ظهر الجدل حول مشروع قانون جديد ينظم جهاز “مستقبل مصر”، بعد أن نشرت “العربية Business” خبرًا – ثم حذفته سريعًا – يفيد بنقل تبعية الجهاز من القوات المسلحة إلى كيان مدني، مع توسيع صلاحياته ليشرف على شركات حكومية كبرى.
ورغم غياب بيان رسمي، فإن الحذف السريع فتح الباب أمام تساؤلات حول صراع داخل الدولة العميقة، بين اتجاه يريد الاستجابة لشروط الإصلاح الاقتصادي، وآخر يتمسك ببقاء الأذرع الاقتصادية تحت سيطرة الأجهزة السيادية.
وفي ظل اقتصاد مأزوم ودولة تبحث عن مخرج، تعيش مصر في السنوات الأخيرة حالة من إعادة تشكيل واسعة لدور الدولة في الاقتصاد، وسط ضغوط متزايدة من صندوق النقد الدولي لإحداث “مدنية اقتصادية” تقلل من هيمنة الأجهزة السيادية على النشاط الإنتاجي والاستثماري.
وفي هذا السياق، يتقاطع الجدل مع نقاش أوسع أثاره كتاب جديد صادر عن جامعة أكسفورد شارك في إعداده د.محمود محيي الدين، ويؤكد أن “مقاومة الإصلاح الشامل” هي السبب الرئيسي في عدم تحول مصر إلى اقتصاد متقدم رغم ما تمتلكه من موارد. وفي ظل هذا السياق، يصبح قانون “مستقبل مصر” واحدا مع مقاومات الإصلاح بالاقتصاد المغلق البعيد عن المساءلة.
اقتصاد بلا قواعد واضحة
الحذف السريع لخبر “العربية Business” أثار تكهنات حول صراع بين أجنحة داخل الدولة. فهناك اتجاه يرى ضرورة “مدنية الاقتصاد” لتجنب الانهيار المالي، خاصة مع تراجع الاحتياطي النقدي وارتفاع الديون. وفي المقابل، هناك اتجاه آخر يرفض التخلي عن الأذرع الاقتصادية التي تمثل مصدر قوة ونفوذ، مثل “مستقبل مصر” والهيئة الهندسية وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
هذا الصراع ينعكس في قرارات متضاربة، مثل إغلاق منافذ بيع “مستقبل مصر” في أكتوبر ورمسيس، أو فرض نسب مرتفعة على صيادي بحيرة ناصر تصل إلى 40% من الإنتاج، ما أثار غضبًا واسعًا واتهامات للجهاز بفرض “إتاوات” على الفئات الأكثر هشاشة. هذه الوقائع تشير إلى أن الجهاز أصبح لاعبًا اقتصاديًا ضخمًا، لكنه يعمل في بيئة تفتقر إلى قواعد واضحة أو آليات مساءلة.
مشروع زراعي أم كيان سيادي موازٍ
وبدأ “مستقبل مصر” كمشروع تابع للقوات الجوية، يهدف إلى التوسع الزراعي في مناطق الصحراء الغربية. لكن خلال سنوات قليلة، تمدد الجهاز ليصبح أحد أكبر الكيانات الاقتصادية في البلاد، فيمتد من الضبعة إلى أسوان، ومن سيناء إلى سيوة، ويسيطر على مساحات زراعية ضخمة، ويشارك في الاستيراد والتسويق والتخطيط والتنفيذ. ومع هذا التوسع، بدأت تظهر مخاوف من غياب الشفافية، وعدم وضوح الحدود بين دوره التنموي ودوره الاستثماري، إضافة إلى غياب الرقابة البرلمانية أو المجتمعية على موارده ومصروفاته.
تقارير صحفية، لمواقع منها “مدى مصر”، تشير إلى أن الجهاز أصبح “منظومة موازية” تعمل خارج قواعد الدولة التقليدية، وتملك صلاحيات تتجاوز وزارات الزراعة والري والتنمية المحلية. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الجهاز نجح في تنفيذ مشروعات زراعية بسرعة تفوق أداء المؤسسات الحكومية التقليدية، لكنه في المقابل خلق حالة من الإقصاء لصغار المستثمرين والمنتجين المحليين.
وإذا صحّ ما ورد في الخبر المحذوف، فإن نقل تبعية “مستقبل مصر” إلى كيان مدني قد يكون محاولة لتلبية مطالب صندوق النقد الدولي الذي يشترط تقليص دور الجيش في الاقتصاد. لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة انتقالًا حقيقيًا نحو الشفافية، إذ يمكن أن يتحول الجهاز إلى كيان مدني “بالاسم فقط”، بينما تبقى السيطرة الفعلية بيد نفس الجهات التي تديره اليوم.
وهذا السيناريو برأي مراقبين يشبه ما حدث مع “الصندوق السيادي المصري”، الذي قُدم كأداة لإدارة أصول الدولة، لكنه يعمل خارج الرقابة البرلمانية المباشرة، ويملك صلاحيات واسعة في البيع والتصرف في الأصول. كما يشبه “صندوق تحيا مصر”، الذي يخضع مباشرة لرئيس الجمهورية، ولا تُعلن تفاصيل إيراداته أو مصروفاته بشكل دوري.
وفي هذا السياق، يخشى البعض أن يتحول “مستقبل مصر” إلى نسخة جديدة من هذه الكيانات، تُستخدم لإعادة هيكلة الأصول العامة بعيدًا عن الرقابة.
هل يشبه “مستقبل مصر” الصندوق السيادي وتحيا مصر؟
من حيث الشكل، تختلف الكيانات الثلاثة في طبيعتها القانونية، لكن من حيث الوظيفة، تتشابه في عدة نقاط أساسية. فجميعها تعمل خارج البيروقراطية التقليدية، وتتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الأصول العامة، وتخضع لرقابة محدودة، وتُستخدم كأدوات لإعادة توزيع الملكية الاقتصادية في ظل غياب الشفافية الكاملة. كما أنها تُدار بقرارات مركزية، وتُستخدم في تنفيذ مشروعات كبرى دون المرور بالمسارات المؤسسية المعتادة.
لكن الاختلاف الأساسي يكمن في أن “مستقبل مصر” ليس مجرد صندوق مالي، بل كيان إنتاجي يمتلك أراضي ومشروعات زراعية وصلاحيات تشغيلية مباشرة، ما يجعله أقرب إلى “دولة داخل الدولة” من كونه صندوقًا استثماريًا.