لا تتوقف قضية الاحتجاز في مصر عند البالغين، إذ تكشف وقائع متعاقبة عن وصول الإجراءات الأمنية والقضائية إلى أطفال وقُصّر، بعضهم تعرض للاختفاء القسري لفترات، وآخرون ظلوا رهن الحبس الاحتياطي، فيما وثقت منظمات حقوقية حالات قالت إنها تضمنت التعذيب وسوء المعاملة وحرمان الأطفال من ضمانات يُفترض أن يوفرها لهم القانون.
وتعيد حالة الطفل رضا محمد ميرغني، المحتجز على ذمة القضية رقم 663 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، فتح هذا الملف من جديد، بعدما قالت منظمة «هيومن رايتس إيجيبت» إنه أُلقي القبض عليه من منزل أسرته في أبوصوير بمحافظة الإسماعيلية منتصف يناير 2026، قبل أن ينقطع الاتصال به لأسابيع، ويظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا في فبراير من العام نفسه.
وبحسب المنظمة، يواجه رضا اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة، بينما توالت قرارات تجديد حبسه الاحتياطي.
ففي 15 يونيو 2026، جُدد حبسه لمدة 15 يوماً خلال جلسة إلكترونية عن بُعد، رغم مطالبة دفاعه بإخلاء سبيله باعتباره حدثاً، ثم جرى تجديد حبسه مرة أخرى في 5 يوليو، قبل أن يصدر قرار جديد في 19 يوليو.
وتقول المنظمة إن جلسة 19 يوليو انعقدت عن بُعد، بينما كان الطفل محتجزاً في قسم شرطة الإسماعيلية ثالث، ولم تستغرق سوى دقائق، مع إغلاق دائرة الصوت ومنعه من التحدث مع محاميه قبل صدور قرار التجديد.
أسابيع بلا إجابة
الجانب الأكثر إثارة للقلق في حالة رضا، وفق الرواية الحقوقية، يتعلق بالفترة الممتدة بين القبض عليه وظهوره أمام النيابة، إذ تقول «هيومن رايتس إيجيبت» إن الطفل ظل مختفياً لأسابيع، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مكان احتجازه وظروفه خلال تلك الفترة.
وتطالب المنظمة بالإفراج عنه، وتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه، وفتح تحقيق مستقل في ملابسات اختفائه وظروف احتجازه، إلى جانب وقف الحبس الاحتياطي المطول للأطفال.
وتستند المطالب الحقوقية إلى أن اتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها مصر، تقر بأن احتجاز الطفل يجب أن يكون إجراءً استثنائياً، وألا يستخدم إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة ممكنة.
محمد خالد.. طفل آخر في دائرة الاحتجاز
ولا تبدو حالة رضا معزولة في السجل الذي أوردته المنظمات الحقوقية، ففي مارس 2025، قالت «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» إن قوة أمنية اقتحمت منزل جدة الطفل محمد خالد جمعة عبد العزيز، البالغ من العمر 15 عاماً، واقتادته إلى مكان غير معلوم.
وبحسب الشبكة، كان محمد تلميذاً في الصف الثالث الإعدادي، وقد تعرض للاختفاء القسري منذ 16 فبراير 2025، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة في 11 مارس، أي بعد نحو 24 يوماً. وقالت الشبكة إن قوة قوامها نحو عشرة أفراد، بعضهم ملثمون ومسلحون، نفذت المداهمة، كما تحدثت عن الاستيلاء على هواتف وأجهزة كمبيوتر من المنزل.
وتكتسب واقعة محمد بعداً إنسانياً إضافياً، بحسب الرواية الحقوقية، إذ كان الطفل قد فقد والده قبل اعتقاله بنحو ثلاثة أشهر، بينما ظلت أسرته خلال فترة اختفائه تحاول معرفة مكانه من خلال قسم الشرطة ومخاطبة النائب العام.
من الحبس إلى التعذيب
لا يقتصر ملف الأطفال المحتجزين، وفق ما أوردته منظمات حقوقية على الحبس أو الاختفاء، وإنما يتضمن أيضاً ادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة.
ففي تقرير نشرته مؤسسة «بلادي جزيرة الإنسانية» عام 2020، وثقت المؤسسة، بحسب ما ورد في المادة، حالات قالت إنها طالت 20 طفلاً محتجزاً في محافظات مختلفة، بينهم أطفال في القاهرة والإسكندرية ودمياط والجيزة والإسماعيلية والمنصورة وشمال سيناء والقليوبية والشرقية.
ومن بين الحالات التي أوردتها المؤسسة حالة الطفل عبد الله بومدين، الذي كان يبلغ 12 عاماً، وقالت إنه تعرض للاختفاء لمدة ستة أشهر، وللتعذيب بالصعق الكهربائي والايهام بالغرق، قبل وضعه في الحبس الانفرادي لنحو 100 يوم. وتقول المؤسسة إن احتجازه ارتبط، بحسب روايتها، بانضمام شقيقه الأكبر إلى جماعة مسلحة في شمال سيناء.
أحكام قضائية أثارت صدمة
ومن أكثر الوقائع إثارة للجدل في ملف الأطفال في مصر قضية الطفل أحمد منصور قرني، الذي قالت تقارير حقوقية إنه كان يبلغ نحو ثلاث سنوات وقت صدور حكم قضائي بحقه عام 2016.
وأشارت التقارير إلى أن محكمة عسكرية أصدرت حكماً بالسجن المؤبد بحقه ضمن قضية ضمت أكثر من مئة متهم، رغم تقديم شهادة ميلاده التي تثبت عدم بلوغه السن التي تسمح بمسئوليته الجنائية عن الوقائع المنسوبة إليه.
وأثارت القضية في حينها انتقادات واسعة، بعدما اتضح أن الطفل لم يكن قد بلغ الرابعة عند صدور الحكم، وأن الوقائع المنسوبة إليه تعود إلى فترة كان فيها في الثانية من عمره تقريباً.
وتكشف هذه الواقعة، بصرف النظر عن مسارها القضائي اللاحق، عن حجم الإشكالات التي يمكن أن تنتج عندما تتعامل الإجراءات الأمنية والقضائية مع الأطفال بمنطق الإجراءات المطبقة على البالغين.
كريم حميدة.. الاعتراف تحت التعذيب
وفي واقعة أخرى، أصدرت «هيومن رايتس ووتش» تقريراً عام 2020 حول الطفل كريم حميدة، الذي قالت المنظمة إنه كان في السابعة عشرة من عمره عندما نسبت إليه السلطات جرائم مرتبطة باحتجاجات.
ووفق المنظمة، احتُجز كريم سراً لأكثر من شهر، ولم تكن أسرته تعرف مكانه، وقالت إنه تعرض للتعذيب حتى أدلى باعترافات.
وأشارت المنظمة إلى أن محكمة أصدرت بحقه حكماً أولياً بالإعدام في 2019، قبل أن تُلغى العقوبة لاحقاً ويُحكم عليه بالسجن عشر سنوات.
وتطرح هذه القضية سؤالاً بالغ الأهمية حول قيمة الاعترافات التي تُنتزع من الأطفال في ظروف احتجاز لا تتوافر فيها الضمانات القانونية الكافية.
أرقام تاريخية تكشف اتساع الظاهرة
يرجع توثيق الانتهاكات بحق الأطفال إلى السنوات الأولى التي أعقبت انقلاب الثالث يوليو 2013. ففي تقرير نشره «المرصد المصري للحقوق والحريات» عام 2014، تحدثت المنظمة عن اعتقال وتعذيب وقتل أطفال، وقدمت أرقاماً قالت إنها ترصد الانتهاكات خلال الفترة التي أعقبت تلك الأحداث.
كما أشار فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، في تقرير صدر عام 2015، إلى أن أكثر من 3200 طفل تحت سن 18 عاماً تعرضوا للاعتقال منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 وحتى نهاية مايو 2015، وفق الأرقام الواردة في تقرير الفريق الاممي.
وتحدث التقرير الأممي، عن احتجاز أطفال في أماكن غير مخصصة لهم، إلى جانب اتهامات بالتعذيب والضرب والاختفاء القسري والاعتداءات الجنسية.
ماذا يقول القانون؟
يفرض القانون الدولي، وكذلك التشريعات المصرية، معاملة خاصة للأطفال في مواجهة الإجراءات الجنائية، انطلاقاً من اختلاف وضع الطفل واحتياجاته النفسية والاجتماعية عن البالغ.
وتنص اتفاقية حقوق الطفل على أن يكون احتجاز الأطفال استثنائياً ولأقصر مدة ممكنة، مع توفير ضمانات تحميهم من سوء المعاملة وتضمن حقهم في التواصل مع أسرهم والحصول على المساعدة القانونية. كما ترتبط مصر بالتزامات دولية أخرى في مجال حقوق الطفل، بينها الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل.
ومن هنا، فإن الاتهامات المتعلقة بإخفاء الأطفال قسراً، أو تعريضهم للتعذيب، أو حرمانهم من الاتصال بمحاميهم وأسرهم، لا تُمثل مجرد مخالفات إجرائية، وإنما تثير أسئلة بشأن مدى التزام السلطات الانقلاب بالتزاماتها القانونية والدولية.
لماذا يُحتجز الأطفال؟
يقدم حقوقيون تفسيراً أوسع للظاهرة، معتبرين أن التعامل الأمني مع الأطفال يأتي في سياق أوسع من التضييق على المعارضة والاحتجاج السياسي.
ويرى الباحث الحقوقي مصطفى عز الدين فؤاد، وفق التصريحات الواردة في التقرير، أن التعامل مع الأطفال بهذه الطريقة لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد أخطاء فردية أو تجاوزات منفصلة، وإنما يرتبط بما يصفه بغياب سيادة القانون وتحول بعض مؤسسات العدالة والأمن إلى أدوات للترهيب.
ويحذر فؤاد من أن آثار احتجاز الطفل لا تتوقف عنده، وإنما تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، إذ تنتج عنها حالة من الخوف والصدمة وفقدان الثقة في المؤسسات.
تكشف الحالات التي أوردتها المنظمات الحقوقية عن نمط متكرر: طفل يُقتاد من منزله، أسرة تبحث عنه، أسابيع تمر دون معلومات، ثم ظهور أمام نيابة أمن الدولة، يتبعه حبس احتياطي وتجديدات متتالية.
وفي كل مرحلة، يصبح السؤال أكبر من القضية الفردية: هل يُعامل الطفل باعتباره طفلاً يحتاج إلى الحماية والرعاية، أم باعتباره متهماً أمنياً يخضع للمنظومة ذاتها التي تطبق على البالغين؟
وفي حالة رضا محمد ميرغني، كما في حالات أخرى سبقته، تعيد الوقائع طرح هذا السؤال بقوة، خصوصاً مع استمرار الحبس الاحتياطي وغياب الإجابات الكاملة بشأن فترة الاختفاء وظروف الاحتجاز.
فالخلاف حول الاتهامات المنسوبة إلى أي طفل لا يلغي حقه في ضمانات المحاكمة العادلة، ولا يبرر حرمانه من التواصل مع أسرته ومحاميه، ولا يجعل حماية حقوقه أمراً ثانوياً.
وفي النهاية، فإن مكان الطفل يُفترض أن يكون في أسرته ومدرسته، ليس خلف أبواب الزنازين، وأن اختبار احترام دولة القانون لا يبدأ فقط عندما يكون المتهم بالغاً وقادراً على الدفاع عن نفسه، بل يظهر بصورة أوضح عندما يكون المتهم طفلاً لا يملك الأدوات ولا القدرة التي تمكنه من حماية حقوقه.