الاستثمار أم السيطرة؟.. حملة إلكترونية لتسويق التغلغل الإماراتي في مصر

- ‎فيتقارير

في إطار سعى دولة الامارات إلى زيادة نفوذها الاقتصادي تعمل على نشر سردية مفادها ان وجود الامارات على الساحة الاقتصادية والسياسية المصرية يخدم مصالح المصريين في المقام الأول، رغم ان الواقع أثبت أنها استفادت من ازمة الديون واشترت أكثر الشركات المصرية ربحية بأسعار زهيدة مقارنة بأهميتها الوطنية، وتستخدم الامارات في هذا المسعى الأدوات والوسائل التقنية التي تجيدها بحرفية عالية.

وكان حمد عبيد الزعابي، سفير الإمارات لدى مصر قد ناقش مع محمد طارق، رئيس العلاقات الحكومية والشئون العامة في مجموعة "موانئ دبي العالمية" في مصر سبل دعم الاستثمارات الإماراتية في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية بمصر وذلك  في 24 أبريل. وبالتوازي مع هذه النقاشات، انطلق على منصة إكس هاشتاج #العلاقات_المصرية_الإماراتية، الذي يُروج لقوة العلاقات بين البلدين، مدفوعًا بنشاط رقمي كثيف.

 

تنسيق زمني لدفع التفاعل

وحلل فريق "#متصدقش" هذه الحملة، كاشفًا عن وجود مؤشرات النشاط الآلي المنسق على هذه الحملة، التي تضمنت معلومات غير مؤكدة عن مشروعات إماراتية-مصرية تطلق قريبًا. وبداية النشاط أظهرت البيانات المستخلصة عبر أداة Talkwalker أن بداية ظهور الحملة اتسمت بتركيز زمني حاد، ما يُرجح فرضية وجود تنسيق زمني لدفع التفاعل على الهاشتاج؛ إذ رُصدت الغالبية العظمى من المنشورات (188 منشورًا من أصل 192) خلال يوم واحد فقط هو 26 أبريل 2026، في حين تراجع النشاط بشكل شبه كلي في اليوم التالي، وهذا النمط من الظهور المفاجئ والكثيف في ساعات محدودة يتنافى مع خصائص التفاعل العضوي الطبيعي الذي ينمو ويتراجع تدريجيًا، ما يشير إلى وجود "ساعة صفر" لانطلاق الحملة على مستوى معدل الوصول وحجم التفاعل.

وقد حققت الحملة وصول إجمالي بلغ 608,279، لكن هذا الانتشار لم يواكبه عمق مماثل في المشاركة؛ إذ توقف إجمالي التفاعلات عند 595 تفاعلًا فقط (نحو 0.10%)، ويُظهر هذا المعدل أن قوة الحملة تكمن في "قوة الدفع" والظهور المتكرر أمام المستخدمين أكثر من قدرتها على تحفيز نقاشات حقيقية أو تفاعل جماهيري عميق، وهو ما يُعزز الانطباع بأنها حملة ترويجية لرسائل محددة.

 

سردية "الشراكة الوجودية"

تتمحور السردية السائدة حول مفاهيم "الشراكة الوجودية" و"الاستثمار الذكي"، مع تركيز مكثف على مفردات؛ مثل "رأس الحكمة"، "السيولة الدولارية"، و"شهادة الثقة الدولية"، كما سيطر الخطاب التفاؤلي على الحملة بنسبة تقارب 81% من إجمالي المحتوى، إذ تم ربط الاستثمارات الإماراتية مباشرة بتحسين حياة المواطن المصري واسترداد الهيبة للعملة الوطنية، مع غياب شبه تام للأصوات الناقدة أو المعارضة.

كما زعمت منشورات إطلاق مشروع ضخم مستقبلي بين البلدين، في حين لم يصدر أي إعلان رسمي عن هكذا مشروع. واقتصر آخر مشروع معلن بين الجانبين على توقيع شركة دلتا كابيتال للتطوير العقاري، المطور العقاري في منطقة الدلتا، عقد شراكة استراتيجية مع شركة الإمارات جلوبال، التابعة لمجموعة شركات NCE، لتدشين سلسلة مشروعات، باستثمارات تصل إلى 500 مليون دولار فقط.

واعتمدت الحملة بشكل أساسي على إعادة النشر (Retweet) بواقع 123 منشورًا بنسبة بلغت 64.1%، وسجلت التغريدات الأصلية 41 منشورًا بنسبة 21.4%، في حين بلغت الردود (Replies) 24 منشورا بنسبة 12.5%، واقتصرت الاقتباسات (Quotes) على 4 منشورات فقط بنسبة 2.1%، ما يؤكد أن الاستراتيجية المتبعة كانت تهدف إلى تضخيم حجم السردية الأصلية وليس إنتاج نقاشات متنوعة.

 

الحسابات المشاركة

يكشف تاريخ إنشاء الحسابات عن مشاركة عدد كبير من الحسابات الحديثة التي أُنشئت في عامي 2025 و2026 في الترويج للهاشتاج. وقد تم رصد حسابات أُنشئت قبل يومين فقط من انطلاق الحملة (مثل حساب Ahmed Ibrahim بالمعرف  ibrahim_ah98201 في 24 أبريل 2026، ما قد يشير إلى استخدام حسابات مخصصة لغرض التضخم الرقمي اللحظي.

وتوزعت فئات المتابعين للحسابات المشاركة لتظهر اعتمادًا كبيرًا على الحسابات الصغيرة والمتوسطة؛ إذ إن الكتلة الأكبر من الحسابات تمتلك ما بين 1000 إلى 5000 متابع، في حين يمتلك 30 حسابًا أقل من 50 متابعًا، والتي لم تكن المحرك الأساسي للتأثير، بل لعبت دور "طبقة التضخيم العددي" لخلق انطباع بالزخم العام، في حين استندت الفاعلية الحقيقية إلى الحسابات المتوسطة لتعميق التفاعل، وإلى الحسابات الأعلى متابعة (10,000 إلى 99,999 متابع)، لضمان أوسع نطاق من الوصول.

 

الحسابات المركزية

برزت حسابات مركزية شكلت "نقاط الارتكاز" للحملة، وفي مقدمتها حساب حنان رضا HananRidaa  الذي تصدر قائمة التفاعل بوصول تخطى 35 ألف مستخدم، وحسابات؛ مثل هدى الصياد HudaASayyad وhalmuhkhalid  وlaila_lailaahm، وهذه الحسابات عملت كمصادر أصلية للمحتوى.

في حين قامت حسابات أخرى مثل Hesham Tarek بدور "المضخم النشط" من خلال تكرار إعادة النشر بمعدلات عالية لضمان بقاء الهاشتاج في صدارة الاهتمام الرقمي.

 

محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي

 أظهرت أداتا ZeroGPT وGPTZero، والملاحظة التحليلية للنصوص أن التغريدات تتسم بتنميط لغوي واضح وتكرار حرفي للجمل الاستهلالية، فضلًا عن وجود صياغة اقتصادية معقدة، سواء في النصوص العامية أو الفصحى، مثل الربط بين "الأصول المعطلة" و"ماكينات الإنتاج"، ما يصعب على غير المتخصص كتابتها، وبالتالي فالمرجح أن تكون بعض هذه النصوص قد صِيغت بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي أو عبر قوالب جاهزة.

كما يكشف التدقيق في الهوية البصرية للحسابات المشاركة عن توجه واضح نحو إضفاء صبغة الموثوقية المزيفة عبر تجنب ترك الملفات الشخصية دون صور، إذ أظهر البحث العكسي استخدام الحسابات المشاركة في الحملة صورًا تعبيرية أو صورًا لمشاهير وشخصيات عامة، في محاولة لتجاوز الأدوات الرقابية لمنصة إكس لكشف الحسابات الوهمية، وخلق انطباع خادع بأنها حسابات تُعبر عن أشخاص حقيقيين.

 

نشاط آلي

تُظهر المؤشرات الرقمية نمطًا منظمًا في إدارة الحسابات المشاركة، إذ تم رصد 71 حسابًا متصلة عبر الويب (Web) من أصل 112 حسابًا فريدًا، وهو ما يُمثل 63.4% من إجمالي النشاط.

وتبرز ضمن هذا النطاق كتلة مرتبطة بمنطقة شمال أفريقيا، وتضم 41 حسابًا تُدار بالكامل عبر الويب، ويظهر بوضوح وجود نقطة زمنية مشتركة توحد هذه المجموعة الجغرافية، إذ خضع 31 حسابَا منها لآخر عملية تغيير في اسم المستخدم خلال شهر سبتمبر 2023 .

كما كشفت التحليلات عن كتلة مركزية ثانية تتركز في أمريكا تضم 23 حسابًا، منها 19 حسابًا خضع لآخر عملية تغيير في اسم المستخدم خلال شهر مايو 2025، وهو ما يُشير إلى أن هذه الحسابات خضعت لتغييرات متزامنة في الهوية بما يتماشى مع توجه الجهة المشغلة.

فضلًا عن ذلك فإن وجود عدة حسابات مترابطة ومتصلة عبر الويب Web، قد يُرجح وجود تشغيل موحد من خلال استخدام أساليب أتمتة لا تعتمد على واجهة برمجة التطبيقات  (API)، بما فيها مشاريع مثل Puppeteer أو ChromeDriver، التي تُعد خيارًا شائعًا لأتمتة المتصفح.

وتجدر الإشارة إلى أن البيانات الجغرافية قد لا تعكس الموقع الدقيق بالضرورة، إذ يخضع الموقع للتلاعب عبر استخدام شبكة خاصة افتراضية  VPN.

 

كيف نشطت الحسابات المشبوهة في الحملة؟

أنتجت الحسابات المتصلة عبر ويب Web إجمالاً 128 منشورًا من أصل 192، بنسبة 66.7% من إجمالي النشاط، لكنها امتلكت فقط 44.2% من إجمالي الوصول، أي 268,957 من أصل 608,279.

في المقابل، أنتجت الحسابات غير المصنفة كـ Web عدد منشورات أقل، 64 منشورًا، لكنها حققت وصولًا أعلى بلغ 339,322، ويعود ذلك غالبًا إلى وجود حسابات ذات متابعين أعلى خارج كتلة Web. ، ويلاحظ أن الحسابات المرتبطة بأمريكا تبدو أقرب إلى طبقة تضخيم وإعادة نشر، فجميع منشوراتها الـ 40 فكانت ريتويت بنسبة 100%، ولم تُسجل أي ردود أو منشورات أصلية أو تفاعل، أما كتلة شمال أفريقيا فتبدو أقرب إلى طبقة نشر أولي أو تفاعل داعم؛ إذ تضم حسابات أقدم، وذات متابعين أعلى نسبيًا، وحققت الجزء الأكبر من التفاعل.

يكشف التحليل أن النشاط على هاشتاج #العلاقات_المصرية_الإماراتية يُمثل عملية "هندسة رأي عام"، نجحت في بث معلومات غير مؤكدة عن "مشروعات كبيرة" مرتقبة بين البلدين"، إلى جانب رسائل اقتصادية إيجابية بشأن العلاقات الثنائية عبر التضخيم وتوحيد السردية.