توقف 60% من إنتاج الغاز في مصر.. و”مدبولي” يحاول التعمّية على انسحاب (BP) ؟!

- ‎فيتقارير

المشهد العام يشير إلى أن مصر تواجه أزمة غاز حقيقية، وأن انسحاب (بي بي) المحتمل ليس سبب الأزمة بل نتيجة لها، فالشركة لم تعد ترى جدوى اقتصادية في الاستمرار، والحكومة تحاول تعويض النقص عبر الاستيراد وعبر وعود بزيادة الإنتاج المحلي.

وتصريحات الرئيس التنفيذي لشركة (بي بي) عن "عدم الانسجام مع السوق المصري" يؤكد أن "مصر لم تعد تنسجم مع هذه الاستراتيجية" هو أخطر ما ورد في التقارير، فهو يعني أن الشركة ترى أن تكلفة الإنتاج في مصر أصبحت أعلى من العائد المتوقع وأن الحقول المصرية أصبحت ناضجة ومنخفضة الإنتاجية، وأن البيئة الاستثمارية لم تعد مناسبة لمشروعات طويلة الأجل.

وهو تصريح لا يتعلق فقط ب(بي بي)، بل يرسل إشارة سلبية إلى شركات الطاقة العالمية الأخرى، فإذا كانت شركة مثل (BP) استثمرت 35 مليار دولار خلال 60 عاماً ترى أن السوق لم يعد مناسباً، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة المصري.

كما أن هذا التصريح يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يروّج لفكرة أن مصر تتحول إلى "مركز إقليمي للطاقة"، فكيف يمكن أن تكون مركزاً إقليمياً بينما تتراجع قدرتها الإنتاجية وتضطر لاستيراد الغاز من قبرص وإسرائيل والولايات المتحدة؟

المثير للدهشة أنه في خضم هذه التطورات، خرج رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي بتصريحات تؤكد "أهمية تكثيف جهود زيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، وسرعة إدراج الآبار الجديدة المكتشفة ضمن خريطة الإنتاج".

هذه التصريحات المتفائلة تبدو في ظاهرها محاولة لطمأنة الشارع، لكنها في الواقع تعكس قلقاً حكومياً من تأثير انسحاب (بي بي) المحتمل على سوق الطاقة.

فحين تعلن شركة كانت تنتج 60٪ من الغاز المصري أنها تدرس بيع أصولها، يصبح من الطبيعي أن تحاول الحكومة إظهار أن الأمور تحت السيطرة.

لكن السؤال الذي يطرحه مراقبون: هل تكفي الآبار الجديدة لتعويض الانخفاض الحاد في الإنتاج؟ الأرقام تقول لا.

فحتى لو دخلت الآبار الجديدة الخدمة، فإن إنتاجها المتوقع (100 مليون قدم مكعب من الفيوم + 140 مليون قدم مكعب من مشروعات أخرى) لا يعوض الانخفاض الذي تجاوز 700 مليون قدم مكعب يومياً خلال عامين فقط.

وهو ما دعا المراقبون إلى اعتبار تصريحات "مدبولي" ليست مؤشراً على تحسن فعلي، بل محاولة لإدارة أزمة متصاعدة.

هل انهار إنتاج الغاز في مصر؟

وشهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تراجعاً حاداً في إنتاج الغاز الطبيعي، وهو تراجع لم يعد خافياً على أحد، بل أصبح محوراً لتقارير دولية وتصريحات رسمية، ووفق ما ورد، انخفض إنتاج الغاز المصري بنسبة 40٪ في 2025 وبنسبة 60٪ في 2024 مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعني عملياً انهياراً في القدرة الإنتاجية التي كانت مصر تعتمد عليها لتصدير الغاز قبل 3 سنوات فقط، قبل أن تتحول اليوم إلى دولة تستورد الغاز المسال (LNG) لتعويض العجز.

وهذا الانخفاض الحاد لا يمكن فصله عن تراجع إنتاج حقل ظهر الذي يمثل ثلث إنتاج البلاد، إضافة إلى نقص الاستثمار في التنقيب خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين الاحتياجات المحلية والإنتاج الفعلي.

ورغم محاولات الحكومة طمأنة الرأي العام عبر الحديث عن خطط لزيادة الإنتاج، فإن الواقع يشير إلى أن مصر تواجه أزمة طاقة ممتدة، دفعتها إلى توقيع اتفاقيات جديدة لاستيراد الغاز، مثل الاتفاق الأخير لشراء كامل إنتاج حقل أفروديت القبرصي(والذي كان ضمن حق المياه المصرية وبالقرب من مدينة دمياط)، الذي يضمن تدفق نحو 100 مليار متر مكعب من الغاز القبرصي بمرور الوقت، في محاولة لتأمين احتياجات السوق المحلي وتغذية محطات الإسالة.

وعود "بي بي" عن زيادة الإنتاج والحقول المفتوحة

على مدى ستة عقود، ضخت شركة (بي بي)استثمارات تجاوزت 35 مليار دولار في مصر، وكانت تنتج نحو 60٪ من الغاز الطبيعي للبلاد عبر مشروعاتها في شرق وغرب دلتا النيل، وخلال السنوات الماضية، وروّجت الشركة والحكومة لوعود متكررة بزيادة الإنتاج، خاصة مع الإعلان عن مشروعات جديدة مثل حقل "الفيوم" الذي كان متوقعاً أن يبدأ إنتاج 100 مليون قدم مكعب يومياً في يوليو المقبل، إضافة إلى خطط لربط 140 مليون قدم مكعب يومياً من مشروعات غرب الدلتا وبئر "تورت‑6" شمال دمياط في يناير 2025.

وبحسب المراقبين، اصطدمت الوعود بواقع مختلف تماماً وبحسب ما نقلته رويترز، فإن إنتاج (بي بي)في مصر انخفض إلى 518 مليون قدم مكعب يومياً فقط، وهو انخفاض يقارب 60٪ مقارنة بعام 2023. هذا التراجع الكبير يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت الوعود مبالغاً فيها؟ أم أن الشركة واجهت عراقيل تقنية واقتصادية لم تُعلن للرأي العام؟

ويبدو أن (بي بي) كانت تعمل على مشروعات جديدة بالفعل، لكن حجم الانخفاض في الإنتاج يفوق بكثير أي زيادات متوقعة من الآبار الجديدة، ما يجعل الوعود السابقة غير كافية لتعويض الانهيار في الحقول القديمة، خصوصاً في ظل تراجع إنتاج حقل ظهر وتباطؤ الاستثمارات في التنقيب.

غرّرت "بي بي" بمصر في ظل السلطة الحالية

السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كانت (بي بي) قد غرّرت بمصر أو قدمت صورة غير دقيقة عن مستقبل إنتاج الغاز، من المهم هنا التمييز بين الاستثمار التجاري والالتزام السياسي، ف(بي بي)شركة عالمية تعمل وفق حسابات الربحية، وليس وفق اعتبارات سياسية أو وطنية.

وعندما صرّح الرئيس التنفيذي الجديد بأن "مصر لم تعد تنسجم مع هذه الاستراتيجية"، كان يشير إلى أن السوق المصري لم يعد يحقق العوائد التي تتماشى مع خطط الشركة لخفض الديون والتركيز على الأصول الأعلى ربحية.

هذا لا يعني بالضرورة أن الشركة غرّرت بمصر، لكنه يعني أن الحكومة المصرية ربما أساءت تقدير مدى اعتمادها على شركة واحدة لتأمين الجزء الأكبر من إنتاج الغاز، فحين تنتج شركة واحدة 60٪ من الغاز المحلي، يصبح الاقتصاد الوطني رهينة قراراتها الاستثمارية.

ومع تراجع الإنتاج، وجدت مصر نفسها أمام أزمة طاقة حادة، واضطرت إلى استيراد الغاز بأسعار مرتفعة.

 

كما أن تصريحات المنقلب عبدالفتاح السيسي قبل سنوات: "كيف يكون لدينا كل هذه الموارد ويحرمونا منها"، كانت إشارة مبكرة إلى وجود فجوة بين التقديرات الرسمية والواقع الفعلي لاحتياطيات الغاز. لكن أحداً لم يتوقف عند هذه الإشارة، ولم تُطرح أسئلة كافية حول شفافية بيانات الإنتاج والاحتياطي ومن غير توضيح ما هو الحرمان إلى أن بقي الحرمان واقعا.

وبات الواقع أن الإنتاج انهار بنسبة تصل إلى 60٪، وتحولت مصر من دولة مصدّرة إلى دولة مستوردة وعليه تدرس (بي بي) بيع أصولها لأنها لم تعد ترى ربحية في السوق المصري كما أن التصريحات الرسمية المتفائلة لا تعكس الواقع الفعلي والاتفاق مع قبرص لشراء كامل إنتاج حقل أفروديت يؤكد حجم العجز المحلي.

والسؤال الحقيقي، هل انهار إنتاج الغاز؟ بل: كيف ستتعامل مصر مع هذا الانهيار في السنوات المقبلة؟ وهل ستتمكن من جذب استثمارات جديدة في ظل خروج أكبر منتج للغاز من السوق؟