الإنترنت نافذة للنجاة أم مساحة للهروب؟ الحكومة تفشل في تحويل الاقتصاد الرقمي إلى فرصة عمل؟

- ‎فيتقارير

لم يعد الإنترنت في مصر وسيلة ترفيه أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل تحوّل إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، في وقت يواجه فيه المصريون ضغوطاً معيشية متصاعدة بسبب التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، وبينما استثمرت دول آسيوية عديدة طفرة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي في خلق ملايين الوظائف وتحسين دخول الشباب، اكتفى النظام الحاكم بفرض زيادات متتالية على خدمات الاتصالات والإنترنت، دون تقديم رؤية حقيقية لتحويل الفضاء الرقمي إلى أداة إنتاج وتنمية.

ويرى مراقبون أن المجتمع المصري اتجه بصورة متزايدة نحو "الإنترنت الترفيهي" باعتباره وسيلة للهروب من الواقع الاقتصادي القاسي، بعدما أصبحت تكاليف الترفيه التقليدي والسفر والخروج تفوق قدرة الطبقة الوسطى والفقيرة. وبات الهاتف المحمول الوسيلة الأرخص للهروب النفسي، فيما تحولت منصات التواصل إلى نافذة لمتابعة حياة الآخرين أو محاولة تحقيق الشهرة والربح السريع، أحياناً عبر محتوى وصفه خبراء بأنه "سوقي وغير منضبط أخلاقياً".

مجتمع الشاشة

الأرقام الرسمية تكشف تحولات ضخمة داخل المجتمع المصري، إذ لم تعد البلاد مجرد سوق كبيرة لمستخدمي الإنترنت، بل تحولت إلى "مجتمع شاشة" يعيش أغلب تفاصيله اليومية داخل العالم الرقمي، وتشير البيانات إلى وجود نحو 65.6 مليون مستخدم يومي للإنترنت، بينهم 54.3 مليون مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، و52.4 مليون مشاهد لمنصات البث، إضافة إلى 42.6 مليون مستخدم للفيديوهات القصيرة.

كما أصبحت المواد الترفيهية الأكثر استهلاكاً للوقت والانتباه، إذ تبلغ نسبة مشاهدة المحتوى الترفيهي يومياً نحو 67%، بينما يتابع 60% من المستخدمين الفيديوهات القصيرة، و35% يشاهدون البث المباشر، في حين يمارس 21% الألعاب الإلكترونية.

ويرى خبراء أن هذه الأرقام تعكس حالة من الانفصال التدريجي عن الواقع، خصوصاً مع ضعف الاستفادة من الإنترنت في مجالات التعليم والإنتاج والعمل الحر والتجارة الإلكترونية، التي لا تزال تنمو بوتيرة محدودة مقارنة بحجم الاستخدام الترفيهي.

وفي المقابل، شهدت خدمات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة زيادة بنحو 7.9 ملايين مستخدم جديد بنسبة 12%، إلى جانب ارتفاع عدد مشتركي الإنترنت الأرضي الثابت بمليون مستخدم إضافي خلال عام 2026 مقارنة بعام 2025.

زيادات متواصلة في الأسعار

وجاءت الزيادة الأخيرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت لتزيد حالة الغضب الشعبي، بعدما طبقت شركات الاتصالات زيادات تقارب 15% على بطاقات الشحن والباقات وخدمات الفاتورة الشهرية، في خطوة اعتبرها كثير من المستخدمين عبئاً جديداً على الأسر المصرية التي باتت غير قادرة على الاستغناء عن الإنترنت، بسبب ارتباطه بالعمل والتعليم والخدمات البنكية ومتابعة الأخبار.

وبات الإنترنت بالنسبة لكثير من الأسر خدمة أساسية لا يمكن تقليصها بسهولة، حتى مع ارتفاع أسعار الكهرباء والغذاء والخدمات الأخرى، ما يعكس تغيراً هيكلياً في طبيعة الاستهلاك داخل المجتمع المصري.

ويرى متخصصون في الاقتصاد الرقمي أن حساسية الشارع تجاه أي زيادة في أسعار الإنترنت تعكس وصول المصريين إلى مرحلة الاعتماد الكامل على الخدمات الرقمية، في ظل تراجع البدائل التقليدية وارتفاع تكلفتها.

خبراء: التكنولوجيا تُستهلك للترفيه لا للإنتاج

وقال أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة أحمد مجدي حجازي: إن "انتشار الهواتف الذكية واستخدام الذكاء الاصطناعي في مصر يجري غالباً بصورة شكلية، بهدف تقليد المجتمعات المتقدمة وإظهار الوجاهة الاجتماعية، دون استثمار حقيقي لهذه الأدوات في التعليم أو زيادة الإنتاج وفرص العمل."

وحذر حجازي من التأثيرات الاجتماعية والنفسية الناتجة عن تضخم استخدام الإنترنت، مشيراً إلى أن المصريين يجرون يومياً مليارات الرسائل وعمليات البحث وزيارات منصات التواصل، بما يعمق ظاهرة "إدمان الشاشة" ويؤثر سلباً على التركيز والإنتاجية والقراءة العميقة.

وأضاف أن غياب التوعية الرقمية وترك الأطفال يستخدمون الهواتف الذكية دون ضوابط أخلاقية يهدد بتحويل التكنولوجيا إلى أداة هدم اجتماعي بدلاً من توظيفها في بناء الإنسان وتنمية قدراته.

من جهتها، قالت أستاذة الإعلام بجامعة كفر الشيخ سميرة موسى: إن "الأرقام الحكومية تكشف تحولات خطيرة في طبيعة استهلاك المحتوى داخل مصر، حيث يتجه الجمهور بصورة متزايدة نحو الفيديوهات القصيرة والمحتوى السريع على حساب الصحف والكتب ووسائل الإعلام التقليدية".

وأضافت أن "اقتصاد التيك توك" بات يسيطر على سوق الإعلانات والمشاهدات، مع تراجع قدرة الأجيال الجديدة على التركيز والقراءة، وازدهار ظاهرة المؤثرين على حساب المؤسسات الإعلامية التقليدية.

وأشارت إلى أن منصات البث الرقمي سحبت عشرات الملايين من المشاهدين من القنوات التلفزيونية التقليدية، خاصة خلال شهر رمضان، بعدما أصبح المشاهد يفضل متابعة المحتوى عبر الهاتف وفي الوقت الذي يحدده بنفسه، ما يهدد نماذج الإنتاج التلفزيوني التقليدية ومصادر دخل المؤسسات الإعلامية.

كما حذرت من تأثير الفيديوهات القصيرة على المزاج العام للمجتمع، معتبرة أنها تخلق لدى الشباب حالة من المقارنة الدائمة مع أنماط حياة مختلفة، دون امتلاك أدوات حقيقية لتغيير أوضاعهم، الأمر الذي يدفع بعض صناع المحتوى إلى تقديم مواد هابطة أو مضللة سعياً وراء الشهرة والأرباح.

وطالبت موسى بضرورة تحديث التشريعات الإعلامية، وتوسيع برامج التربية الإعلامية داخل المدارس والجامعات، بما يساعد على رفع وعي المستخدمين وتعزيز الاستخدام المسؤول للإنترنت، بعيداً عن الاكتفاء بسياسات رفع الأسعار أو حجب المواقع.