أثبت مؤتمر عقده منتدى الحوار الاستراتيجي ب(المعهد المصري للدراسات) بعنوان "بعد 9 سنوات من الانقلاب ، مصر واقع مأزوم ومستقبل غامض" أن ما أطلقه السيسي تحت عنوان الحوار الوطني ، هو بمثابة إعادة تدوير النخبة السياسية وفتح مساحات أوسع لها وضم لاعبين جدد لها في النظام.
وأكد المشاركون في المؤتمر أن ما يراه متابعون للمشهد المصري تجاه الحوار المزعوم نوعا من المناورة للخروج من الأزمات المتزايدة مؤخرا، حيث إن هذا الحوار أتى بعد ما يقارب التسع سنوات تقريبا، مما ينفي إمكانية وجود قناعة حقيقية لديه في أهمية مسألة الممارسة السياسية أو الحريات والديمقراطية، بوقت تتزايد فيه المشكلات والأزمات التي تواجهها المنظومة الحاكمة لمصر.

تدوير 30 يونيو
وقال المعهد المصري في تقرير استعرضه عن مؤتمر الواقع المأزوم والمستقبل الغامض إن "الحوار استدعى له النظام عددا من القوى والأحزاب التي يمكنه السيطرة عليها من باب خلفي وحصرها وإعادة لتدوير نخبة 30 يونيو، وإغلاق المجال أمام كل من هو غير ذلك، لضمان السيطرة على هذا الحوار؛ مما اعتبره العديد من المتابعين للمشهد المصري حوارا شكليا لن تنتج عنه المخرجات المنتظرة أو المتوقعة من حوار وطني حقيقي وشامل.
وأضاف أن "السبب في ذلك أن بنية النظام الأساسية هي بنية سلطوية وشعبوية مرتكزة على فكرة شيطنة الخصوم السياسيين بكافة أشكالهم وتوجهاتهم من قبل الأجهزة الداخلية المكونة لهذا النظام، والتي وإن تنافست فيما بينها لفرض رؤيتها على المشهد، فإن البنية الأساسية لها قائمة على فكرة رفض الآخر وإقصائه بل والقضاء عليه".
وأكدت أن ذلك كان سببا في خروج حوار صوري لا ينتج عنه أي انفراجة سياسية حقيقية ، أو خلق مناخ تتحرك من خلاله أي قوى تتعارض مع توجهات هذه الأجهزة.
ونسبت إلى المراقبين أن الحوار الذي أطلقه النظام لم يكن موجها للخارج، وإن كان فيه البعض من تبييض الوجه، وإنما للداخل كمناورة لتخفيف الضغط عليه، في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة، من خلال استدعاء الآخرين لحمل جزء من المسئولية نتيجة الفشل الواقع أو لإشغال الناس في أمر قد يظنون أن فيه بعض الأمل، وبالتالي فالحوار في الداخل هو حوار يعاني من صعوبات شديدة.
وأكد التقرير أن الحوار الوطني الذي أثاره السيسي جاء نتيجة الضغوط المحيطة بالنظام على مختلف المحاور، حيث اضطر اضطرارا إلى الإعلان عن مثل هذا الحوار ، وأن موضوع العفو الرئاسي وما يحيط به من ملابسات، حيث لا يزال حتى الآن يتم الإفراج عن أعداد قليلة جدا من المعتقلين، مع إمكانية القبض على آخرين، وقد يكونون بأعداد أكبر، ليحلوا محلهم.

 

السنة الأصعب
واستعرض التقرير رؤية المحللين أن النظام  أصبحت لديه خيارات قليلة للتعامل مع الوضع الراهن ، متمثلة في البحث عن المزيد من الدعم بكافة صوره، على النحو الذي طرحه الإعلامي عماد الدين أديب، من مانحيه وداعميه الدوليين والإقليميين ، بما مقداره 25 مليار دولار تكون كفيلة بتسكين هذه الأزمة لعام قادم.
وأن الخيار الآخر هو التوجه إلى تسييل وبيع الأصول بعد ضمها تحت الصندوق السيادي، لكن هذه الخطوة لن تنجح في تأمين احتياجاته لحل أزمته الاقتصادية، حتى إذا حققت مستهدفاتها المعلنة بخصصة أصول مصرية تصل قيمتها لنحو 40 مليار دولار خلال 4 سنوات.

وأشارت إلى توقع محللين أن تكون السنة القادمة هي الأصعب على النظام في ظل هذه الأزمة الاقتصادية، وما قد ينتج عنها من مردود شعبي خاصة في إطار وجود أزمة إضافية تتفاقم سريعا، وهي أزمة سد النهضة الإثيوبي وما قد ينتج عنه من آثار خلال الفترة القليلة المقبلة ، ما قد يعجل بإحداث تغيير في النظام سواء عن طريق بديل من داخله، أو من خلال القوى المعارضة، إذا ما كانت مهيأة للظهور كبديل في حال انهيار كامل للمنظومة الحالية.

أروقة الانقلاب

وقال التقرير إن "المثير للاهتمام أنه يجري في مصر لا تخطئه العين ويرصده الجميع منذ عدة أشهر وزادت كثافته بشكل كبير مؤخرا، هو تجرؤ الكثيرين على نشر فيديوهات تتكشف فيها بعض جوانب الفساد المستشري في مصر بشكل غير مسبوق في حقيقة الأمر، سواء من حيث المحتوى من ناحية حجم الفساد واتساعه، أو من حجم التشويه الذي يتعرض له رموز النظام وعلى رأسهم السيسي نفسه، بشكل لم يحدث من قبل، وهو ما يمكن اعتباره مسعى لاغتيال معنوي لشخصية السيسي ومن يحيطون به، وعلى رأسهم بالطبع محمود السيسي  وغيرهم".
وقالت إن "التسريبات لمعلومات حساسة هو من أطراف معينة داخل جهات سيادية هامة، وأن هذه الجهات بحسب التقرير والمؤتمر؛ يبدو أنها قد حزمت أمرها بتكثيف الهجوم على النظام استغلالا للوضع الحرج الذي يمر به حاليا، أملا في أن يؤدي هذا بشكل أو بآخر إلى إسقاطه أو دفع قوى من داخل النظام لتقوم بذلك، أو على الأقل المساومة ببعض الملفات للحصول على بعض المزايا والمكتسبات، ولكن لا أحد يعلم شيئا عن مدى قدرة هذه الجهات أو إمكانية نجاحها في هذا المسعى، ولكن الواقع أن الكثيرين بدأوا يتجرؤون على نشر فيديوهات من هذا القبيل، مما يستلزم ضرورة العمل على متابعة ومحاولة فهم مثل هذه الظاهرة ومن يقف وراءها".
وبحسب التقرير ، يمكن القول إن هناك متغيرات كثيرة في المشهد المصري، سواء على المستوى الاقتصادي، أو المستوى السياسي، أو على المستوى الأمني، أو على المستوى المجتمعي، أو على المستوى الإعلامي، جميعها تحتاج إلى الفهم والتحليل، في إطار الصورة الكلية، دون الاستغراق في كثير من التفاصيل لكل عنصر، لتوضيح انعكاسات ذلك على أرض الواقع للمشهد المصري.

اضطراب وانفجار

وقال التقرير إن "يمكن أن يؤدي الوضع الاقتصادي الحالي بالفعل إلى اضطرابات اجتماعية أو سياسية يمكن أن يحدث نتيجة لها نوع ما من أنواع التغيير، ويمكن للنظام استيعاب هذا الأمر، هل يمكن أن تؤدي المساعدات التي تأتي من الدول الداعمة للنظام والمستمرة كما يبدو حتى الآن إلى إحداث توازن بين المتطلبات الاقتصادية الضخمة جدا التي ينبغي توفيرها وبين المتاح بالفعل على أرض الواقع، بحيث يمكن إنقاذ النظام من مصيره؟
وأبانت أنه "بدأت بعض التشققات تحدث داخل النظام نفسه حول اختيار طريقة التعاطي الأمثل مع هذه الأزمة؛ فإما أن يتم ذلك بالشكل التقليدي باستخدام المسكنات كما ذكر سابقا، سواء مسكنات مالية أو اقتصادية، أو غيرها ؛ مثل إشراك القوى الأخرى بشكل حقيقي".
وأن الخلاف داخل الأجهزة حول مستوى الحوار وأجندته ونطاقه "هذا التشقق البسيط في حد ذاته يعكس أن النظام نفسه بحالة ارتباك سياسي تعكس تخوفه من فتح المساحة السياسية خلال سعيه للتعاطي مع الأزمة الاقتصادية".

وأكملت أنه "إذا أحسنت المعارضة استغلال هذه التشققات بشكل جيد من أجل توسيع الهامش والضغط على النظام، خاصة مع ما يبدو من خلاف بين عدة أطراف أو تيارات داخل النظام، والتي كانت جلية خلال الفترة الماضية  من خلال تجرؤ الكثيرين على النظام سواء من خلال الفيديوهات التي تقدم محتوى عن حجم الفساد واتساعه، أو من كمية التشويه التي يتعرض لها رموز النظام وعلى رأسهم السيسي نفسه".

ولفتت إلى أن محللين يرون "أن مثل هذا الوضع قد يؤدي في النهاية إلى حدوث انقسام حقيقي داخلي في جسم النظام، عندما تصل بعض مكوناته إلى استنتاج أنه أصبح عبئا على المنظومة في إطارها الأوسع، لتتجه على إثر ذلك إلى محاولة تغيير النظام بوجه أو بآخر من داخل نفس المنظومة".

لا انفراجة
وأشار التقرير إلى أن "الأزمة الاقتصادية الحادة التي يتعرض لها النظام  من غير المنتظر أن تشهد أي انفراجة في المستقبل المنظور، بل من المتوقع أن تزداد تفاقما، في ضوء الأزمة الاقتصادية العالمية المتصاعدة وتداعيات الحرب في أوكرانيا ، وكذلك عدم قدرة النظام المصري على التعامل مع هذه المتغيرات بعد استفحال الأزمة بشكل كبير".
ولفت إلى اعتبار بعض المحللين أن هذه الفرصة أيضا سلاح ذو حدين، قد يؤثر سلبا في حال فشل هذا الحوار الموازي، ليضع قوى المعارضة أيضا في نفس الخانة التي وضع فيها النظام نفسه خارجيا وداخليا ".
وأضافت أن "المنظومة المصرية من الداخل، أو القوى المعارضة في الخارج، وكذلك النظام الإقليمي والنظام الدولي؛ كل هذه الأطراف تعيش حالة كاملة من الارتباك وعدم اليقين، مما قد تسفر عنه التطورات والأحداث التي بدأت تتسارع وتيرتها مؤخرا، خاصة وأنها تحدث في  إطار جديد غير ما اعتاده العالم منذ الحرب الباردة، وأيضا إعادة تموضع في النظام الدولي".
وأوضحت أن "النظم السلطوية؛ فحتى هذه النظم المستبدة هي في حالة من عدم الاستقرار، فهي في حالة ارتباك، حيث إنها قد تأتيها ظروف مؤقتة مواتية، وقد تأتيها ظروف معاكسة أخرى تؤدي إلى مشاكل خطيرة بالنسبة لهذه النظم، هذه الحالة من الارتباك والاهتزاز".

وكان المعهد المصري للدراسات نظم في 14 يونيو 2022 ورشة عمل في إطار “منتدى الحوار الاستراتيجي”، حضرتها مجموعة متميزة من المحللين والخبراء في الشأن المصري، في مسعى لمحاولة فهم ما يحدث في مصر حاليا، من حيث التحولات والمسارات، حيث شهدت مصر خلال الأشهر القليلة الماضية العديد من الأحداث والتحولات السياسية والاقتصادية الداخلية.

 

 

https://eipss-eg.org/%d8%a8%d8%b9%d8%af-9-%d8%b3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%80-%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d9%85%d8%a3%d8%b2%d9%88%d9%85-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%ba%d8%a7%d9%85%d8%b6/
 

Facebook Comments