حماس والفصائل في القاهرة.. بين استكمال المرحلة الأولى ومواجهة التصفيات

- ‎فيعربي ودولي

وصل وفد رفيع المستوى من حركة حماس برئاسة خليل الحية، يرافقه ممثلون عن طيف واسع من الفصائل الفلسطينية. وتأتي هذه الجولة الجديدة من المباحثات في توقيت بالغ التعقيد ميدانياً وسياسياً، حيث تتأرجح الأجواء بين السعي لاستكمال بنود اتفاق وقف إطلاق النار وتجاوز العقبات التنفيذية، وبين الرغبة الفصائلية في صياغة موقف وطني موحد يواجه الضغوط الدولية والترتيبات التي تُطبخ لمستقبل قطاع غزة.

وتأتي هذه المفاوضات في ظل سعي صهيوني محموم لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد على الأرض يتجاوز التفاهمات الأصلية عبر تجاوز "الخط الأصفر" المتفق عليه وتوسيع السيطرة إلى "الخط البرتقالي" (أكثر من 62% من مساحة غزة)، وسط تطلعات معلنة لنتنياهو للوصول إلى 70%، مما يهدد بتضييق المساحة المعيشية المتاحة للفلسطينيين.

وبالتوازي مع هذا التوسع، تبرز استراتيجية "قطع الرءوس" واستهداف الكوادر الأمنية والشرطية. وفي هذا السياق، يقدم د. مصعب درويش عبر معرفه @MosabDarwish  شهادة إنسانية ونفسية قاسية من داخل غزة، واصفاً الأوضاع بأنها كابوس مستمر منذ ثلاث سنوات بلا أفق؛ حيث يعيش المستهدفون وعائلاتهم تحت وطأة قائمة تصفيات صهيونية طويلة تجعلهم يشعرون كأنهم يُساقون إلى الموت وهم ينظرون في حفلة إعدام يومية، مما خلق بيئة اجتماعية وأسرية مضطربة جداً وهشة، تضيق فيها سبل الحركة والإنفاق على الأطفال نظراً لأن التحرك يمثل سبباً مباشراً للاستهداف والقتل، فضلاً عن شعور الواحد منهم بالثقل خوفاً من تدمير أو إبادة أهله وجيرانه المحيطين به.

 

طبيعة الزيارة: أبعاد تفاوضية وحوار فصائلي موسع

تتجاوز الجولة الحالية في القاهرة مجرد استكمال المباحثات التقليدية مع الوسطاء، لتتحول إلى منصة لحوار فلسطيني-فلسطيني موسع رُوعي فيه التنوع الفصائلي لضمان بناء جبهة وطنية متماسكة. وفي هذا الصدد، يلفت الكاتب والمحلل وسام عفيفة عبر حسابه @wesamaf إلى أن الأنظار تتجه صوب العاصمة المصرية في جولة تتجاوز مجرد "ملف التفاوض" لتتحول إلى حوار فلسطيني موسع؛ والهدف منه هو بناء موقف وطني متماسك يواجه الترتيبات والضغوط التي تُطبخ لمستقبل غزة، مؤكداً أن المرحلة تحمل أخطاراً وجودية تتطلب حواراً صريحاً وجريئاً لحماية القضية الفلسطينية وليس فقط لوقف الحرب.

ويضم الوفد قادة بارزين من خارج غزة والداخل، من بينهم فهد سليمان (الجبهة الديمقراطية)، طلال ناجي (القيادة العامة)، مصطفى البرغوثي (المبادرة الوطنية)، وسمير المشهراوي (التيار الإصلاحي)، إلى جانب قيادات من حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، وألوية الناصر صلاح الدين.

وسُجل في هذه الجولة غياب ممثلي حركة فتح عن المشاركة في هذه اللقاءات المشتركة، مما يضع عبء التوافق على عاتق الفصائل المجتمعة لصياغة آليات التعامل مع المرحلة المقبلة.

وفي استضافة قناة العربية، قال رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، المقرب من الأجهزة؛ سمير غطاس، إن الجانب المصري يسعى إلى انتزاع موقف واضح وحاسم من حركة حماس يتيح استكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، بهدف سد الذرائع ومصادرة المبررات أمام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنعه من التنصل من الالتزامات.

 

"شرم الشيخ" ومأزق نزع السلاح

تتركز نقاشات العاصمة الإدارية بالقاهرة حول حسم الملفات العالقة المرتبطة بـ"اتفاق شرم الشيخ" الموقع في أكتوبر 2025 والمستند دولياً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، وتبرز على الطاولة نقاط اشتباك سياسي حادة.

وفي قراءة تحليلية تحت عنوان "السلام الغائب في غزة"، يرى الكاتب محمد مرعي بالأهرام أن تل ابيب تعاملت مع الاتفاق بصورة انتقائية لتمرير مصالحها وعطلت الآليات التنفيذية، موضحاً أن الضغوط الحالية للانتقال إلى ملف نزع سلاح حماس والفصائل قبل تنفيذ الالتزامات الأساسية يمثل مقاربة شديدة الخطورة؛ لأن نزع السلاح لا ينجح في مناطق يغيب عنها الأمن والسلطة القادرة على فرض القانون، وأي خطوة متعجلة قد تفتح الباب أمام فوضى عارمة أو اقتتال داخلي أو ظهور ميليشيات مسلحة مدعومة صهيونيا، وهو ما قد يمتد أثره إلى الحدود المصرية وتتحفظ عليه القاهرة تماماً.

وتتطابق هذه الرؤية مع ما نقله نشطاء عن الصحفي الفلسطيني يوسف فارس، مؤكداً أن الاشتراطات المطروحة، وفي مقدمتها مطالبة رئيس "مجلس السلام" نيكولاي ميلادينوف للفصائل بتسليم كامل سلاحها قبل السماح بدخول "اللجنة الإدارية التكنوقراطية"، تستبطن وضع العصيّ في دواليب المفاوضات حتى قبل أن تبدأ أساساً، وتُستخدم كغطاء لتمرير شروط ميدانية قاسية.

 

خرائط السيطرة وتكتيك "قطع الرءوس"

ويهدف هذا الحراك الفصائلي الموسع تحت الرعاية المصرية إلى تحقيق غرضين أساسيين وإيصال رسائل حاسمة إلى الأطراف الدولية المؤثرة:

فإلى واشنطن؛ تسعى القاهرة والفصائل إلى إعادة لفت الانتباه الأمريكي لملف غزة وممارسة ضغوط حقيقية لتنفيذ "خطة الرئيس ترامب"، وذلك بعد فترة الانشغال الإقليمي التي فرضتها الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وااستمرت 40 يوماً واستغلتها تل أبيب لتمرير الوقت وتوسيع نفوذها البري في ظل غياب المتابعة المكثفة.

وإلى الكيان (تل أبيب)، يهدف الاجتماع إلى إيصال موقف فلسطيني موحد وغير مجزأ يفيد بأن المراهنة الصهيونية على الاستنزاف العسكري وتكتيك الاغتيالات ومجازر العائلات المستجدة (في أحياء الكرامة، والشيخ رضوان، وتل الهوا، والشاطئ) لن ينجح في انتزاع تنازلات سياسية مجانية أو فرض شروط استسلام مسبقة دون كفالة الحقوق الأساسية وانسحاب القوات إلى الخطوط المتفق عليها.

ولا يبدو التصعيد الصهيوني الميداني منفصلاً عن تعثّر المسار السياسي، وفق ما يراه مطّلعون على مسار المفاوضات التي تستضيفها العاصمة المصرية القاهرة. إذ يشير هؤلاء إلى أن الاشتراطات المطروحة، وفي مقدّمها مطالبة رئيس «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، حركة «حماس»، بتسليم كامل سلاحها قبل السماح بدخول «اللجنة الإدارية التكنوقراطية» إلى غزة لتسلّم مهامها، تستبطن وضع العصيّ في دواليب المفاوضات، حتى قبل أن تبدأ أساساً.