“مساعد” الأمن الوطني .. قراءة في تحوّلات خالد ثروت من ثورة يناير وفض رابعة إلى “دِكة البُدلاء”

- ‎فيتقارير

 

تُشكل المسيرة الممتدة للواء خالد ثروت بين أروقة وزارة الداخلية—وتحديداً داخل جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً)—أنموذجاً دالاً على كيفية إدارة الملفات السياسية والأمنية خلال مراحل الانتقال المعقدة في مصر، فمنذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، مر الرجل بتنقلات مفصلية، بداية من أروقة التفتيش بالجامعات، مروراً بترأسه للجهاز في عهد الإخوان المسلمين، ومشاركته المحورية الإجرامية في أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة، وصولاً إلى تحجيمه ونقله لقطاع فرعي تمهيداً لإحالة ملفه إلى التقاعد و"حزب الكنبة".

فعقب الإطاحة بنظام حسني مبارك، برز اسم خالد ثروت في لحظة فارقة كان الأمن الوطني يجهز للانتقام لصالح الدولة العميقة التي لطالما كانت أبرز حراسها، يبحث عن إعادة تموضع؛ حيث تولى موقع وكيل الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة بالقاهرة عام 2011.

ولم يتنصل ثروت من العقيدة الأمنية السائدة، بل دافع بشدة عن السلوك الأمني إبان الثورة، معتبراً أن غياب القوات من الشوارع لم يكن انسحاباً بل "تراجعاً تكتيكياً فرضته ضخامة أعداد المتظاهرين لحماية المنشآت @ElwatanNews – 2015).)

غير أن التتبع الإرشيفي لسجل الرجل يظهر أدواراً أعمق في مرحلة ما قبل الثورة؛ إذ كشفت شهادات معارضين وأكاديميين أنه أدار ملف أمن الدولة بمحافظة المنيا وتولى ملف الجامعات بين عامي 2005 و2009.

وفي هذه الفترة، مارس صلاحيات واسعة تمثلت في الحظر الأمني للمستقلين والمعارضين من التعيين الأكاديمي، واعتقال الطلاب، وتلقي مبالغ مالية غير رسمية من إدارة الجامعات لضمان التقارير الأمنية الإيجابية . د. تقادم الخطيب @taqadum – 2012.

صعود مفاجئ

مع وصول الدكتور محمد مرسي إلى سدة الحكم في صيف 2012، شهد جهاز الأمن الوطني تحولاً تنظيماً كبيراً، وفي 4 أكتوبر 2012، أصدر وزير الداخلية آنذاك أحمد جمال الدين (أحد مدبري أحداث الاتحادية) قراراً رسمياً بندب وتعيين اللواء خالد ثروت مساعداً للوزير ورئيسا لقطاع الأمن الوطني.

ومثل هذا القرار قفزة تنظيمية لافتة؛ إذ صعد ثروت من الترتيب رقم (3) داخل هيكل الجهاز ليتولى القيادة المباشرة @TahrirNews – 2012 وقد أثار هذا التعيين جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.

وأشار معلقون ومحللون إلى أن ثروت—الذي كان مسك ملف متابعة الإخوان المسلمين سابقاً—استطاع بناء علاقة متوازنة مع الجماعة، حتى قال تقادم الخطيب إن قيادات بمكتب الإرشاد كانوا يلقبونه بـ "المحترم الوقور" وباركوا تعيينه خلفاً للواء مجدي عبد الغفار  والذي أقيل في عهد الرئيس محمد مرسي وأُحيل للمعاش بعد أحداث رفح ومقتل الجنود المصريين.

واعتبر مراقبون ونشطاء أن صعود أحد رجال وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي إلى قمة الجهاز السيادي يعني أن "النظام الجديد يواصل رعاية وإرث أدوات النظام القديم" دون تغيير جوهري @AhmedZaky

شكوك التواصل (2013)

خلال النصف الأول من عام 2013، أدار ثروت الجهاز في ظل ظروف سياسية شديدة الاستقطاب. وظهر في وسائل الإعلام مروجاً لنجاحات الجهاز، مثل الإعلان عن تحديد المتهمين بخطف الجنود في سيناء وتتبعهم  ناهيك عن نيله إشادة وشكراً علنياً من رئيس الجمهورية حينها ضمن قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية.

لكن المشهد لم يخلُ من الصراعات والخلفيات الكواليسية؛ حيث نُشرت تقارير إعلامية تشير إلى تسريب مكالمات وتقارير أمنية وصلت لقيادات بالحرية والعدالة عبر رئيس الجهاز نفسه، وهو ما جعل الجهاز محط شكوك متصاعدة من كافة الأطراف.

المحطة الأكثر دموية

وتُعد مرحلة ما بعد 3 يوليو 2013 المحطة الأكثر تأثيراً في السيرة المهنية للواء خالد ثروت؛ إذ تولى الجهاز في واحدة من أكثر الفترات حرجاً واحتداماً في تاريخ مصر الحديث.

وأجمعت التقارير والوثائقيات التي تناولت الأحداث على أن خالد ثروت—بصفته رئيساً لقطاع الأمن الوطني—كان أحد المسؤولين المباشرين عن التخطيط والمتابعة الاستخباراتية والعملياتية لاستجابة السلطات ضد المتظاهرين، وتحديداً في مجزرة فض اعتصامي #رابعة والنهضة وما تلاها من تداعيات (هيثم غنيم @HaithamGhoniem – 2020).

وفي الذكرى السابعة لمجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة في مصر، قدمت وحدة الرصد والتوثيق ب #نحن_نسجل مقطع فيديو عن اللواء "خالد ثروت" أحد المسئولين المباشرين عن جرائم القتل للمتظاهرين أثناء ثورة 25يناير وفض اعتصام رابعة.

https://www.youtube.com/watch?v=Kbq4rNHGUJ8&feature=youtu.be

وأظهرت وثائق وتقارير حقوقية لاحقة أن أدوار الجهاز تحت قيادته تجاوزت الحراك السياسي لتشمل قمع الحركات العمالية والاحتجاجات الفئوية، مشيرة إلى تقاضيه مكافآت ومبالغ مالية منتظمة من وزارات حكومية (كوزارة التجارة والصناعة) بلغت نحو 145 ألف جنيه شهرياً/كل شهرين لقاء تغطية هذه العمليات (We Record – نحن نسجل @WeRecordAR – 2020).

وظهر ثروت في فبراير 2014 كشاهد أمني أساسي أمام محكمة جنايات القاهرة في القضايا المتعلقة بقطع الاتصالات وإدارة أزمات ثورة يناير، متدثراً بالشرعية الأمنية ومدافعاً عن إجراءات قطع الإنترنت والاتصالات باعتبارها إجراءً سيادياً معمولاً به دولياً لحماية الأمن القومي.

ليلة الإطاحة الكبير

ومن قمة "الأمن الوطني" إلى هامش "الأمن الاجتماعي في 2015 وفي مارس من ذلك العام، ومع تكليف اللواء مجدي عبد الغفار بحقيبة وزارة الداخلية، جرت حركة تغييرات واسعة أعادت تشكيل الخارطة الأمنية، وكان القرار الأبرز هو إبعاد اللواء خالد ثروت عن قيادة قطاع الأمن الوطني ونقله إلى منصب "مساعد الوزير لقطاع الأمن الاجتماعي"، وتعيين اللواء صلاح حجازي خلفاً له رغم أن ثروت لطالما مان يشيد بعبد الغفار ويعتبر نفسه تاليا له.

وجاءت الإقالة في ظل انتقادات لتعرض ضباط كبار في جهاز الأمن الوطني للاغتيال خلال فترة رئاسته، مثل الضابطين محمد مبروك ومحمد أبو شقرة .

واعتبر مراقبون أن النقل إلى "الأمن الاجتماعي" كان بمثابة تجريد سليم ونظيف للرجل من كافة صلاحياته التنفيذية والاستخباراتية، وإنهاء تام لأدوار القيادات التي ارتبط اسمها بالتوافقات السابقة في عهد الرئيس د.مرسي .

وبنقله لقطاع الأمن الاجتماعي، خرج خالد ثروت عملياً وبشكل كامل من دائرة صنع القرار الأمني والسياسي في مصر، وتحول المنصب إلى مجرد محطة انتظار بروتوكولية .

استمر هذا الوضع دون أدوار تُذكر حتى يناير 2017؛ حيث أُحيل اللواء خالد ثروت رسمياً إلى التقاعد، ليسدل أستار مرحلة حافلة بالتقلبات، وينضم نهائياً إلى "دكة البدلاء" وحزب الكنبة بعيداً عن أروقة السلطة ومكاتب القرار.

وتخرج اللواء خالد عبد الوهاب محمد ثروت سنة 1978، والتحق بالعمل بمديرية أمن القاهرة قسم قصر النيل،  التحق بمباحث أمن الدولة حتى شهر أبريل عام 1982، تدرج خالد عبدالوهاب في قطاع الوزارة حتى تولى منصب رئيس قطاع الأمن الوطني، – في 2011، تولى عبدالوهاب وكيل الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة بالقاهرة، دافع بشدة عن جهاز الشرطة عقب أحداث ثورة 25 يناير 2011، قائلًا: "ليس هناك انسحاب للشرطة بل تراجع"، مشيرًا في تصريحات سابقة له إلى أن قوات الشرطة تراجعت لشدة حجم المتظاهرين، وذلك لكي تقوم بتأمين منشآتها.