يتصاعد الحديث في الأوساط السياسية والاقتصادية عن احتمال دخول مضيق هرمز مرحلة جديدة، قد تتحول فيها تجارة النفط المارة عبره — والتي تتجاوز قيمتها مئات المليارات سنويًا — إلى إيرادات مباشرة تتقاسمها كل من سلطنة عُمان وإيران، في حال قررتا تفعيل ما يسمح به القانون الدولي من رسوم خدمات ملاحية على السفن العابرة.
هذا السيناريو، الذي يجري تداوله على نطاق واسع، دفع محللين إلى القول إن إيرادات هرمز المحتملة قد تصل إلى عشرة أضعاف دخل قناة السويس، إذا ما فُرضت رسوم خدمة على كل ناقلة نفط تمر عبر المضيق.
وفق تقديرات غير رسمية، فإن تطبيق رسوم خدمة تتراوح بين 30 و50 سنتًا للبرميل الواحد — وهي رسوم قانونية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار — قد يدر على طهران ومسقط إيرادات تتجاوز 80 إلى 100 مليار دولار سنويًا، بالنظر إلى أن المضيق يمر عبره يوميًا ما بين عشرين وواحد وعشرين مليون برميل نفط.
هذه الأرقام، رغم أنها لا تزال في إطار التحليل، تعكس حجم التحول الذي قد يشهده المضيق خلال ستين يومًا إذا ما اتخذت الدولتان قرارًا مشتركًا بتفعيل الرسوم.
في هذا السياق، تتداول بعض الأوساط السياسية روايات حول ما يسمى “اتفاق ترامب 2026”، والذي يُقال: إنه "تضمن الإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة، إضافة إلى ترتيبات مالية مع دول خليجية، بل وفرض رسوم على ناقلات النفط العابرة للمضيق. غير أن هذه الروايات لم تُثبتها أي وثيقة رسمية، وتبقى ضمن نطاق التكهنات السياسية التي تُطرح في سياق الصراع الإقليمي حول النفوذ والموارد".
مياه دولية
وفق القانون الدولي، لا توجد في مضيق هرمز “مياه دولية” بالمعنى التقليدي، لأن عرضه عند أضيَق نقطة لا يتجاوز واحدًا وعشرين ميلًا بحريًا، بينما تمتد المياه الإقليمية لكل من إيران شمالًا وسلطنة عُمان جنوبًا لمسافة اثني عشر ميلًا بحريًا. وبهذا تلتقي مياه البلدين وتغطي المضيق بالكامل.
ورغم ذلك، تكفل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور العابر للسفن، وتمنع الدول المطلة على المضائق من فرض رسوم على هذا المرور، لكن القانون نفسه يتيح فرض رسوم خدمات مثل الإرشاد والإنقاذ والمنارات، وهي الرسوم نفسها التي تجني منها تركيا أرباحًا في مضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو.
وتتردد كثيرًا أرقام تقول: إن "مضيق هرمز يحقق ما بين 90 و113 مليار دولار سنويًا، بينما لا تتجاوز إيرادات قناة السويس 9 مليارات دولار، هذه المقارنة تبدو صادمة، حيث تقارن بين قيمة تجارة تمر عبر ممر طبيعي وبين دخل فعلي تحصل عليه دولة من رسوم عبور، فمضيق هرمز لا يحقق إيرادات مباشرة، حتى 60 يوما فترة سماح، بينما قناة السويس تحقق دخلاً ثابتًا لأنها قناة صناعية تفرض رسومًا على السفن".
تجارة بلا رسوم
ويمثل مضيق هرمز أهم ممر للطاقة في العالم، حيث يمر عبره يوميًا ما بين عشرين وواحد وعشرين مليون برميل نفط، أي ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وعندما تُضرب هذه الكمية في متوسط سعر البرميل، فإن القيمة السنوية للنفط الذي يعبر المضيق تتراوح بين سبعمائة وتسعمائة مليار دولار، وقد تصل في بعض السنوات إلى ما يعادل تسعين إلى مئة وثلاثة عشر مليار دولار شهريًا.
هذه الأرقام تمثل قيمة البضائع، وليست إيرادات تحصل عليها دولة معينة، لأن المضيق لا يفرض رسوم عبور، ولا توجد فيه هيئة تحصل على مقابل مالي، فهو ممر طبيعي يخضع لقواعد المرور العابر، وليس قناة صناعية مثل السويس أو بنما.
قناة السويس… ممر صناعي يفرض رسومًا مباشرة
على النقيض من ذلك، قناة السويس ممر صناعي مملوك بالكامل لمصر، وتفرض رسوم عبور على كل سفينة تمر من خلالها. هذه الرسوم هي مصدر الدخل الفعلي للقناة، وقد بلغت في عام 2023 نحو تسعة مليارات وأربعمائة مليون دولار.
وبالتالي فإن قناة السويس تحقق دخلًا ماليًا مباشرًا، بينما مضيق هرمز يمر عبره نفط بقيمة ضخمة لكنه لا يحقق أي دخل مباشر، لأن القانون الدولي يمنع فرض رسوم على المرور في المضائق الطبيعية.
الفارق بين رسوم المرور ورسوم الخدمة
يقدّم الصحفي اليمني سمير النمري @sameer_alnamri تفسيرًا قانونيًا مهمًا يوضح طبيعة مضيق هرمز، ويكشف أن كثيرًا من الناس يخلطون بين “رسوم المرور” المحظورة و“رسوم الخدمة” المسموحة.
يقول النمري إن مضيق هرمز لا يحتوي على قطرة ماء واحدة يملكها المجتمع الدولي، لأن عرضه عند أضيَق نقطة لا يتجاوز واحدًا وعشرين ميلًا بحريًا، بينما تمتد المياه الإقليمية لكل من إيران شمالًا وسلطنة عُمان جنوبًا لمسافة اثني عشر ميلًا بحريًا. وبهذا تلتقي مياه البلدين وتبتلع المضيق بأكمله، ما يعني أنه ممر يقع بالكامل داخل المياه الإقليمية، وليس في مياه دولية.
لكن القانون الدولي، وتحديدًا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمنح السفن حق المرور العابر، ويمنع الدول المطلة على المضائق من فرض رسوم على هذا المرور، ومع ذلك، يوضح النمري أن القانون يسمح بفرض رسوم على الخدمات الملاحية، مثل الإرشاد والإنقاذ والمنارات، وهي الرسوم نفسها التي تفرضها تركيا في مضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو.
وبناءً على ذلك، يرى النمري أن إيران وسلطنة عُمان تستطيعان، إذا تعاونتا، فرض رسوم خدمة قانونية تمامًا، ما قد يدر عليهما أموالًا طائلة دون مخالفة القانون الدولي. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تدرك هذا جيدًا، وأن أي خطوة من هذا النوع قد تدفع واشنطن إلى فرض عقوبات على مسؤولين ومؤسسات مالية في عُمان، وهو ما قد يشكل تهديدًا لاستقرارها الذي يُعد من الأعلى في المنطقة.
ويعتقد النمري أن أزمة هرمز ستستمر طويلًا، وأن إيران لن تتخلى عن ملف المضيق حتى لو اندلعت حرب عالمية، داعيًا المجتمع الدولي إلى محاسبة القوى التي تسببت في تفجير الأزمة.
الاقتصاد السيادي وتدفقات الأموال
يربط الخبير الاقتصادي المصري د. محمود وهبة بين أهمية الممرات البحرية وبين طبيعة الاقتصاد السيادي في المنطقة. ويؤكد أن قيمة النفط المار عبر مضيق هرمز تمثل شريان حياة لدول الخليج، لكنها ليست دخلًا ماليًا مباشرًا، بل قيمة صادرات تعتمد عليها موازنات هذه الدول.
ويشير وهبة إلى أن مصر تعتمد على قناة السويس كأحد أهم مصادر العملة الصعبة، لكنها لا تملك سلعة ذات قيمة عالية مثل النفط يمكن أن تضاعف دخل القناة، كما يؤكد أن الخلط بين قيمة التجارة ودخل الدولة يؤدي إلى سوء فهم كبير، وأن المقارنة بين هرمز والسويس يجب أن تتم على أساس طبيعة كل ممر وليس على أساس الأرقام المتداولة.
ممر طبيعي مقابل قناة صناعية
الفارق بين مضيق هرمز وقناة السويس ليس فارقًا في القوة الاقتصادية، بل فارق في الطبيعة القانونية. فهرمز ممر طبيعي يخضع لحق المرور العابر، بينما السويس قناة صناعية تفرض رسومًا مباشرة.
وقيمة النفط المار عبر هرمز ضخمة لأنها تجارة نفطية عالية القيمة، بينما دخل قناة السويس محدود لأنه يعتمد على رسوم عبور ثابتة.
وبينما يظل هرمز ورقة ضغط جيوسياسية، تبقى قناة السويس مصدر دخل ثابت لمصر، وتظل المقارنة بينهما غير دقيقة ما لم تُفهم طبيعة كل ممر.