شهد مقر حزب العيش والحرية في القاهرة انعقاد مؤتمر بعنوان «السجن مش مكانهم»، نظمته لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، بمشاركة عدد من السياسيين والحقوقيين وشخصيات عامة منهم الصحفي مجدي أحمد حسين رئيس تحرير جريدة الشعب.
وجاء المؤتمر في إطار حملة واسعة تطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، الذين وصفهم مشاركون بأنهم "الأشرف والأنبل" لأنهم دفعوا ضريبة حبهم للوطن.
النائب السابق ببرلمان العسكر الصحفي أحمد الطنطاوي (المعتقل السابق) شدد على أن وجود هؤلاء المعتقلين خلف القضبان يسيء إلى صورة مصر، وأن الإفراج عنهم ضرورة وطنية وأخلاقية.
المؤتمر لم يقتصر على الكلمات السياسية، بل تخلله معرض صور يضم وجوه المعتقلين وبياناتهم ومدد اعتقالهم، في محاولة لتسليط الضوء على معاناتهم الإنسانية.
ومن جانبها أشارت الناشطة الحقوقية ماهينور المصري (المعتقلة السابقة) إلى أن الهدف من المعرض هو تذكير المجتمع بأن هؤلاء المعتقلين مكانهم بين الناس لا خلف القضبان، مؤكدة أن التضامن معهم واجب إنساني.
وبالتزامن، انتقد المحامي منتصر الزيات سياسة الحبس الاحتياطي المطول، معتبرًا أنها تحولت إلى أداة لمعاقبة المعارضين بدلًا من أن تكون إجراءً قانونيًا مؤقتًا.
وكشف الزيات عن مأساة المحامي أحمد نظير الحلو الذي أُصيب بالشلل داخل سجنه بسبب الإهمال الطبي، ليصبح مثالًا صارخًا على ما وصفه بـ"مقبرة الأحياء" في سجن بدر. وأوضح أن النظام يستهدف المحامين لكسر آخر خطوط الدفاع عن المظلومين، وأن ما يجري يمثل جريمة بحق العدالة والقانون.
وركزت الحملة التي رافقت المؤتمر وحملت شعار "السجن مش مكانهم"، وظهر فيها الصحفي محمد عبدالقدوس الرئيس السابق للجنة الحريات بنقابة الصحفيين، ضمن فيديو سجله أعضاء الحملة، على أن المعتقلين السياسيين ليسوا مجرمين بل أصحاب رأي ومواقف، وأن استمرار حبسهم يفاقم الأزمة الحقوقية في البلاد. المشاركون أكدوا أن الإفراج عنهم ضرورة لإعادة الثقة في مؤسسات الدولة، ولإثبات أن مصر قادرة على احترام حقوق الإنسان.
التقرير يعكس أن قضية سجناء الرأي باتت محورًا رئيسيًا في النقاش العام، وأن الأصوات المطالبة بالحرية تتزايد رغم القيود، لتؤكد أن السجن ليس مكانهم، بل مكانهم وسط المجتمع الذي يحتاج إلى أصواتهم الحرة.
اعتقال غامض
في الوقت الذي كانت فيه لجنة الدفاع عن سجناء الرأي تنظم مؤتمرها «السجن مش مكانهم»، تصاعدت أزمة جديدة أثارت قلق الأوساط الحقوقية والفنية، بعد إعلان أسرة المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي عن اقتحام قوة أمنية منزله في المعادي واقتياده إلى جهة غير معلومة. الواقعة التي جرت مساء الحادي عشر من مايو، تزامنت مع فعاليات المؤتمر، لتضيف بعدًا مأساويًا جديدًا إلى قضية سجناء الرأي في مصر.
بحسب رواية الأسرة، اقتحمت قوة أمنية المنزل بعنف، وحطمت محتوياته، 7 مساءً الثلاثاء، واقتادته إلى جهة غير معلومة، فيما اختفى 50 ألف جنيه و4 حواسب محمولة وهاتفان. قبل أن يختطف عمر أمام زوجته وأسرته، تاركًا وراءه حالة من الذعر والصدمة. وأشارت الأسرة إلى اختفاء مبالغ مالية وأجهزة إلكترونية خلال عملية الاقتحام، مؤكدة أن ما جرى يمثل انتهاكًا صارخًا لحرمة المنازل والحق في الأمان الشخصي. ومنذ تلك اللحظة، لم تعلن أي جهة أمنية أو قضائية عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني، ما دفع الأسرة إلى تحميل السلطات المسئولية الكاملة عن سلامته الجسدية والنفسية، والمطالبة بالكشف الفوري عن مكانه وتمكينه من التواصل مع محاميه.
المفوضية المصرية للحقوق والحريات أصدرت بيانًا يدين الاعتقال، مؤكدة أن احتجاز عمر صلاح في مكان غير معلوم يُمثل انتهاكًا للقانون والدستور، ويعكس استمرار ممارسات القبض والاحتجاز خارج إطار الشفافية. وطالبت المفوضية بتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه، وضمان كافة حقوقه القانونية، مشيرة إلى أن ما حدث يعكس تناقضًا صارخًا مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لما يسمى بـ"الانفراجة الحقوقية" و"الحوار الوطني".
وبدورها، رفعت نقابة المهن السينمائية إلى مكتب النائب العام، حيث سُجلت بيانات المخرج وتفاصيل الواقعة، لكن دون تقديم أي تأكيد رسمي بشأن مكان احتجازه. المستشار القانوني للنقابة أوضح أن الطلب قيد الفحص، وأن النقابة تتابع القضية عن كثب بالتنسيق مع أسرة المخرج. في الوقت نفسه، عبّرت شخصيات عامة وحقوقية عن تضامنها مع الأسرة، معتبرة أن ما جرى استمرار لنهج أمني يتعامل مع المبدعين والمعارضين كخصوم يجب إسكاتهم.
ونقلت الناشطة رشا عزب مشاعر القلق التي تعيشها زوجة عمر، مشيرة إلى حالته الصحية الحرجة وحاجته إلى متابعة طبية منتظمة، وهو ما يزيد المخاوف من تعرضه للإهمال أو سوء المعاملة. هذه الشهادة أضافت بعدًا إنسانيًا مؤلمًا إلى القضية، لتؤكد أن ما يحدث لا يهدد حرية الرأي فقط، بل حياة الأفراد وسلامتهم.
ويُسلط اعتقال عمر صلاح مرعي في هذا التوقيت، وبالطريقة التي جرت بها، الضوء على التناقض بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إصلاحات سياسية وحقوقية، وبين الواقع الذي يشهد استمرار الاعتقالات التعسفية بحق المبدعين والمعارضين.
ومع تزامن الواقعة مع مؤتمر "السجن مش مكانهم"، بدا وكأن الرسالة الأمنية واضحة: لا مكان للأصوات الحرة، حتى لو كانت في مجال الفن والإبداع. لكن الرسالة المقابلة من المؤتمر ومن الأصوات المتضامنة كانت أكثر وضوحًا: السجن ليس مكانهم، بل مكانهم وسط المجتمع، يمارسون حقهم في التعبير والإبداع دون خوف أو قمع.