قوارب الهجرة غير الشرعية تحمل الشباب المصرى إلى مصير مجهول فى عرض البحر، كل يوم يُلقي آلاف الشباب بأنفسهم إلى التهلكة فى رحلات الموت بحثًا عن فرصة عمل تخرجهم من الفقر والأوضاع الاقتصادية المنهارة ومستوى المعيشة المتدنى فى زمن الانقلاب .
لكن غالبًا تأتى الرياح بما لا يشتهيه المهاجرون وتكون النتيجة الموت وضياع الأحلام وترك أسرة مكلومة تبكى على ابن ضاع بحثا عن لقمة العيش .
كانت كوارث الهجرة غير الشرعية قد تجددت مؤخرًا على سواحل منطقة أبوغليلة التابعة لمدينة سيدى برانى غرب مرسى مطروح، حين لفظ البحر 12 جثة لشباب مصريين هاجروا بشكل غير شرعى، وهذه المرة لم يمت الشباب بسبب الأمواج العاتية أو غرق بهم المركب فى عرض البحر، بل إنهم تاهوا بمركبهم الصغير وماتوا جوعًا وعطشًا، وتحللت أجسادهم .
جرح مفتوح
وصفى السيد، سبعينى فقد ابنه الوحيد فى رحلة هجرة غير شرعية، كان ابنه شابًا فى مقتبل العمر، يحلم بحياة أفضل، ويكرر قبل سفره بلهجة صعيدية: «هارجع يا أبوى ومعايا اللى يكفيك ويكفى أخواتى البنات.. هخليهم يعيشوا عيشة أحسن»، لكن الحلم انتهى قبل أن يبدأ.
يقول الرجل المكلوم : أى خبر عن حادثة للهجرة بيوجعنى علشان بيفكرنى إن الجرح لسه مفتوح.
وأضاف: كنت بحلم إنه يرجع محمل فلوس، يبنى البيت، ويقف جنبى فى الكِبر… لكن رجعلى محمول على الأكتاف، فى نعش الموت. بدل ما كان حلمى أشوفه سندى، بقيت أنا اللى شايله.
وأكد «وصفي» أنه منذ ذلك اليوم كل حادث غرق يسمعه فى الأخبار يعيده إلى نفس اللحظة، مشيرا إلى أن أى حادث بيرجعله كوابيس ابنه… كأن الزمن بيعيد نفسه. نفس الوجوه، نفس الوداع، نفس الصمت اللى بعد الخبر.
وأشار إلى أنه لا ينسى تفاصيل الجنازة، ولا لحظة استلام الجثمان، ولا صدمة البنات الثلاث حين فهمن أن أخاهن الوحيد لن يعود، قائلا : السند اتكسر بدرى قوى، وفضلت أنا واقف لوحدى.
خريج كلية تجارة
وأوضح «وصفي» أن ابنه الثلاثينى، خريج كلية تجارة، كان يحمل شهادة، لكنه لا يحمل وظيفة ثابتة، لافتا إلى أنه لما اتخرج ابنه كان فاكر الدنيا هتفتحله بابها… لكنه لقي الأبواب كلها مقفولة .
وكشف أن ابنه طرق أبواب الشركات الخاصة، ووقف فى طوابير الوظائف الحكومية، وأرسل سيرته الذاتية أكثر من مرة. لكن النتيجة كانت دائمًا الانتظار.
وأكد «وصفي» أن ابنه اضطر للعمل نجارًا ليكسب رزقه، وقال: الشغل مش عيب، بس أنا كنت متخيل نفسى بعد شقى سنين هشوف ابنى فى مكتب، فى شركة، فى مكان يناسب تعبى فى المصاريف عليه فى الدراسة…
الرحلة لم تكتمل
وأكدت فتحية جمال انها تحمل فى قلبها وجعًا لا يهدأ قائلة : أنا ما عدتش عايشة… أنا بس باخد نفسى عشان أفتكر ابنى .
وأشارت إلى أن ابنها «مراد» كان شابًا بسيطًا، يحمل أحلامًا أكبر من عمره، بعد تخرجه في الجامعة، قرر السفر إلى اليونان عبر البحر، بحثًا عن فرصة عمل تساعده على تحسين حياة أسرته، كان دائمًا يقول لأمه: "يا أمى أنا مسافر علشان أصرف على علاجك، وأكفى نفسى، وأجهز نفسى للجواز، وأجوز أخويا كمان".
وقالت «فتحية» : كان شايل هم الدنيا كلها وهو لسه فى بداية عمره… ما كانش عايز يعيش لنفسه، كان عايز يعيش لينا ، مؤكدة أن الرحلة لم تكتمل وغرق ابنها «مراد» فى البحر، وعاد إلى وطنه جثة هامدة، ودفعت 100 ألف جنيه علشان تستلم جثته.
وأضافت : منذ تلك اللحظة عايشة على ذكراه… على صوته وهو بيقول يا أمي… على ضحكته اللى كانت بتنور البيت، موضحة أنه قبل سفره الأخير، كان مراد قد جرب السفر إلى ليبيا فى رحلة قصيرة، وعاد منها محملًا ببعض المال. كانت تلك التجربة سببًا فى زرع فكرة السفر الأكبر.
رهنت البيت
وتابعت «فتحية» : لما رجع من ليبيا وفرحنا إنه قدر يصرف على نفسه ويكمل دراسته، افتكرنا إن الطريق فتح… ما كناش نعرف إن ده كان أول طريق الوجع، مشيرة إلى أنها حاولت أن تفى بوعد ابنها ورهنت البيت من أجل أن يسافر ، على أمل أن يعوض جزءًا من خسارة العائلة، لكن: رهنت البيت.. وبقينا أنا وابنى التانى فى الشارع. كنت فاكرة إنى بفتح له باب الحياة، طلعت بفتح باب الموت.
وأشارت إلى أن ابنها الثانى يعيش معها الآن، فى شقة إيجار، قائلة : أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إن ابنى يعيش مستور… يكفى اللى حصل .
وأكدت أنها كلما سمعت أى خبر عن شباب بيغرقوا… بحس كأن مراد بيرجع تانى قدام عيني… نفس البحر، نفس الحلم، نفس النهاية .
فرص عمل
من جانبه حمل الخبير الاقتصادى الدكتور خالد الشافعى دولة العسكر المسئولية عن ضياع هؤلاء الشباب، مشيرا إلى أن هناك أعباء كبيرة نتيجة الهجرة غير الشرعية، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية.
وقال «الشافعي» فى تصريحات صحفية إن خروج الشباب فى سن العمل يحرم سوق العمل من طاقات إنتاجية مهمة كان يمكن أن تُسهم فى دعم الاقتصاد وزيادة الإنتاج، مؤكدا أن الظاهرة تؤثر على صورة دولة العسكر وتفرض تحديات إضافية تتعلق بمكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وشدد على أن مواجهة الهجرة غير الشرعية لا تعتمد فقط على الحلول الأمنية، بل تحتاج إلى معالجة اقتصادية واجتماعية شاملة، تبدأ بتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، والتوسع فى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين برامج التدريب والتأهيل المهنى بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.