عادل الشريف: الإسلام الجادّ عاد مع الإخوان.. والاستبداد يخشى عودتهم

- ‎فيسوشيال

الثورات كلها تقول لا: تحت هذا العنوان كتب الأستاذ عادل الشريف رؤيته حول دور الإخوان في تغير واقع الأمة خلال الحقبة الماضية وأنهم كانوا هم القوة الحقيقة التي حملت الإسلام الجاد للأمة، وأنها تمكنت من إعادة المسلمين إلى جادة الطريق الصحيح في غير عنف ولا تكلف.
كنت في أول أيام التزامي الجاد بالإسلام في يناير ،٧٦ وكنت حينها في الحادية والعشرين من العمر، كنت في حالة استغفار وندم عن الخمس سنوات السابقة على الإسلام الجاد، حيث كنت أسبح مع والدي حافظ القرآن وليسانس الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر وماجستير التربية من جامعة عين شمس في أمواج اليسار والاشتراكية والقومية والناصرية إلى آخر هذه القائمة، وكنت رغم حبي الجارف لأبي، إلا أني كنت أتهمه بيني وبين نفسي أنه المسئول عما كنا فيه، لم أكن وحدي بل معظم مثقفي جيلنا كانوا يخوضون هذا الغمار.

 
 
ولما خرج الإخوان من السجون تبدلت الأحوال بشكل عجيب فأصبح أكثر من تسعين بالمائة ممن كنت ألقاهم في محافل الشيوعية واليسار فرحين جدا بعودتهم الجادة إلى جادة الإسلام يتزاحمون على المساجد وقاعات العلم واستماع الرموز أيامها كالغزالي وكشك ورؤوف شلبي والراوي وسيد سابق والمطيعي وصلاح أبي إسماعيل وإبراهيم عزت وما أدراك ما إبراهيم عزت ، وبعد أن كانت الجامعات المصرية ساحة لاستعراضات أفخاذ البنات تحت الميني جيب والميكرو جيب عرف الحجاب الرائع السابغ الفضفاض طريقه لأجساد معظم بنات مصر ، ثم أخذت الدائرة في الاتساع لتصل إلى كل الجامعات العربية فكانت تلكم هي الصحوة الإسلامية التي انحسر بسببها اليسار وكذلك التصوف في مشرقنا العربي والإسلامي ، تذكروا كل هذا الخير بعد خروج الإخوان من سجون عبد الناصر ، واكثر منه سيكون بعد خروجهم من اقبية سجون الانقلاب .
كنت أرى بمشاهد هذه الصحوة أنني لم أكن نشازا فالأجواء كلها والقناعات والتطورات الفكرية تختلف وتتبدل ، ثم في أوائل الثمانينات بدأت وجوه مصرية قادمة من الخليج وخاصة أرض الحجاز تُزاحم دعوة الإخوان في أول الأمر ، ثم أخذت في الإلحاح على أن الحجاب الإخواني الذي يعتبر الوجه والكفين ليسا بعورة ليس هو الحجاب الشرعي المعتبر ، ثم أخذوا في كيل الاتهامات للإخوان بالميوعة والتسيّب ، ثم أخذوا يصعّدون هذه الاتهامات باتهام الهمْ السياسي للإخوان بإنه هم غير شرعي وأن مشكلة الإخوان تتمحور في أنهم طلاب حكم وسياسة وليسوا طلاب علم " تقريبا علمانية فعلية بأزياء إسلامية " ، ثم أخذت ألسنة كثيرة منهم يلمزون التظاهرات والثورات بالغوغائية والجهل ومخالفة الشرع منتهزين فرصة الثورة الإيرانية أيامها إذ كانت طازجة جدا ، ومشانق إعدام أعداء الثورة في طهران ظلت تهتز لمدة عام كامل بما لا يقل عن عشرة أشخاص يوميا ، وأيامها علمت بإن عناد الثورة الإيرانية وعنفها الحاد ناتج من أنها الموجة الثانية بعد موجة سبقتها وتم الانقلاب عليها سنة ٥٣ وتعرف بثورة" محمد مصدق " والذي كان سهلا ومتسامحا ومحبوبا مرغوبا من كل الوطنيين المخلصين ، كان مسلما جادا ولكنه لم يكن من اتباع وجهة ولاية الفقيه التي اخترعها الخميني ليسد بها ثغرة الإمام الغائب ، وبعد انقلاب الشاه على ثورة مصدق بدعم امريكا وانجلترا ارتكب الشاه رضا بهلوي مجازر شرسة في حق الثوار عرفت إحداها بمذبحة" كونكريدي" والأخرى "بالجمعة السوداء" والتي قذفت فيها الطائرات الحربية مجموعة من المساجد والحُسينيات بالقنابل التي قتلت الآلاف كأنهم في حالة حرب .
يمكنك القول أن معظم الذين شهدناهم رجالا وأفذاذا وشقوا الصفوف في إبلاغ العلم الحقيقي والجهر بالحق كانوا ناتجين إما من ماعون التربية الإخواني أو ماعون التربية اليسارية ثم ما لبثوا أن ابدعوا في الساحة الدعوية الإسلامية بسبب كبير من إتقانهم العربية ببيانها وآدابها وحفظ قرآنها مبكرا في الكتاتيب ، ولعلك بهذا الصدد لو طالعت كتابات العقاد ومحمود شاكر والرافعي والغزالي وقطب وغيرهم الكثير ممن اندرجوا في سلك المفكرين في قضية توريث الحكم والانحراف من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض فلسوف تسمع لهجة منطقية صادقة منصفة وأقرب إلى الشريعة من عباد حروف النصوص وغيرهم ممن ظهروا جبناء ونفعيين ومتسلقين وعلماء سلاطين كما رأيناهم وسمعنا منهم العته والإسفاف إبان ثورات الربيع وإبان الطوفان وكان معظمهم من المحافل البترودولارية إياها .
لما أفاق والدي من غيبوبة اليسار كما محمد عمارة ومحمد لطفي والراوي وكثيرين عددهم لي الشيخ عبدالحميد كشك رحمه الله حين شرفني بالزيارة سنة ٨٨ مكررا مقالة أبي عن عمر بن الخطاب " لا يعرف الإسلام من لم يعش الجاهلية " والتي هونت علي فعلا الفترة التي قضيناها في اليسار ، فكل من قدم من ساحة اليسار كان يخرج من مطامح ومطامع نفسه ويطلب الخير والعدل لأمته ، وكان يظن ذلك في أيدولوجية اليسار فلما افتقدها عمليا هناك وخرج الإخوان من السجون يبرهنون على صدق وجودها الحقيقي في كليات الإسلام الحق وليس الإسلام الصوفي أو السلفنجي وهما الصيغتان الوحيدتان التي تقبل الأنظمة الاستبدادية بوجودها، حيث لا يقاومان الاستبداد بل ينيخا الظهور لركوبه واستعلائه .
هذه فقط مقدمة لما أريد إيصاله إلى العقل المسلم الجديد الذي أراه ينبغي أن تعاد صياغته ليتناسب مع عهد جديد للأرض ستكون كلمة الإسلام فيه هي الكلمة الأولى والأعظم والأعلى والأغلى.. فاصبروا معنا لغد إن كان لنا من الله غد.