كتب: يونس حمزاوي
حالة من الجدل عمّت أرجاء العالم العربي والإسلامي، بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، حول بدء إجراءات تقنين المساواة في الميراث بين الذكور والإناث، وإباحة زواج المسلمة من غير المسلم.
التصريحات جاءت صادمة؛ لأنها تخالف الأحكام الثابتة في الإسلام، والتي أكدتها نصوص القرآن بأدلة قطعية الثبوت والدلالة، بما لا يجعلها تحتمل تأويلا أو تفسيرا مغايرا لما استقر عليه الحكم منذ أيام النبوة.
فالشرع قد حثّ على الاجتهاد فيما لا نص فيه، فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ}، ولقوله- صلى الله عليه وسلم- "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر.
وفي هذا التقرير، نرصد بعض الملاحظات الجوهرية حول فتنة رئيس تونس وتداعياتها الكارثية على أمن واستقرار بلاده.
بين علمانية تركيا وتونس
عندما سئل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن مفهوم علمانية الدولة، أكد أن العلمانية التي يفهمها هي وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الديانات، فلا تُخاصم الدين ولا تتدخل في الشأن الديني، ولا تُكره الناس على معتقدات معينة، ولا ترجح دينًا على دين آخر، بل تترك الحرية للجميع في ممارسة معتقداتهم وشعائرهم في ظل حماية الدولة ومؤسساتها.
لكن العلمانية في تونس هي علمانية متطرفة بل شديدة التطرف، تخاصم الدين وتحتقر المتدين، بل تتجاوز ذلك إلى التدخل في الشأن الديني، كما فعل الرئيس التونسي مؤخرا بفتنته حول الميراث والزواج.
ومن المدهش حقا، أنه رغم الجهود المضنية لرؤساء تونس السابقين، وكلهم كانوا شديدي التطرف باستثناء الرئيس المرزوقي، إلا أن تونس هي الأكثر تفريخا للمسلحين والمتطرفين؛ ما يؤكد صحة النظرية القائلة: "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".. فالتطرف العلماني يخلق تطرفا دينيا، وهذه هي حقيقة المعادلة لمن يفهمون.
لماذا تتدخل السياسة في الدين؟
العلمانية تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة عموما، وتجعل من التدين أمرا فرديا لا يجب أن يتدخل في شئون الحياة والسياسة.
وكانت عبارة الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات معبرة عن هذا المعني، حول علاقة الدين بالحياة والسياسة والمجتمع، عندما قال «لا سياسة وفي الدين ولا دين في السياسة».
ورغم أن العبارة شديدة الجهل بأحكام ومبادئ وتعاليم الإسلام، إلا أنها مثّلت وضوحا علمانيّا بضرورة إقصاء الإسلام عن الحياة والمجتمع.
العلمانية إذا ربما تقبل بالعبادات باعتبارها قناعة فردية، ولا يمنع ذلك من إطلاق السخرية على عبادات معينة مثل الحجاب واللحية وغيرها، ولكنها ترفض بشدة الأحكام الشرعية المتعلقة بالحياة والمجتمع، مثل أحكام الاقتصاد والسياسة والبيع والشراء والعلاقات الدولية، وغير ذلك من أحكام تضمنتها نصوص القرآن والسنة الصحيحة.
هذا الأمر دفع دار الإفتاء المصرية، الموالية للعسكر، إلى رفضها تدخل رجال السياسة في الدين. ودعت دار الإفتاء إلى ضرورة عدم إقحام القضايا الدينية فى السياسة، وعدم تدخل رجال السياسة فى الدين، كما طالبت من قبل بعدم تدخل رجال الدين فى السياسة؛ لأن ذلك يضر بالدين والسياسة معا.
العدل قبل المساوة
الملاحظة الثالثة حول تصريحات رئيس تونس، تتعلق بخطأ تصوره عن الميراث في الإسلام؛ كونه يحقق العدل قبل المساواة.
وردّا على ذلك، قالت دار الإفتاء، إن الزعم بأن الشرع ظلم المرأة لصالح الرجل فى قضية الميراث زعم باطل، وإن الادعاء بأن الإسلام يورث الرجل على الإطلاق أكثر من الأنثى دعوى لا يعتد بها، ففى مقابل أربع حالات فقط يرث فيها الرجل ضعف المرأة، نجد فى المقابل أكثر من 30 حالة فى الميراث تتساوى فيها المرأة مع الرجل، أو ترث أكثر منه.
أين فقه الاستقرار؟
والملاحظة الرابعة أن فتنة تصريحات السبسي تكشف عن عدم وعي وإدراك من جانب رئيس تونس حول أهمية الاستقرار عبر احترام شعائر وعقائد الأقليات، فضلا عن الأغلبية، وعدم المس بها لأن المس بها يعرض المجتمع لفتنة كبيرة تعصف بأمنه واستقراراه.
وتجارب الأمم والشعوب سابقا وحاليا تؤكد أن احترام عقائد الناس ومنحهم الحرية الكاملة في أداء شعائرهم وعباداتهم التي يؤمنون بها، هو الضامن الحقيقي لتماسك أي مجتمع وتحقيق الاستقرار المنشود.
فهل حقق الرئيس التونسي الأمن والاستقرار لبلاده بعد هذه الفتنة؟ أم أثار عاصفة هو وبلاده في غنى عنها في ظل الظروف الراهنة؟.