمي طابع المشروعات الحكومية ومشروعات البنية التحتية الكبرى.
وشاركت الشركة في تنفيذ عدد من مشروعات الكاسرات البحرية والهياكل الخرسانية، من بينها سلسلة الكاسرات الغاطسة في سيدي بشر بالإسكندرية، وأعمال الحماية البحرية بنادي مصطفى كامل، بالإضافة إلى أعمال بالحاجز البحري في أبو قير.
وهي مشروعات أثارت شكاوى من سكان المناطق الساحلية في الإسكندرية، في وقت تنصح فيه دراسات وأبحاث علمية بالتخلي عن الحلول الساحلية "الصلبة"، والتوسع في الدمج بين الحواجز الهندسية والحلول القائمة على الطبيعة، بسبب التأثيرات المحتملة لهذه المنشآت على السكان وسبل معيشتهم، بما في ذلك خسارة أجزاء من الشواطئ وتضرر أنشطة مثل الصيد.
شاركت الشركة أيضًا في تنفيذ أعمال بعدد من الموانئ، من بينها ميناء العريش البحري، إلى جانب مشاركتها في إنشاء قواعد ومنشآت عسكرية، مثل قاعدة برنيس البحرية في رأس بناس، وقاعدة بورسعيد البحرية.
ولم تتوقف أعمالها في البحر، بل امتدت للبر كذلك، من خلال حصولها على مشروعات إنشائية، شملت مشروع هنجر الغواصات البحرية، وتطوير مبنى قيادة الأسطول الشمالي في رأس التين، وإنشاء مهابط هليكوبتر خلف الأرصفة البحرية، فضلًا عن تنفيذ قاعة المؤتمرات بجامعة الجلالة، ومشروعات بمدينة المنصورة الجديدة، وأعمال بمحور التعمير بمحافظة الإسكندرية.
وسبق أن أجرى رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع زيارة للمشروع في نوفمبر 2025، للاطلاع على آخر التطورات به، وتُعدّ "الهيئة" أحد ملاك شركة العلمين لإدارة الموانئ واليخوت المشرفة على المشروع، والتي تأسست بقرار لرئيس الوزراء في مارس 2024.