31 عاماً لم تمر على ما يبدو على تلك الأيام القاسية من عام 1995، حين ارتدت بلدة سربرنيتسا في البوسنة والهرسك ثوباً من لوع، وشهدت أسوأ مأساة إنسانية عرفتها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية؛ إبادة جماعية حُفرت ندوبها في قلب التاريخ وعاشتها دماء أكثر من 8372 رجلاً وطفلاً من مسلمي البوشناق.
أمس وأثناء عودة أهالي ضحايا #مجزرة_سربرنيتسا من دفن موتاهم ظهرت عبّارة لقوميين من صرب البوسنة في نهر درينا بالقرب من مساكن أهالي الضحايا تشغّل بأعلى صوت أغاني قومية صربية تمجّد بالإب.ادة ومرتكبيها في استفزاز يتكرر سنويًا لمسلمي البوسنة.
الأغنية تقول "سربرنيتسا العزيزة، أتمنى أن يعيدها (المجزرة) الرب ثلاث مرات أخرى"، وفي السنوات الماضية اعتاد أهالي سربرنيتسا على سماع نفس الاغاني الاستفزازية في ساحات الكنائس الارثوذوكسية برعاية الكهنة!
https://www.facebook.com/reel/1336868361896911
وتسلط الذكرى الأليمة الضوء على المسؤولية التاريخية والقانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي، حيث تُقام فعاليات إحياء هذه الذكرى تحت رعاية الأمم المتحدة، مستحضرين الحقبة التي تولى فيها الأمين العام الأسبق للمنظمة الدولية، بطرس بطرس غالي، منصبه الإداري الرفيع إبان اندلاع حرب البوسنة والهرسك عام 1992 وحتى سقوط البلدة المنكوبة عام 1995، مما يجعل ذكراها صرخة مستمرة في وجه خذلان الملاذات الآمنة وتأكيداً أممياً على حماية الذاكرة التاريخية ضد الإنكار.
من "المنطقة الآمنة" إلى ممرات الموت
وفي 11 من يوليو، تقف عقارب الساعة إجلالاً وتلوذ الكلمات بالصمت، لتفسح المجال لذكرى ترفض النسيان، حيث بدأت المأساة مع اندلاع حرب البوسنة عام 1992، عقب الاعتراف باستقلال البوسنة والهرسك، وسرعان ما فرضت القوات الصربية حصاراً خانقاً على سربرنيتسا، فحرمت سكانها من الغذاء والدواء، وتعرضت المدينة لقصف متواصل، بينما كانت الأوضاع الإنسانية تتدهور يوماً بعد آخر. في أبريل 1993، أعلنت الأمم المتحدة بلدة سربرنيتسا المحاذية لنهر درينا شمال شرق البوسنة والهرسك، أعلنتها "منطقة آمنة" تحت حماية كتيبة هولندية تابعة لقوات حفظ السلام الأممية.
لم تكن سربرنيتسا مجرد نقطة على الخارطة، بل كانت وعداً بالسلام لم يكتمل، فتعلق بها الآلاف كطوق نجاة أخيرة. لكن في ذلك الصيف القاحر من يوليو 1995، تبددت الوعود الدولية كسراب، واجتاحت وحدات من جيش جمهورية صرب البوسنة كانت تحت قيادة الجنرال راتكو ملاديتش، بمشاركة "وحدة العقارب" شبه العسكرية الصربية، أسوار البلدة. وتحولت الحماية المزعومة إلى حصار مُطبق، والملجأ الآمن إلى ساحة مفتوحة لأبشع جريمة دموية شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
الفصل القسري وهندسة المقابر الشيطانية
بأيديولوجية خالية من الرحمة، نُفذت عملية الفصل القسري؛ عُزلت الأمهات والزوجات عن فلذات أكبادهن ورجالهن، سارت قوافل الرجال والفتيان نحو مصيرهم المجهول في ممرات الموت، حيث نُفذت بحقهم إعدامات ممنهجة غيبت أجيالاً بأكملها، وطالت الضحايا الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و77 سنة.
ولم يكتفِ القتلة بانتزاع الأرواح، بل ارتكبوا الجريمة مرتين. فبعد أن دفنوا ضحاياهم، وبعد أن انتهت الحرب وأدركوا أن المجتمع الدولي سيبدأ التحقيق، راحوا ينبشون هذه المقابر الجماعية لخلط رفات الضحايا بين مقابر مختلفة تشتتت بين التلال على مسافات متباعدة، في خطة شيطانية تهدف لطمس معالم الجريمة وجعل التعرف على العظام أمراً شبه مستحيل. وقد وثقت التقارير المحلية أن جثة أحد الضحايا وُجدت رفاتُها متفرقة في 11 مقبرة مختلفة بفضل فحوصات الحمض النووي (DNA)، مما يُعد إمعاناً وتجديداً لتعذيب أهالي المفقودين.
مقبرة بوتوتشاري
استغرق التعرف على هوية الضحايا سنوات طويلة نتيجة عمليات النقل والنبش المتكررة للرفات، واعتُمد التحليل الجيني وسيلة رئيسية لمطابقة العظام بعائلات المفقودين، وما زالت هذه العمليات مستمرة حتى اليوم. وتحولت مقبرة "بوتوتشاري" التذكارية لضحايا الإبادة الجماعية إلى واحة للحزن المقدس، حيث تُقام في 11 يوليو من كل عام مراسم دفن جماعية مهيبة لضحايا جدد يتم التعرف على هوياتهم خلال العام.
في عام 2010، شهدت المقبرة مراسم دفن جماعية لـ 775 ضحية تم التعرف عليهم، في مشهد مهيب حيث غطت النعوش الخضراء الساحة كأنها غابة نبتت فجأة من الأرض، وسط نحيب الأمهات والزوجات اللواتي يربتن على الخشب وكأنهن يهدهدن أطفالهن الصغار، في استعادة حية للفاجعة وكأن الحادثة وقعت بالأمس. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال الجرح البوسني نازفاً؛ وثمة أكثر من 1000 ضحية لا تزال رفاتهم مفقودة تحتضنهم دروب الجبال المجهولة، وتنتظر أسرهم خيطاً من أمل يواري أجسادهم الثرى بكرامة.
بيوت النساء الثكالى
وباستعراض شهادة الصحفي أسعد طه المؤثرة وصعوبة موقفه كصحفي وإعلامي عند إعداده فيلماً وثائقياً عن عائلات الضحايا في ضواحي سراييفو، حيث عاش بين النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن، ووصَفَ تفاصيل احتفاظهن بمتعلقات أحبابهن المغدورين، وعجزه كصاحب كلمة عن وصف مشاعر تلك الأمهات والزوجات، بالإضافة إلى شهادته على مراسم الدفن الجماعية التي حضرها عام 2010.
وتتجلى الصعوبة الإنسانية البالغة لهذه المأساة في تفاصيل حياة الناجين اليومية، يروي الإعلاميون والصحفيون الذين عاصروا توثيق الأحداث عن أحياء كاملة في ضواحي سراييفو لا تسكنها مؤقتاً إلا النساء؛ أمهات وزوجات فقدن كل رجالهن، وتتحول البيوت هناك إلى متاحف صغيرة للحزن، حيث تخرج كل امرأة صندوقاً صغيراً يُشبه الكنز، يحتفظ بقميص قديم، أو حذاء طفل، أو قصاصة رسالة قديمة تحمل رائحة المغدور.
أكثر من 3 آلاف أسرة في البوسنة والهرسك ما زالت تعيش هذا الألم الممتد، حيث يمر الزمن دون أن تجد الزوجة أو الأم إجابة شافية أو جثة تواريها، ويقف العجز الإنساني حائلاً أمام وصف مشاعر أولئك العجائز اللواتي يحدقن في اللا شيء طوال النهار على أرصفة الطرقات، وكما قال الأديب غسان كنفاني في رائعته "عائد إلى حيفا": “كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”.
العدالة الدولية والاعتراف الأممي
ظل القائد العسكري لجيش صرب البوسنة، راتكو ملاديتش، هارباً من وجه العدالة لسنوات طويلة قبل إلقاء القبض عليه في عام 2011، ولاحقاً، أدانته المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بتهم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة، وهو الحكم الذي أصبح نهائياً وباتّاً في عام 2021.
ولم تعد سربرنيتسا مجرد ذكرى محلية أو إقليمية، بل أصبحت ضميراً حياً للعالم بأسره. فبعد سنوات طويلة من الكفاح ضد النسيان وطمس الحقائق، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2024 قراراً رسمياً يعلن يوم 11 يوليو/تموز يوماً دولياً سنوياً لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، وجاءت هذه الخطوة التاريخية لتؤكد على أهمية حفظ الذاكرة الجماعية، ومواجهة محاولات إنكار الجريمة، وتوجيه رسالة حاسمة للبشرية بأن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، وأن الحرية والكرامة تُصانان باليقظة المستمرة.
خذلان المجتمع الدولي
رغم الأحكام القضائية والقرارات الأممية، يرى الكثير من المراقبين أن العالم ما زال يقصر في حق البوسنة، امتداداً للخذلان الأول الذي تعرضت له المدينة عندما تُركت لمصيرها الأسود رغم إعلانها منطقة آمنة تحت راية الأمم المتحدة في عهد بطرس بطرس غالي، ويتجسد هذا التناقض الدولي الأخلاقي في منح الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب لعام 2019 للأديب الصربي بيتر هاندكه، وهو الذي أعلن مراراً تأييده للجناة الذين ارتدوا أبشع المذابح في حق المسلمين بالمنطقة، وتمنى علانية عبر تلفزيون بلغراد أن يكون "راهباً أرثوذكسياً يقاتل من أجل كوسوفو"، مما أثار تهكم وسخط الفعاليات الحقوقية الدولية.
إن استمرار تغافل المجتمع الدولي عن كبح جماح بعض القيادات المتطرفة التي لا تزال تروج لأيديولوجيات إقصائية، يعيد التذكير بضرورة التمسك بالذاكرة الحية، إن الدعوة الموجهة اليوم لكل الأحرار هي عدم الاستسلام للنسيان، وتوثيق كل تفاصيل مأساة سربرنيتسا، والبحث عن كافة السبل القانونية المتاحة لمحاكمة الجناة وملاحقة الفكر الإبادي، وفاءً لأرواح الضحايا التي لا تزال تنتظر العدالة الكاملة.
لمشاهدة القصة الكاملة والتفاصيل الوثائقية المؤثرة، يمكنكم متابعة فيلم "ضباب سربرنيتسا" على منصة الجزيرة الوثائقية عبر الرابط التالي:
https://www.facebook.com/reel/3279937642177120/