بين “الدولة تنتحر” و”عودة الأشرار” .. هل تهديدات السيسي ب”النحر” يقين بقوة تجمع الغاضبين؟

- ‎فيتقارير

تأخذ عبارة المنقلب السفاح عبد الفتاح السيسي عن أن "دولة بتنتحر" معناها الأوسع عندما توضع إلى جانب الخطاب الذي ظهر في منشورات وتعليقات متزامنة حول الغضب الشعبي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحذير من "الأشرار". فالمشترك بين هذه المواد ليس بالضرورة تطابق أصحابها في التفسير، وإنما انتقال النقاش من سؤال ماذا يدفع الناس إلى الغضب؟ إلى سؤال ماذا يمكن أن يحدث إذا تحرك الغاضبون؟

 

يقول المنقلب السيسي: "الناس لو غضبت على نفسها وقامت وتحركت، وبتقول نهد الدنيا هنعملهم إيه؟ واحد بينتحــر أعمله إيه؟ دولة بتنــتحر نعملها إيه؟ فنلاقي الناس كلها هيبعتولك شوية مساعدات عشان يعني يخفف من آثار المشكلة دي".

 

وتضع العبارة في جملة واحدة ثلاث حلقات: الغضب، ثم التحرك، ثم انتحار الدولة، وقبلها وليس بعدها تأتي المساعدات الخارجية لاستدراك العميل وتخفيف آثار سرقاته، بحسب ما حذرت إيكونوميست الخليج وقالت لهم في 2023 "لا تدفعوا له"، وبذلك لا يجري التعامل مع الاحتجاج باعتباره مجرد مطالبة سياسية أو اجتماعية، بل يدخل في سلسلة سببية تنتهي، في التصوير الذي تتضمنه العبارة، بإلحاق الضرر ب"الدولة" نفسها.

 

وهنا يصبح السؤال التحليلي مختلفًا عن مجرد تفسير كلمة "انتحار": إذا كان الغضب الشعبي يمكن أن يؤدي إلى "انتحار الدولة"، فهل التغيير السياسي نفسه يدخل ضمن الخطر، أم أن الخطاب يترك احتمالًا آخر هو التغيير من دون هدم الدولة؟ هذه نقطة مركزية لأن الدولة والحكومة والسلطة ليست مفاهيم مترادفة بالضرورة.

من «الدولة تنتحر» إلى تفسير الغضب باعتباره خطرًا

 

هذا هو المعنى الذي تلتقطه تغريدة الطبيب المقيم بالخارج نور الدين @DRofficial_NR21 : "المواطن اللي بيكح تراب لم يعد ينتظر منك اجتماعات ياعر$، فالواقع في الشارع والمطابخ والبيوت أبلغ من أي بيان، عندما تتدهور معيشة الناس وتصل الضغوط لحد الخنق ثم الانتحار، يظل السؤال المطروح: هل هذه التجمعات لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم لإدارة أزمة ثقة لم تعد تُحل بالوعود؟".

ويضيف "غضب المواطن وتعبيره عن رأيه يا قزم ليس انتحارا للمواطن كما تصف و تثرثر، بل هو خطر عليك أنت شخصيًا و على نظامك".

 

https://x.com/DRofficial_NR21/status/2105694898414575937

 

خطاب "الدولة تنتحر" تهديد الخطر على "الدولة"، يقرأه مراقبون باعتباره خطرًا على النظام السياسي نفسه، أي أن الكلمة ذاتها تصبح محل صراع على تعريف مصدر الخطر: هل الخطر هو تحرك الناس، أم استمرار الظروف التي دفعتهم إلى التحرك؟

الدولة لا تنتحر لمجرد أنها تبنى

 

في اتجاه مختلف، يحاول حساب النجم الثاقب نقل النقاش من الخطاب السياسي إلى المؤشرات الاقتصادية ويوضح @sma62276 "الدولة ما بتنتحرش لمجرد إنها بتبني أو تستثمر، الدولة بتقرب من الانتحار لما تستمر في سياسات تستنزف مواردها، وتراكم الديون، وتضعف الإنتاج، وتحمّل المواطن التكلفة من غير ما تحقق عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا. الحكم هنا بالأرقام والنتائج، مش بالشعارات ولا بالغضب.".

 

https://x.com/sma62276/status/2105163149687111735

 

وبذلك يعاد تعريف الانتحار نفسه: ليس بوصفه نتيجة محتملة للاحتجاج، وإنما بوصفه وصفًا محتملًا لمسار اقتصادي طويل، وهذه المقاربة تنقل مركز السؤال من سلوك المواطن إذا غضب إلى السياسات التي سبقت الغضب.

 

وتقترب منها تغريدة الأكاديمي محمد الشريف @MhdElsherif التي تطرح اعتراضًا على ترتيب أولويات الإنفاق، وتربط بين التعليم والصحة والمشروعات الكبرى ثم إحالة جزء من الحلول إلى صندوق النقد:

 

"شحاتة ببجاحة، اخترتم إلا تنفقوا علي التعليم والصحة بالمخالفة للدستور، قلتم يعمل إيه التعليم في وطن ضائع، فضلتم الإنفاق علي هضبة الجلالة والعاصمة الجديدة ومصيف العلمين والقصور، أنكرتم حق التعليم والرعاية الصحية علي الشعب، والآن تحيلون الحق إلي صندوق النقد؟".

ويكون تساؤل "الشريف" أحد من أيد 30 يونيو: هل الأزمة ناتجة عن غضب الناس، أم أن الغضب أحد نتائج مسار اقتصادي وسياسي سابق؟!

من الاعتراض إلى «الأشرار»: توسيع تعريف التهديد

 

في هذا السياق تأتي تغريدة مجلة ميم لتضع خطاب الأشرار إلى جوار الحديث عما يراه خطورة السوشيال وتستشهد @Meemmag بقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، زعيم الانقلاب بمصر عبد الفتاح السيسي يجتمع مع عمد القرى والحكومة والمؤسسة العسكرية، ويحذر من خطر "الأشرار" الذين يهددون الدولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

https://x.com/Meemmag/status/2105356752854167751

 

سلسلة تتوسع من دائرة الخطر من التحرك الشعبي المباشر إلى التأثير في الرأي العام عبر المنصات الرقمية، وهنا لا يعود التهديد مرتبطًا فقط بمن ينزل إلى الشارع، وإنما بمن يستطيع التأثير في تصورات الناس واتجاهاتهم.

 

وهذا يتقاطع مع ما نقله حساب @aserasorat، عن عادل عطيه وقدم قراءة متكاملة للخطاب السابق على مؤتمر "الإنجازات" صاحب المنشور يرى أن النظام، في تقديره، يحتاج إلى منع مظاهر المعارضة بالتزامن مع موجة اقتصادية واجتماعية ضاغطة، ويضع ضمن ذلك تفسيرًا لخطاب السلطة حول الأشرار.

 

ويقول: "النظام في ورطة فعلا ومرعوب، عايزين يعدلوا الدستور بحيث يسمح بالتمديد للسيسي إلى الأبد، وإذا كان من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، في هذه الظروف، أن يتم إخراج المشهد بحيث يبدو وكأن التعديل يتم بضغط شعبي، أو استجابة لإرادة شعبية ما، فعلى الأقل يجب ألا يسمح بأي مظهر للمعارضة الشعبية..".

 

ثم يربط صاحب المنشور ذلك بما يصفه بموجة ارتفاع الأسعار، وتقليص الدعم، والتغييرات في برامج الحماية الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى تفسير الخطاب الإعلامي المتوقع: "من المستحيل على هؤلاء التجاوب مع خطاب الإنجازات المزعومة ليكن، ولكن يجب على الخطاب التركيز على:

 

أولا، المشاكل سببها الحروب والصراعات الإقليمية.

 

ثانيا، إن أي مشاكل موجودة ممكن يكون سببها الحكومة أو أي مسئول، وليس الرئيس..

 

لكن حتى ده موش كفاية، ولن يصدق أحد التبريرات والوعود، فليس أمام الحكومة إلا خطاب الوعيد والتهديد، وده خطاب المعلن منه، إن أي اعتراض أو تحرك ستكون نتائجه كارثية على الجميع.

 

أما المستتر فهو إنه سيقابل بقمع غير مسبوق، لأن اللي وراه طبعا هم الإخوان تحديدا، أو الأشرار عموما؟

 

ويصل المنشور إلى نقطة شديدة الصلة بالحديث عن وسائل التواصل:

 

والجديد أن هؤلاء الأشرار، موش بس عايزين "شق الصف الوطني وتأليب الرأي العام"، لكن كمان "تأليب الدولة على بعضها البعض عبر محاولة إثارة مشكلات بين مؤسسة وأخرى".

 

https://x.com/aserasorat/status/2105376344066646354

 

 

ثم ينتقل صاحب المنشور إلى ما يراه توسعًا في خطاب التحذير من «الأشرار» داخل المؤسسات والمجتمع، ويشير إلى حديث عن توجيه رسائل عبر المدارس أيضًا، قبل أن يختم بالدعوة إلى إعداد مؤتمر مقابل لمؤتمر «الإنجازات».

 

وهذه الرؤية لا تقدم مجرد تفسير لعبارة «الدولة تنتحر»، وإنما تبني سلسلة متصلة: من الضغوط المعيشية إلى صعوبة تصديق خطاب الإنجازات إلى الحاجة إلى تفسير بديل للأزمة إلى تحميل أسبابها للحروب أو للحكومة دون السيسي ثم التحذير من الاعتراض وربط المعارضة بـالأشرار أو "الإخوان".

عابدين @aabdeen24 يوضح أن السيسي حمل كبير على دولة منهكة تتنفس بالكاد، بجانب انعدام الشرعية فإنه ربط نفسه بمنظومة شديدة الفساد المركب والمعقد والمتراكم والتي لن تتفكك إلا بخروجه…"، مضيفا "لن يحدث أي تغيير في وجوده، مجرد شراء وقت بأثمان فادحة ستسددها مصر بصعوبة شديدة في أزمان طويلة.".

 

هذه الرؤية تقدم إجابة مختلفة عن ثنائية «إما استمرار الوضع وإما انهيار الدولة»: صاحبها يفترض أن تغيير رأس السلطة يمكن أن يكون وسيلة لتغيير المسار، لا مرادفًا لانهيار الدولة.

 

ومن هنا تتضح أهمية السؤال الذي طرحته سابقًا: لماذا لا يكون «الرحيل أو الاستبدال» أحد الخيارات التي تدخل أصلًا في معادلة الحديث عن إنقاذ الدولة؟

 

فالتحذير من أن «الدولة ستنتحر» إذا تحرك الناس يفترض ضمنًا أن نقطة التغيير الشعبي هي نقطة خطر، لكن يمكن منطقيًا فصل سؤالين: هل يجب الحفاظ على الدولة؟ وهل يجب الحفاظ على الحكومة أو الرئيس؟ الإجابة عن الأول لا تستلزم بالضرورة الإجابة عن الثاني.

يضيف السيسي تصريحا خائفا جديدا مع تضييقه على المصريين أو خنقه لم، فيقول: "أقل الوسائل تكلفة لتدمير أي دولة هو محاولة استدراج شعبها للقيام بتلك المهمة".

ويعلق سعيد عبيد @AhmedHa19599099 "الخوف من التغيير اللي هو حق أصيل لأي شعب لعسكر فشلة حكمونا على مدار 74 سنة ضيعوا البلد و ضيعونا معهم نتيجة جهل و فشل بمساعدة نخبة جاهلة و متعطشة للسلطة , فبتسمع الكلام الأهطل ده اللي معدش بياكل".

 

https://x.com/AhmedHa19599099/status/210570429655387593

 

وبدل أن يكون الغضب الشعبي هو انتحار الدولة، يصبح إخافة الناس من التغيير هي الآلية التي يمكن أن تمنعهم من مساءلة السلطة، كما فعل المخلوع مبارك من "الخوف من الفوضى" و"الخوف من البديل".

 

وبالتالي فإن عبارة واحدة عن الانتحار تستدعي أربع صور مختلفة للدولة: دولة تخشى الاحتجاج، ودولة تواجه أزمة اقتصادية، ودولة تتلقى دعمًا خارجيًا لتجاوز الضغوط، ودولة يمكن أن تتغير حكومتها دون أن تتغير هويتها كدولة.

«أنا ومن بعدي الطوفان» كقراءة ممكنة لا كحكم نهائي

وإذا كان الاعتراض يُصوَّر بوصفه طريقًا إلى «هدم الدنيا»، وإذا كان البديل المطروح هو استمرار الوضع القائم لأن الخارج سيرسل مساعدات عند وقوع الأزمة، فإن السؤال السياسي الذي يبقى خارج العبارة هو: هل حماية الدولة تعني بالضرورة حماية الصيغة السياسية القائمة؟

واستعارة «الانتحار» قابلة لقراءتين القراءة الأولى للجان الإلكترونية وتعني: التحذير من أن الاحتجاج غير المنضبط قد يؤدي إلى خسائر تطال الدولة والمجتمع، والقراءة الثانية: أن تحويل التغيير إلى مرادف للانهيار يجعل الخوف من البديل أداة للحفاظ على الوضع القائم.

وهنا تحديدًا تصبح المساعدات الخارجية التي وردت في العبارة عنصرًا مهمًا؛ لأن القول إن الخارج «سيبعث شوية مساعدات» لا يقدم المساعدة كبديل عن التغيير، بل كآلية لتخفيف آثار الأزمة بعد وقوعها أوبالأحرى قبل وقوعها منا يفعل الأوروبيين أو يمارس ذلك البنك الدولي وصندوق النقد أو الصناديق السيادية الخليجية بأوامر من "تل أبيب -واشنطن". وبالتالي يظل السؤال قائمًا: إذا كان الخارج قادرًا على مساعدة الدولة بعد الأزمة، فلماذا يصبح مجرد تغيير القيادة أو السياسات مساويًا لانهيار الدولة؟