في الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي بمحبسه وأمام قضاة الانقلاب في 17 يونيو 2019، يستدعي باحثون وناشطون أقوال وتصريحات بلسان أصحابها (من باب أن الحق ما شهد به الأعداء) وهي متداولة صوت وفيديو وبلغات بالعربية وغيرها، كتصريح قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي أن الرئيس محمد مرسي أراد إقامة دولة إسلامية في مصر، وهو التصريح الذي كرره في عيد الفطر الأخير 1447، وهو ما سبق وأشار إليه نبيل فهمي ( الأمين العام للجامعة العربية الآن )، وزير الخارجية الانقلاب في حكومة السيسي –الببلاوي، (يونيو 2013- يوليو 2014 ) في حوار أجراه مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية أن "محمد مرسي أراد تطبيق نظامٍ إسلاميٍ في مصر، وهو ما لم نكن لنسمح به، ولذلك لجأنا للجيش للتخلص منه".
ولعب السيسي ونبيل فهمي على الدور الفعال الذي أزعج واشنطن وتل أبيب، حيث المحطة الأبرز في اختبار العلاقة مع الكيان بالحرب التي شنها الاحتلال (بارك -نتنياهو) على غزة في نوفمبر 2012 (عملية عمود السحاب) وأدارت الرئاسة المصرية بالتنسيق مع الأجهزة السيادية والمخابرات اتصالات مكثفة حظيت بتلميحات من إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وحكومة الاحتلال، بعدما نجح التحرك المصري في فرض تهدئة ووقف إطلاق النار في ظرف أيام قليلة.
هذا الدور عزز القناعة لدى الدوائر الغربية بأن نظام مرسي، سيهدم أو (يؤجل على الأقل) المشروعات التي يعلنها رئيس حكومة الاحتلال وسموتريش وبن غفير من "إسرائيل الكبرى".
شهادة مراسل نيويورك تايمز
ديفيد كيركباتريك (David Kirkpatrick)، الذي كان مديراً لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة خلال فترة الثورة وأحداث عام 2013، وقد فصّل هذه الكواليس لاحقاً في كتابه الشهير الصادر عام 2018 بعنوان "في أيدي العسكر" (Into the Hands of the Soldiers).
الرواية الصحفية التي قدمها كيركباتريك (بناءً على شهادات ومقابلات مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وغربيين) تدعم أن الرئيس مرسي وفي سياق "ضغط دبلوماسي خلف الكواليس" لعبت تل أبيب دور "المحامي الأبرز" للتحول السياسي في مصر (الانقلاب) داخل أروقة واشنطن.
ويروي الكتاب أنه بمجرد صدور بيان 3 يوليو 2013، بدأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولون أمنيون بحكومته حملة اتصالات هاتفية مكثفة مع إدارة باراك أوباما (التي كانت منقسمة ومترددة في البداية بشأن تسمية ما حدث بالانقلاب) ومارست تل أبيب ضغوطاً هائلة لإقناع الإدارة الأمريكية بأن استقرار مصر والأمن الإقليمي (بما في ذلك اتفاقية كامب ديفيد وضبط حدود غزة وسيناء) يتطلب دعم القيادة العسكرية الجديدة بقيادة عبد الفتاح السيسي، وحذرت واشنطن من أن قطع المساعدات العسكرية عن الجيش المصري سيكون خطأً استراتيجياً كارثياً.
السفيرة الأمريكية آن باترسون (Anne Patterson)
وقبل الانقلاب اتهمت باترسون من قِبل المعارضة المصرية الليبرالية واليسارية في الشارع بأنها "تدعم مرسي والإخوان"، لأنها كانت ترى (وفقاً للسياسة الرسمية للخارجية الأمريكية آنذاك) أن مرسي رئيس منتخب ديمقراطياً ويجب التعامل معه، وكانت تحذر المعارضة من أن النزول للشارع قد يؤدي للفوضى أو عودة الحكم العسكري، وبعد الانقلاب وبمجرد تحرك الجيش تحول دور باترسون (والإدارة الأمريكية عموماً) نحو "الواقعية السياسية" (Realpolitik)، ركزت السفيرة على تأمين المصالح الأمريكية وحماية المسار الانتقالي، وتلاقت جهودها مع الرغبة الصهيونية في الحفاظ على تماسك الجيش المصري كشريك أمني استراتيجي، وتجنب أي تصعيد أمني في سيناء.
دور كاترين آشتون (Catherine Ashton)
وأشار (كيركباتريك) إلى أن كاترين آشتون، التي كانت تشغل منصب الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، لعبت دور "الوسيط الدولي الأبرز" في تلك الأسابيع الحرجة وزارت الرئيس محمد مرسي في معتقله وكانت المسؤول الدولي الوحيد الذي سُمح له بزيارته في مكان احتجازه السري بعد عزلّه.
ووفقاً للتقارير والشهادات، آشتون لم تكن تسعى لإعادة مرسي إلى السلطة (لأنها اعتبرت أن الأمر قُضي على الأرض)، بل كانت تحاول إقناع مرسي وقادة جماعة الإخوان المسلمين بالقبول بالأمر الواقع، والانخراط في العملية السياسية الجديدة مقابل الإفراج عن المعتقلين و"خروج آمن" وتجنب الصدام الدموي (وهو ما رفضه مرسي والجماعة متمسكين بالشرعية، لتنتهي الوساطة بالفشل وتحدث فض الاعتصامات لاحقاً).
تعاظم قوة حماس
وبالعودة للمربع الأول، ففي أغسطس 2025، أقر آفي ديختر عضو كابنتيت الحرب على غزة والرئيس السابق لجهاز أمن الكيان (الشاباك) ووزير الزراعة الحالي – في حواره مع قناة العربية – أن حصار مصر على غزة قبل الحرب ومنعها أهل غزة من السفر قبل عام 2011 هو سبب كل المآسي، وأن قيام حكومة الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي رحمة الله عليه بدعم المقاومة عام 2012-2013 هو الذي قواها.
واعتبر مراقبون أن مقابلة "العربية" ليست مقابلة، وليست صحافة، وإنما دعاية فجّة لحرب الإبادة في غزة، ستظلّ أبدَ الدهر وصمةَ عار في جبين الدولة التي تموّل القناة، عندما جدد التصريح "..الذي قوّى حماس وسمح بمرور السلاح إليها هو الرئيس مرسي والإخوان المسلمون بين عامَيْ 2011 و 2013"
وسبق لأفي ديختر رئيس الشاباك أن اعترف في سبتمبر 2015 بزيادة الكيان الصهيوني لميزانية الدفاع في عهد الرئيس مرسي تحسبا لأي هجمات ضدهم.
وفي مايو 2016 قال "ديختر": إن "إسرائيل أنفقت المليارات لإطاحة حكم محمد مرسي والمجيء بعبد الفتاح السيسي".
وفي تصريحات متلفزة حديثة قال: "أكتر حاجة جعلت حماس قوة عسكرية هما السنتين ما بعد 2011، وكان بدعم الإخوان المسلمين في وقت حكم "محمد مرسي".
https://x.com/ERC_egy/status/1961395727482913079
وفي أغسطس 2024، جاءت تصريحات لوزير دفاع الكيان السابق يوآف جالانت تشير إلى أن "السيسي" حاصر غزة بفعالية ومنع دخول الأسلحة منذ توليه الحكم وأن الرئيس محمد مرسي سمح بدخول الأسلحة لغزة عبر معبر رفح ومن خلال الأنفاق.
تصريح وزير دفاع الجيش الصهيوني السابق الذي نقلته القناة 14 الصهيونية " أكد أن "معظم الأسلحة التي وصلت إلى قطاع غزة دخلت عبر معبر رفح أو عبر الأنفاق أثناء حكم مرسي"، وهو ما اعتبرته مؤسسة مرسي للديمقراطية "وسام شرف لمصر وثورتها وشعبها".
وقال يوآف جالانت: "من سنوات لم يكن هناك تهريب من الأنفاق عبر محور فيلادلفيا، لأن السيسي لم يسمح بذلك، ومعظم الأسلحة التي وصلت إلى قطاع غزة دخلت عبر معبر رفح أو عبر الأنفاق أثناء حكم مرسي والآن قمنا بتدمير كلاهما".
تصريحات مؤكدة
وسبق ذلك في سبتمبر 2024 تصريح نقلته (إذاعة جيش الاحتلال) تقول: إن "حماس تمكنت من إنشاء مصانع ضخمة لإنتاج الذخائر ذاتيا بسبب تهريب المعدات اللازمة من مصر في عهد الرئيس محمد مرسي".
وفي فبراير من العام ذاته، قالت (كرستيان ساينس مونيتور) الأمريكية في 2014 إن "قدرات صواريخ المقاومة الفلسطينية زادت، لأنها امتلكت ترسانة كبيرة من الأسلحة والعتاد العسكرية وقت حكم الرئيس محمد مرسي، ومصر حينها اتخذت موقفا أكثر تساهلا بشأن الأسلحة والعتاد التي تم تهريبها عبر أنفاق التهريب على الحدود مع مصر".
وشهد المشهد المصري –"الإسرائيلي" أزمة، وذلك بعد العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة في 14/11/2012، حيث أمر الرئيس مرسي بسحب السفير المصري لدى “إسرائيل” احتجاجًا على العدوان، كما طالب الرئيس من وزارة الخارجية المصرية باستدعاء السفير الإسرائيلي بمصر، وتسليمه رسالة احتجاج بشأن العدوان، والتأكيد على ضرورة الوقف الفوري لكل أشكال العدوان. وشدد وزير الخارجية المصري، محمد كامل عمرو، على أن بلاده لن تسمح للعلاقات التي تربطها مع “إسرائيل” أن تقيد دعمها للشعب الفلسطيني.
أبرز المشاركين من الاحتلال
إلى جانب يوآف غالانت وآفي ديختر، هناك عدة شخصيات بارزة في مجالات الأمن، المخابرات، والسياسة في تل ابيب عبّرت عن الرؤية ذاتها (وهي أن فترة حكم محمد مرسي شكلت بيئة حاضنة لتعاظم قوة حماس العسكرية).
من أبرز هذه الشخصيات التي تبنت هذا الطرح في تقاريرها، تصريحاتها، أو مذكراتها:
بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء)
في جلسات تقدير الموقف الأمنية وفي تصريحاته السياسية اللاحقة، كان نتنياهو يرى أن صعود الإخوان المسلمين للحكم في مصر شكّل تهديداً استراتيجياً ل"إسرائيل"، على اعتبار أن حماس شعرت بوجود "حصانة سياسية".
وركز نتنياهو على أن حماس استغلت عامي 2012 و2013 لزيادة وتيرة تصنيع الصواريخ محلياً واستيراد المواد المزدوجة الاستخدام (التي تستخدم في بناء الأنفاق وتصنيع المتفجرات) تحت غطاء تخفيف القيود على المعابر والأنفاق في تلك الفترة.
عاموس يادلين (رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق – أمان)
وباعتباره واحداً من أهم المحللين الاستراتيجيين في "إسرائيل " ورئيس مركز أبحاث الأمن القومي INSS لاحقاً، قدم يادلين أوراقاً بحثية وتحليلات ركزت على أن "حماس شهدت طفرة في بناء قوتها العسكرية خلال حكم مرسي".
وأشار يادلين في تحليلاته إلى أن التنسيق الأمني بين "إسرائيل" ومصر تراجع إلى حدوده الدنيا في تلك الفترة، مما خلق "منطقة رمادية" في سيناء استغلتها شبكات التهريب الدولية المدعومة من جهات إقليمية لإيصال كميات ضخمة من السلاح والمعدات اللوجستية إلى غزة.
يورام كوهين (رئيس جهاز الأمن العام – الشاباك الأسبق)
وقاد كوهين جهاز "الشاباك" (المسؤول عن جبهة قطاع غزة وسيناء) خلال فترة حكم مرسي (2012-2013). وفي تقاريره الأمنية التي كان يرفعها للحكومة الصهيونية آنذاك، أكد أن حماس لم تعد تخشى الضغط المصري.
ووفقاً للتقارير الاستخباراتية التي صدرت عن الجهاز في عهده، فإن حماس اعتبرت الرئاسة المصرية في ذلك الوقت "حليفاً أيديولوجياً"، مما دفع الحركة لتوسيع شبكة أنفاقها الهجومية والدفاعية وتخزين كميات غير مسبوقة من الأسلحة دون وجود رادع أو رقابة صارمة على الحدود.
تسفي برئيل وجاك خوري (محللون ومقربون من الدوائر الأمنية)
في الصحافة العبرية (مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت)، نقل هؤلاء المحللون عن مصادر عسكرية قلق المؤسسة الأمنية الصهيونية المستمر في 2012 من كون سيناء أصبحت "الممر السريع" (Fast Track) لأسلحة حماس.
وأشاروا إلى أن الجيش المصري في ذلك الوقت حاول في بعض الأحيان التحرك ضد الأنفاق (خاصة بعد هجوم رفح الأول ضد الجنود المصريين في أغسطس 2012)، إلا أن الكوابح السياسية من الرئاسة -حسب زعمهم- كانت تمنع إطلاق عملية عسكرية واسعة وشاملة لتطهير الحدود، وهو ما أثار غضب حماس من الجيش وترحيبها بموقف الرئاسة.
باحثون صهاينة
ورأى باحثون ومعلقون من الكيان أن العلاقات بين مصر و”إسرائيل” خلال حكم مرسي كانت هشة ومتأزمة، بالرغم من محافظتها على معاهدة كامب ديفيد. حيث قال دوف فايسجلاس Dov Weissglas، مدير ديوان رئيس الوزراء الأسبق أريل شارون Ariel Sharon: إن “مصر الجديدة مختلفة تمامًا في تعاملها مع إسرائيل اليوم وغدًا، ومصر بقيادة الإخوان المسلمين ستظل تناصب إسرائيل العداء، وإن عدم إلغائها كامب ديفيد ينم عن اعتبارات تكتيكية راهنة”.
وقال: إن "القاهرة منحت حركة حماس “بوليصة تأمين” تردع الجيش الإسرائيلي عن اجتياح بري لقطاع غزة، مضيفًا أن مصر “ملتزمة أكثر بحماس من التزامها بعلاقات مع إسرائيلي".
وقال السفير الإسرائيلي السابق بالقاهرة تسفي مزال Zvi Maze :”إنَّ الحرب على غزة كشفت أن مصر الجديدة متكأٌ واهٍ بالنسبة لإسرائيل”، وشدد على أن “مشاعر الكراهية لإسرائيل تحرك الرئيس محمد مرسي”.
وذكر الباحث بمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي The Institute for National Security Studies (INSS) التابع لجامعة تل أبيب عوديد عران Oded Eran أن الأزمات بقطاع غزة من شأنها أن تزيد علاقات “الدولتين هشاشة”.
وأكد المحاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط ورئيس مركز حاييم هرتسوج لدراسات الشرق الأوسط والدبلوماسية Chaim Herzog Center for Middle East Studies and Diplomacy في جامعة بن جوريون Ben-Gurion University of the Negev في بئر السبع يورام ميتال Yoram Meital أن مرسي يقود خطًا مختلفًا تمامًا عن سابقه حسني مبارك.
وشدد على أن علاقات مصر و”إسرائيل” في حالة أزمة متواصلة. ولكن المحلل الإسرائيلي جاكي حوجي Jacky Hugi استبعد أن “يقطع مرسي الخيط مع إسرائيل، خوفًا من زعزعة الاستقرار داخل مصر”.
وأشار الباحث المتخصص في العلاقات المصرية الإسرائيلية إسرائيل جرشوني Israel Gershoni إلى أن “مستقبل العلاقات بين البلدين مرهون بمؤثرات كثيرة لا أحد يستطيع التنبؤ بها، وهي مفتوحة على عدة احتمالات” .
وأكد رئيس الموساد Mossad السابق أفرايم هاليفي Efraim Halevy أن العلاقة بين مصر و”إسرائيل”، بعد خلع مبارك، وخصوصًا في عهد مرسي، كانت تتميز بالجفاء والقطيعة، وهناك دلائل على هذا، وأضاف: “نستدل على هذا، بموقف في اليوم الذي انتخب فيه محمد مرسي أرسل بنيامين نتنياهو رسالة تهنئة للرئيس مرسي، وتوقع ردًا مهذبًا منه، ولكن هذا لم يحدث، وطوال هذه الفترة لم يحدث أيّ اتصال على المستوى السياسي بين مصر وإسرائيل”.