هل تُبدد شركة تقاوي “مستقبل مصر” مخاوف التبوير وإتلاف السلالات ..”الجيش “يبتلع 70 فدانا من أراضي البحوث الزراعية

- ‎فيتقارير

أصدر مجلس الوزراء بنظام الانقلاب العسكرى ، الخميس 16 أبريل قراراً بالموافقة على ترخيص مركز البحوث الزراعية، بتأسيس شركة مساهمة مصرية جديدة تحت اسم “أركو سيدز”، تتخصص في إنتاج تقاوي الخضر والفاكهة وتنفيذ أنشطة زراعية مرتبطة، وذلك بالشراكة مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة والبنك الزراعي المصري، ويأتي هذا القرار في إطار ما وصفته الحكومة بتطوير قطاع التقاوي المحلي وتعزيز قدرات الدولة في إنتاج بذور عالية الجودة، عبر شراكات تجمع بين الجهات البحثية والقطاعين المصرفي والتنفيذي.

 

غير أن توقيت القرار أثار موجة من التساؤلات والشكوك في الأوساط البحثية والإعلامية، خصوصاً أنه جاء مباشرة بعد انتشار تقارير صحفية تتحدث عن نقل مساحات واسعة من أراضي البحوث الزراعية إلى جهاز مستقبل مصر، وما صاحب ذلك من مخاوف بشأن تبوير هذه الأراضي وتحويلها إلى مشروعات عقارية.

ويرى باحثون وناشطون أن إشراك الجهاز نفسه في شركة لإنتاج التقاوي لا يبدد القلق من فقدان الأراضي البحثية التي لا يمكن تعويضها، بل قد يُقرأ كخطوة تهدف إلى إعادة صياغة صورة الجهاز في ظل الجدل القائم، بينما تبقى المشكلة الأساسية في نظرهم هي تقليص المساحات المخصصة للتجارب الزراعية وإضعاف البنية العلمية التي يعتمد عليها إنتاج التقاوي وتحسين السلالات.

الجيش يبتلع مستقبل الغذاء

وقال حساب "صدى مصر": إن "الجيش يبتلع "مستقبل الغذاء" والسيسي يدمر 70 فداناً من البحوث الزراعية لتبديل التقاوي بعمارات"، مستندا إلى ما قاله مواطنون وخبراء تحدثوا عن كارثة جديدة بطلها "جهاز مستقبل مصر" التابع للجيش، بعد الاستيلاء على أراضي مركز البحوث الزراعية بالجيزة.

واعتبر أن "هذه الأراضي ليست مجرد مساحات خضراء، بل هي معامل مفتوحة لإنتاج "التقاوي المميزة" ولقاحات الثروة الحيوانية، والآن يتم تدميرها بالكامل لتحويلها إلى كتل خرسانية وعمارات سكنية".

وقال الدكتور مجدي قشطة " يتم الاستيلاء على أرض ومنشآت ومعامل مركز البحوث الزراعية بالجيزة، لصالح "جهاز مستقبل مصر" ، لتحويلها إلى أبراج أو غير ذلك من أجل المال، هذا تدمير وإهانة للبحث العلمي الزراعي علنا، وبدون استحياء  ".

ونقلت @riomerony عن "قشطة" تحذيره من أن "هذا المركز الذي رفع إنتاج فدان القمح في مصر من "6 أرادب إلى أكثر من 18 أردبا" ،  وإنتاج فدان الأرز من 2 طن إلى أكثر من 4 طن ، واختصار مدة بقائه من 155 يوما إلى 100 يوم وتوفير 3 مليار متر مكعب مياه من زراعة الأرز، بل ومضاعفة إنتاج فدان الذرة لثلاثة أضعاف ، وغير ذلك في باقي المحاصيل  وأيضا تطوير أسلوب الزراعة، وجعل "مصر" فى مقدمة الدول في إنتاج الفدان ، رغم كل التحديات واحتلالها موقعا عالميا نتباهى به .

وأقسم" إذا لم تكن إنجازات هذا الصرح العلمي العظيم ، والذي لو لم تمنحه أسرة "محمد علي "  الأرض قد تمت ، لعاشت مصر في مجاعة طاحنة" مضيفا "ونحن الباحثين أبناء هذا الصرح ، وكل أبناء مصر المخلصين نرفض هذا التخريب المتعمد ..".

وعن جهاز القوات الجوية (معني بقيادة الطائرات الحربية) أكد أن "ذلك الجهاز "الدخيل" علينا مؤخرا ، والذي يلتهم كل ما هو ثمين دون تمييز ، عليه أن يرفع يده  عن قلعة البحث العلمي بمصر،  داعيا الأكاديميين المتخصصين في الزراعة والبحوث " ألا نستسلم لتلك الجريمة ، والتي تتنافى مع المادة 23 في الدستور والتي تفرض على الحكومة   أن تدعم البحث العلمي ..  ".

وقال: "ومن الأولى أن يستفيد المركز بأموال هذه الأرض والتي تقدر بترليونات لإنشاء البديل ، ويكون هناك رصيد ضخم لدعم المركز ، والذي يعاني من الاعتمادات المالية دون الحاجة إلى دعم من الحكومة، يجب أن نلجأ إلى الأجهزة القانونية والمحاكم المختصة ، لوقف هذه الجريمة  ونوفر المصاريف من جيوبنا، ويجب أن نتذكر دائما ، أن البحث العلمي هو قاطرة التطور والتنمية.

تقرير مدى مصر

مساحات كبيرة من أراضي مراكز البحوث الزراعية في الجيزة وعدة محافظات أخرى، جرى نقلها إلى جهاز "مستقبل مصر" التابع للقوات الجوية، بهدف تحويلها إلى مشروعات سكنية واستثمارية.

وهذا التوجه بحسب تقرير "مدى مصر" لا يقتصر على أراضٍ هامشية، بل يمتد ليشمل قلب المركز الرئيسي للبحوث الزراعية في الدقي والجيزة، إضافة إلى محطات بحثية تاريخية في القليوبية والشرقية والإسكندرية وغيرها، وهي أراضٍ خُصبت وطُورت عبر عقود طويلة لتكون معامل مفتوحة لإنتاج التقاوي وتحسين السلالات الحيوانية واختبار الأمصال واللقاحات.

 

بدأت الخطوات التنفيذية حين أخطر مجلس الوزراء إدارة المركز بنقل نحو 70 فداناً من مقره الرئيسي، ثم صدرت موافقة رئاسية لاحقاً لنقل مساحات إضافية، مع قرار بنقل العاملين إلى منطقة دهشور بعيداً عن الجامعات ومراكز البحث، هذا القرار يعكس، بحسب الباحثين، فهماً قاصراً لطبيعة العمل البحثي الزراعي الذي يعتمد على تربة مُهيأة تجريبياً وبيانات تراكمية لا يمكن نقلها أو تعويضها بسهولة، فالأمر لا يتعلق بمكاتب أو مبانٍ إدارية، بل ببنية علمية كاملة تتطلب بيئة ثابتة ومستمرة.

 

ما يزيد من خطورة الوضع أن هذه ليست المرة الأولى التي تُنتزع فيها أراضي البحوث لصالح مشروعات عقارية، فمنذ عام 2021، جرى تبوير مئات الأفدنة من أجود الأراضي الزراعية في محطات بهتيم وكفر الحمام والصبحية والنوبارية وغيرها، وتحويلها إلى أبراج سكنية أو مشروعات استثمارية، كما تم انتزاع مزارع تابعة لكليات الزراعة في الجامعات، في إطار توجه أوسع لإعادة صياغة أصول مراكز البحوث الزراعية بما يسمح بالاستحواذ عليها.

 

ويتعامل جهاز مستقبل مصر مع هذه الأراضي باعتبارها أصولاً عقارية ذات قيمة مرتفعة، متجاهلاً دورها الحيوي في دعم الأمن الغذائي المصري، فهذه المحطات مسؤولة عن تطوير التقاوي المحلية، وتحسين السلالات الحيوانية، وإنتاج الأمصال واللقاحات البيطرية، وهي عناصر أساسية لدولة تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها الغذائية، تدمير هذه البنية البحثية يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد، وتعريض الثروة الحيوانية لمخاطر الأمراض، وإضعاف قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

 

الأخطر أن البنية العلمية لا تُبنى بين ليلة وضحاها. فالمعامل المفتوحة، والتربة المُهيأة، والخبرات المتراكمة، كلها عناصر يصعب تعويضها حتى لو تغيرت السياسات مستقبلاً، وفي وقت يشهد العالم اضطرابات في سلاسل الإمداد وعودة للحمائية الاقتصادية، تتجه مصر في الاتجاه المعاكس عبر تقليص أهم أدواتها العلمية في مجال الزراعة، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الاقتصادي، بحسب منصة "الموقف المصري".

 

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد نقل ملكية أراضٍ، بل هو تفكيك تدريجي لبنية معرفية وزراعية عمرها عقود، واستبدالها بمشروعات عقارية قصيرة الأجل، وهو مسار يحمل كلفة باهظة على المدى المتوسط والبعيد، ويمس قدرة الدولة على إنتاج غذائها وحماية ثروتها الحيوانية، ويجعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات العالمية.