تُمثّل منصات تقصي الحقائق والتدقيق الرقمي اليوم أحد أهم حوائط الصد المعرفية في مواجهة حملات التشويه وصناعة السرديات السياسية الموجهة. وفي المشهد المصري المحتقن منذ عام 2013، تبرز منصة "صحيح الإخوان" كأداة توثيقية تسعى لتفكيك الروايات الإعلامية السائدة التي تستهدف حقبة الحكم المدني القصير للرئيس الأسبق محمد مرسي.
عبر أدوات الاستقصاء الصحفي ومراجعة الأرشيف الرسمي ومقارنة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، تعيد المنصة بناء المشهد التاريخي بعيداً عن البروباغندا. يتناول هذا التقرير المفصل تفنيداً علمياً وثائقياً لثلاث مسائل جوهرية شكلت الوعاء الأساسي للهجوم الإعلامي على تلك المرحلة وهي ملف تسليح المعارضة السورية، والشرعية الدستورية لانتخابات 2012، ومقارنة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية بين عهدي مرسي والسيسي.
دعوى "تدريب الجيش السوري الحر"
وتفكيك ادعاء الصحفى عديم الكفاءة ، والمذيع المعدوم الحضور ، محمود مسلم، (رئيس تحرير جريدة الوطن ونائب سابق ببرلمان السيسي) وفي سياق محاولات وصم إدارة الرئيس الأسبق محمد مرسي بـ "الخروج عن ثوابت الدولة" والسعي لتوريط الجيش المصري في نزاعات إقليمية بالوكالة، زعم الصحفي محمود مسلم (رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ)، عبر برنامج "المشهد"، أن مرسي طلب رسمياً من القوات المسلحة تدريب عناصر ما كان يُعرف بـ"الجيش السوري الحر".
الحقائق الغائبة
وأخضعت منصة "صحيح الإخوان" هذا الادعاء للتحقيق التوثيقي عبر مقارنة الخطاب الرسمي بمحاضر الدولة وقراراتها، وخلصت إلى زيف الادعاء لأسباب منها؛ غياب المستند القانوني والإداري، وأنه لا توجد وثيقة رسمية واحدة، أو قرار جمهوري مكتوب، أو مرسوم رئاسي، أو محضر اجتماع لمجلس الدفاع الوطني يثبت توجيه رئاسة الجمهورية للجيش بتدريب فصائل مسلحة سورية. والادعاء يعتمد بالكامل على روايات شفهية بأثر رجعي صدرت بعد يوليو 2013، وهي شهادات مسيسة تفتقر للحجية القانونية.
وأشارت إلى الفصل الصارم بين المسار الدبلوماسي والميداني، عندما أعلن مرسي في مؤتمر "الأمة المصرية لدعم الثورة السورية" (استاد القاهرة، يونيو 2013) قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد وإغلاق السفارات. لكنه في نفس الخطاب شدد علانية على رفض التدخل العسكري المباشر، وأعلن توجيه المساعدات عبر الهلال الأحمر ومنظمات المجتمع المدني لدعم اللاجئين والجرحى، مؤكداً أن الدعم المصري سياسي وإنساني بحت لحفظ وحدة سوريا وجغرافيا الإقليم.
ولفتت إلى أن عقيدة الجيش والرفض المؤسسي المسبق، عبّرت عنه قيادة القوات المسلحة في عام 2013 من خلال تصريحات لمسئولين عسكريين عن التمسك بحماية الحدود وصون الأمن القومي المباشر، رافضة الزج بالجيش في صراعات بالوكالة. كما اعتبرت العقيدة العسكرية آنذاك أن سوريا ليست الساحة الأولى في ترتيب الأولويات الأمنية مقارنة بملفات المياه (إثيوبيا) والحدود الجنوبية (السودان).
التوافق الإقليمي والدولي العام، كان التعامل السياسي مع المعارضة السورية آنذاك جزءاً من إجماع عربي ودولي؛ إذ اعترفت جامعة الدول العربية ومجموعة "أصدقاء سوريا" بالائتلاف الوطني والجيش الحر كممثلين للشعب السوري، ورخصت قمة الدوحة 2013 لكل دولة بتقديم الدعم المناسب للمعارضة، مما يعني أن الموقف المصري لم يكن مغامرة فردية خارجة عن النسق الدولي.
وعن البعد الإنساني الموثق، حيث تمثل الدعم الحقيقي في فتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين دون تأشيرات مسبقة، ومعاملة الطلاب السوريين كأشقاء في المدارس والجامعات الحكومية؛ وهو وضع انقلب عقب يوليو 2013 بفرض شروط إقامة وتأشيرات أمنية مشددة.
ورأت أن توظيف الدراما كبديل للأرشيف، بعدما اعتمد الإعلام الموالي للنظام على مسلسلات درامية أنتجتها جهات سيادية (مثل "الاختيار 3") لترسيخ هذه الرواية شفهياً وبصرياً في الوعي الجمعي دون الاستناد إلى أي مادة أرشيفية أو وثيقة حقيقية.
معركة الصندوق ومحاولات نسف "الشرعية الدستورية" لعام 2012
وهو ادعاء المخبر المعروف الناعق المدعو ، أحمد موسى حول شرعية الرئيس مرسي، ففي إطار الدعاية المستمرة لنزع الشرعية القانونية والتاريخية عن تجربة الحكم المدني، ادعى الإعلامي أحمد موسى عبر برنامجه "على مسؤوليتي" أن محمد مرسي لم يكن رئيساً شرعياً لمصر، بحسب زعمه.
وتثبت الوثائق القانونية والسيادية كذب هذا الادعاء جملة وتفصيلاً، حيث توضح منصة "صحيح الإخوان"
أن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية (وهي جهة قضائية مستقلة آنذاك) أصدرت قرارها الرسمي رقم 35 لسنة 2012 في 24 يونيو 2012 بإعلان فوز محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية بعد حصوله في جولة الإعادة على 13,230,131 صوت بنسبة 51.73%، متفوقاً على منافسه الفريق أحمد شفيق الذي حصل على 12,347,380 صوت بنسبة 48.27%.
وفي 30 يونيو 2012، أدى مرسي اليمين الدستورية أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا بكامل هيئتها القضائية. وتلا ذلك تسلم السلطة رسمياً من المجلس الأعلى للقوات المسلحة في قاعدة هايكستب، حيث أدى المشير حسين طنطاوي التحية العسكرية للرئيس الجديد مصرحاً أمام العالم: "لدينا الآن رئيس منتخب يتولى زمام الحكم في مصر من خلال تصويت مباشر وحر".
ووصفت تقارير "مركز كارتر" الدولي تلك الانتخابات بأنها أول اقتراع رئاسي تنافسي وتعددي وديمقراطي تشهده مصر. ونقلت وكالات أنباء عالمية مثل "رويترز" و"بي بي سي" الحدث بوصفه تنصيباً لأول رئيس مدني منتخب بحرية في تاريخ البلاد المعاصر.
لغة الأرقام الصادمة ومقارنة المؤشرات
ودأب الإعلام الموالي للنظام على تصوير سنة حكم الرئيس مرسي (2012-2013) باعتبارها "الأسوأ دماراً"، زاعماً أن مشروعات البنية التحتية والاستثمارات في زمن المنقلب السفيه ، عبد الفتاح السيسي أنقذت مصر من "العودة 50 عاماً إلى الوراء". وعقدت منصة "صحيح الإخوان" مقارنة رقمية صارمة استناداً لبيانات الأجهزة الرسمية للدولة كالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، والبنك الدولي، والمنظمات الحقوقية، لتكشف الفوارق الهيكلية الشاسعة.
ونسبة الفقر القومية، 26.3% (وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2012) تجاوزت 32% (وفق أحدث تقارير البنك الدولي)، وترواح سعر صرف الدولار بين 6.0 و 7.0 جنيهات للدولار ثم قفز اليوم إلى نطاق يتراوح بين 30.0 و 50.0 جنيهاً (نتيجة تعويمات 2016 و2024)
وعن معدل التضخم السنوي بلغ نحو 8.0% وقفز رسمياً إلى 35.7% (في عام 2023). وارتفع الدين الخارجي من 43.2 مليار دولار (يونيو 2013) إلى قرابة 161 مليار دولار (عام 2025) لتمويل المشاريع غير الإنتاجية
وعن مؤشر الحريات العامة، لم تُصنف مصر كدولة قمعية (مؤشر فريدوم هاوس 2012)، وصُنفت كـ "دولة غير حرة" مع وجود أكثر من 60 ألف معتقل سياسي (مركز النديم).
وعن القتل خارج القانون لم تُسجل أي حالة تصفية جسدية، وكانت المحاكمات علنية، في حين وثقت جهات حقوقية أكثر من 900 حالة قتل خارج القانون بين 2015 و2020 بحسب (المبادرة المصرية).
وتكشف المقارنات التوثيقية للمنصة أن النظام الحالي انتهج سياسات إقصائية لتقسيم المجتمع وتكريس ثنائية (الوطني والمخون)، متمثلة في:
الخطاب الإعلامي التعبوي
من خلال رعاية إنتاج مواد فنية وإعلامية موجهة مثل أغنية "إحنا شعب وانتو شعب" لعلي الحجار لشق النسيج الاجتماعي، في مقابل اتهام مرسي زوراً بتقسيم البلاد.
وعن صناعة "عبادة الفرد"، رصدت "نيويورك تايمز" مبكراً في سبتمبر 2014 ملامح التأليه والتمجيد المطلق لشخص السيسي، التي وصلت بالدعاية الدينية إلى حد مطالبة بعض شيوخ السلطة بصياغة "سورة باسم السيسي في القرآن"، وتبديل الفتاوى والآراء السياسية لعلماء الأزهر (أمثال علي جمعة وخالد الجندي ومبروك عطية) لشيطنة الإخوان وتبرير قمعهم الجماعي وحماية الأجهزة الأمنية من أي محاسبة قانونية، مثلما جرى في تعذيب واغتيال الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
تفنيد المنهجية الدعائية
يكشف التحقيق الاستقصائي الذي تقوده منصات تقصي الحقائق كمنصة "صحيح الإخوان" أن صناعة السرديات البديلة في الإعلام المصري لا تستهدف نقد الأداء السياسي لفترة حكم الإخوان، بل تهدف إلى الشيطنة الوجودية الممنهجة لتبرير الفشل الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي الراهن.
وغياب الوثائق الرسمية والاعتماد المطلق على "الدراما الأمنية" والشهادات الشفهية المبتسرة يثبت أن محاولات تشويه حقبة 2012-2013 هي محاولات تفتقر للحد الأدنى من العلمية والموضوعية التاريخية. إن الحفاظ على الذاكرة الوطنية موثقة بالأرقام والتواريخ والقرارات الرسمية يظل هو السبيل الوحيد لحماية الوعي العام من التزييف الممنهج وصيانة حق الأجيال القادمة في معرفة الحقيقة كاملة دون إقصاء أو مواربة.