في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الرسمية إلى التوسع في التشجير والحفاظ على المساحات الخضراء، تطرح وقائع رصدتها مصادر وتقارير صحفية أسئلة حول مصير الأشجار التي يجري قطعها، والقيمة الاقتصادية التي تتحول إليها بعد الإزالة، إلى جانب المخاوف التي يثيرها سكان بعض المدن الجديدة بشأن تغيير استخدام الحدائق العامة وتحويلها إلى مشروعات استثمارية.
مزادات حكومية لبيع الأشجار بالأطنان
بحسب تحقيق نشره صحيح مصر @SaheehMasr، كان مقررًا في 21 مايو 2026، عند الثانية عشرة ظهرًا، عقد مزايدة علنية لبيع أشجار الكافور التابعة للإدارة العامة لري الغربية، مع تحديد 8 آلاف جنيه كتأمين ابتدائي لدخول المزايدة، وشمل الطرح أشجار كافور قائمة على الجسر المشترك للترعة القاصد والجنابية الأولى والثانية بمحافظة الغربية، على أن يتم قطعها وبيعها بالطن.
وأشار التحقيق إلى أن هذا الطرح لم يكن حالة منفردة؛ ففي يوليو 2025 طرحت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، من خلال الإدارة المركزية للشؤون المالية والتشجير والبيئة، مزايدات علنية لبيع أشجار ومخلفاتها بالطن في ثلاث محافظات، شملت غابات الحبيل بالأقصر، وسرابيوم بالإسماعيلية، وأولاد عزاز بسوهاج.
ويرى صحيح مصر أن الصياغة الإدارية لهذه المزايدات تخفي وراءها سلسلة اقتصادية تبدأ من الشجرة وهي قائمة، ثم تنتقل إلى الأخشاب بعد قطعها، ومنها إلى تجار الأخشاب ومصانع الفحم وبعض الصناعات، وصولًا إلى الأسواق الخارجية.
البدرشين في الجيزة.. محطة في رحلة الأخشاب
وفي مركز البدرشين بمحافظة الجيزة، تتبع التحقيق إحدى حلقات هذه الرحلة، حيث رصد جذوع أشجار داخل مخازن تاجر يعمل في تجارة الأخشاب والفحم النباتي.
ووفقًا للتحقيق، تحدث التاجر، باسم مستعار "عمرو عيد"، عن شراء أخشاب من مزايدات حكومية، موضحًا أن الجزء الأكبر منها يستخدم في إنتاج الفحم النباتي، بينما يذهب جزء آخر إلى مصانع السيراميك.
وقال التاجر، "إنه يعمل في شراء أخشاب الأشجار منذ عام 2018، وإنه يمتلك مصنعًا وشركة تعمل في المنتجات الخشبية والفحم، كما سبق له العمل لمدة ثلاث سنوات كتاجر شراء معتمد لدى هيئة الطرق والكباري، خلال الفترة من 2023 إلى 2025."
ونقل التحقيق عنه أن إزالة الأشجار قد ترتبط، بحسب ما عرفه من مسؤولين تعامل معهم، بثلاثة أسباب رئيسية؛ إنشاء الطرق أو تطويرها، وأعمال تبطين الترع التي تتطلب إخلاء مساحات لحركة المعدات، إلى جانب إزالة الأشجار التي يتجاوز عمرها 70 عامًا بدعوى الخوف من سقوطها على الأشخاص أو السيارات.
من الكافور والمانجو إلى مصانع السيراميك
وبحسب شهادة التاجر، اشترى في عام 2019 نحو 10 أطنان من الأشجار في طريق شرق العوينات، كان معظمها من الكافور وقليل منها من المانجو. وتراوح سعر طن الكافور وقتها بين 1800 و2000 جنيه، بينما تراوح سعر طن المانجو بين 2000 و3000 جنيه.
واستخدم جزء من الأخشاب، وفق روايته، في إنتاج الفحم والحطب، خصوصًا خشب الكافور، بينما ذهب جزء آخر إلى مصانع البلاط لاستخدامه في تصنيع الإنترلوك و"بِلتات" السيراميك.
وفي عام 2021، قال التاجر "إنه اشترى من مصلحة الري أشجار كافور وبرتقال في محافظتي المنوفية والشرقية ضمن أعمال مرتبطة بتبطين الترع، مشيرًا إلى أن سعر طن خشب البرتقال وصل إلى نحو 2500 جنيه، وأن بعضه كان يستخدم في تصنيع منتجات خشبية صغيرة مثل المعالق والأطباق".
وأكد، بحسب التحقيق، أن عائد بيع الأخشاب يعود إلى الجهة الحكومية صاحبة المزايدة، سواء كانت هيئة الطرق والكباري أو وزارة الري أو المحليات.
"الشراء على الواقف".. الأشجار تباع قبل دخول المزاد
ورصد متابعون مسارًا آخر داخل سوق الأخشاب، من خلال شهادة تاجر آخر، استخدم التحقيق اسمًا مستعارًا له هو "محمد خميس"، وهو صاحب مصنع للمنتجات الخشبية في باسوس بمحافظة القليوبية.
وقال خميس: "إن أسعار الأشجار لا تحددها قائمة موحدة، وإنما تختلف بحسب نوع الخشب وجودته ومكان وجود الشجرة وطريقة البيع. وأشار إلى أن بعض الأشجار التي أزيلت من مناطق مثل الدقي والعجوزة والمهندسين، وبينها السرسوع والبونسيانا، قد يتراوح سعر الطن منها بين 3 آلاف و4 آلاف جنيه، بينما يصل سعر طن الفيكاس إلى نحو ألفي جنيه".
ونقل التحقيق عنه أيضًا الحديث عن أسلوب يعرف داخل السوق باسم "الشراء على الواقف"، حيث يتلقى التاجر معلومات مسبقة عن عمليات إزالة الأشجار، ويتوجه إلى موقعها لشرائها وتحميلها مباشرة.
وبحسب روايته، قد تكون هذه الطريقة أعلى سعرًا من شراء الأخشاب بعد نقلها إلى مخازن الجهات الحكومية، لأن المشتري يتولى التحميل والنقل مباشرة.
من المزاد إلى مكامير الفحم
وتابع صحيح مصر رحلة الأخشاب بعد وصولها إلى التجار، لينتقل التحقيق إلى منطقة أبيس بمحافظة الإسكندرية، حيث تعمل مكامير الفحم.
وقال أشرف الفحام، مالك مكامير فحم، للتحقيق: "إنه لا يشتري أي نوع من الأخشاب، وإنما يختار الأنواع التي تصلح لإنتاج الفحم، مشيرًا بصورة خاصة إلى الكازورينا التي قال إن الفحم المنتج منها مطلوب في التصدير".
وبحسب الأرقام التي نقلها صحيح مصر عن الفحام، يبلغ سعر طن الفحم النباتي الدارج نحو 22 ألف جنيه، بينما يتراوح الفحم التجاري بين 7 آلاف و9 آلاف جنيه، ويمكن أن يصل سعر فحم الشواء إلى 23 ألف جنيه.
وتشير المعلومات التي أوردها التحقيق إلى أن الكازورينا ذات استخدامات اقتصادية وبيئية متعددة، إذ تستخدم أخشابها وقودًا وينتج عنها الفحم النباتي، كما تزرع على الطرق وجوانب القنوات والمصارف والمجاري المائية.
صادرات الفحم تتجاوز 16 مليون دولار
وبحسب تحقيق أفاد موظف خدمة العملاء في شركة تصدير للفحم، تواصل معها التحقيق، بأن سعر طن الفحم المخصص للتصدير من البرتقال والمانجو يبلغ نحو 500 دولار، بينما يصل طن الكازورينا إلى نحو 450 دولارًا.
وقال الموظف: "إن الشركة تصدر إلى دول من بينها تركيا واليونان وقبرص والسعودية، إضافة إلى الضفة الغربية في فلسطين، بحسب إفادته".
وتظهر بيانات البنك الدولي، المستندة إلى بيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة UN Comtrade، نمو قيمة صادرات مصر من الفحم الخشبي، إذ ارتفعت من نحو 7.8 مليون دولار في 2022 إلى 11.6 مليون دولار في 2023، ثم إلى 16.36 مليون دولار في 2024، بما يزيد على ضعف قيمتها في 2022.
كما بلغت صادرات مصر من المشغولات الخشبية في 2024 نحو 6.63 مليون دولار، بكمية بلغت 1.73 مليون كيلوجرام، وكانت السودان وليبيا والعراق ولبنان من أبرز الأسواق المستقبلة، وفق البيانات التي أوردها التحقيق.
مخاوف أخرى.. هل تتحول الحدائق إلى مشروعات استثمارية؟
وبعيدًا عن الأشجار التي تدخل سوق الأخشاب بعد قطعها، تبرز قضية أخرى تتعلق بمصير الحدائق العامة، وهذه المرة في مدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة.
وتتداول مخاوف بين سكان المنطقة المحيطة بما يعرف بالممشى السياحي خلف مول العرب بشأن مشروع يُقال إنه يستهدف تحويل الحديقة العامة إلى مشروع استثماري يضم فنادق وكافيتريات، مع إدراج كلمة "حدائق" ضمن توصيف المشروع.
وبحسب الرواية المتداولة من سكان المنطقة، بدأت أعمال حفر وتجهيز للبنية الأساسية، بينما كان الرد على استفسارات الأهالي في جهاز مدينة 6 أكتوبر أن الأعمال مرتبطة بتحسين شبكة الصرف الصحي، وأن الحديقة لن تتعرض للإزالة، ثم ظهرت، بحسب الرواية، مخاطبات أثارت مخاوف من أن تكون الأعمال تمهيدًا لإقامة مشروع استثماري على مساحة الحديقة.
وتقع الحديقة في منطقة محاطة بمجمعات سكنية من أحد الجانبين، وبالشارع الرئيسي خلف مول العرب من الجانب الآخر، وهو ما يجعلها، بالنسبة للسكان، مساحة مفتوحة للتنزه والجلوس وممارسة الرياضة وركوب الدراجات، وخصوصًا للأسر التي لا تستطيع تحمل تكلفة الأندية الخاصة أو أماكن الترفيه مرتفعة الأسعار.
التخطيط العمراني في مواجهة الاستثمار
تطرح واقعة الحديقة سؤالًا مختلفًا عن سؤال سوق الأخشاب: ماذا يحدث عندما تنتقل مساحة خضراء مخصصة لخدمة السكان إلى استخدام استثماري؟
فبالنسبة للسكان، لا تمثل الحديقة مجرد قطعة أرض خالية، وإنما جزءًا من التخطيط العمراني للمنطقة ومتنفسًا عامًا مفتوحًا، ومن ثم فإن تغيير وظيفتها قد ينعكس على الكثافات المرورية والعمرانية، خصوصًا إذا أقيمت عليها أنشطة مثل الفنادق والكافيتريات في نطاق تحيط به تجمعات سكنية.
كما يطرح الأمر سؤالًا عن العائد الاقتصادي المتوقع من المشروع مقارنة بالقيمة الاجتماعية والبيئية للمساحة العامة، وعن مدى مشاركة السكان في القرارات التي تغير طبيعة المنطقة المحيطة بمساكنهم.
بين التشجير وقطع الأشجار.. من يحدد الأولويات؟
تكشف الوقائع التي رصدها إلى جانب المخاوف المثارة بشأن حديقة الشيخ زايد، عن مفارقة تتعلق بإدارة المساحات الخضراء في المدن المصرية، فمن ناحية، هناك توجه معلن نحو زيادة التشجير والحفاظ على الأشجار، ومن ناحية أخرى توجد حالات لإزالة أشجار وطرح أخشابها في مزادات تدخل بعدها في دورة تجارية تمتد من تجار الأخشاب إلى مصانع الفحم والأسواق الخارجية.
ولا يعني ذلك أن كل إزالة للأشجار تمثل مخالفة أو أن جميع عمليات القطع تتم للغرض نفسه؛ فهناك عمليات قد ترتبط بسلامة المواطنين أو تنفيذ مشروعات بنية أساسية أو تطوير طرق وترع، لكن تعدد مسارات بيع الأخشاب وقيمتها الاقتصادية يطرح أهمية الكشف عن مبررات الإزالة، وكميات الأخشاب الناتجة عنها، وأسعار بيعها، والجهات التي تحصل على عوائدها، ومصير الأشجار بعد خروجها من مواقعها.
وفي حالة الحدائق العامة، يصبح السؤال أوسع: هل يتم الحفاظ على المساحات الخضراء باعتبارها جزءًا من البنية الأساسية للمدينة وحقًا عامًا للسكان، أم يمكن تغيير وظيفتها متى ظهرت فرصة استثمارية؟
وفي النهاية، فإن رحلة الشجرة لا تنتهي بالقطع؛ فقد تتحول إلى أخشاب، ثم إلى فحم، ثم إلى سلعة تصدر بمئات الدولارات للطن، وفي المقابل، فإن إزالة حديقة كاملة لا تعني فقدان الأشجار فقط، وإنما قد تعني أيضًا فقدان مساحة عامة كانت تؤدي وظيفة اجتماعية وبيئية وعمرانية للسكان.