ديون النقل تقترب من 18 مليار دولار.. وقف الاقتراض يفتح ملف مشروعات كامل الوزير وشبهات الفساد

- ‎فيتقارير

تتجه حكومة الانقلاب إلى تشديد قبضتها على الاقتراض الخارجي المخصص لمشروعات وزارة النقل، في خطوة تأتي بعدما قفزت التزامات القطاع إلى مستويات قياسية، وسط ضغوط متزايدة للحد من الديون الخارجية، وفي الوقت نفسه تصاعدت تساؤلات حول جدوى عدد من المشروعات التي نفذتها الوزارة خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت عوائدها تتناسب مع تكلفتها الباهظة.
وبحسب مصدر حكومي نقلت عنه نشرة "إنتربرايز"، تعتزم الحكومة وقف أي اقتراض خارجي جديد لتمويل مشروعات وزارة النقل ما لم يحصل على موافقة "لجنة الدين العام" بمجلس الوزراء، مع إنهاء قدرة وزير النقل كامل الوزير على التفاوض بصورة مباشرة مع جهات التمويل الأجنبية.
ويأتي القرار في ظل ارتفاع قروض مشروعات الوزارة إلى نحو 14 مليار دولار، مقارنة بنحو 12.5 مليار دولار في العام السابق، فيما تشير تقديرات داخل الوزارة إلى إمكانية وصولها إلى 18 مليار دولار، بعدما كانت الوزارة تجري مفاوضات منفردة مع جهات التمويل للحصول على قروض جديدة، وهو ما ساهم في تراكم الالتزامات على القطاع.

 

ديون متصاعدة وتحذيرات دولية 

ولا ينفصل تشديد الرقابة على اقتراض وزارة النقل عن الضغوط الأوسع التي تواجهها الحكومة المصرية بسبب ارتفاع الدين الخارجي وتكلفة خدمته.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من المخاطر المرتبطة بالكيانات والمشروعات خارج الموازنة العامة، داعيًا إلى تشديد الرقابة عليها، في وقت بلغت فيه الديون المضمونة سياديًا نحو 5.4 تريليون جنيه حتى يونيو 2025.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى القرار الحكومي باعتباره محاولة لإخضاع مشروعات النقل لمراجعة أكبر قبل التوسع في الاقتراض، خصوصًا مع اعتماد عدد كبير من المشروعات على التمويل الأجنبي والضمانات الحكومية.
لكن توقيت القرار يثير تساؤلات أخرى، خاصة مع تداول خلال الفترة الأخيرة تسريبات تتضمن اتهامات بالفساد المالي والإداري داخل وزارة النقل، طالت الوزير كامل الوزير وعددًا من مساعديه ومستشاريه ونجله عبد الهادي الوزير.

 

تسريبات واتهامات بالفساد 

وخلال الشهر الماضي، نشر الناشط المصري المعارض والباحث في الصناعات الدفاعية مؤمن أشرف مستندات قال إنها تتضمن وقائع فساد مالي وإداري وتربح من مشروعات وإسناد أعمال بالمخالفة للقانون، مقابل عمولات وترتيبات غير قانونية.

وتضمنت التسريبات، بحسب ما نشره أشرف، أسماء مرتبطة بفريق وزير النقل، من بينهم نجله وعدد من مساعديه ومستشاريه.
ولا تعني هذه التسريبات، في حد ذاتها، ثبوت الاتهامات، إلا أنها أعادت فتح ملف الرقابة على عقود الوزارة وطريقة إسناد المشروعات، بالتزامن مع القرار الحكومي الذي يقيد قدرة الوزير على التفاوض المباشر بشأن قروض جديدة.

 

خبير: الاقتراض وصل إلى مرحلة حرجة 

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف أن وقف الاقتراض الخارجي يمثل، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية، في ظل وصول الدين إلى مستويات حرجة، وغياب نمو كافٍ في الموارد الدولارية القادرة على تغطية الالتزامات الجديدة.
وقال يوسف إن الأولوية ينبغي أن تكون للاقتراض الموجه إلى مشروعات إنتاجية قادرة على توليد موارد حقيقية، وليس إلى مشروعات لا تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا.
وانتقد ما وصفه بالتوسع في مشروعات النقل المرتبطة بالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، معتبرًا أن بعض هذه المشروعات يمثل، من وجهة نظره، هدرًا للموارد وإضافة إلى أعباء الدين بدلًا من دعم القطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن خدمة الدين تستنزف نسبة كبيرة من موارد الموازنة، بما يضغط على الإنفاق المخصص للدعم والأجور والتنمية، في وقت تتحمل فيه الدولة فوائد وأقساط ديون اقترضت لتمويل مشروعات طرق وكباري ووسائل نقل لم تحقق، بحسب تقييمه، العوائد المنتظرة.

 

من مشروعات النقل إلى فاتورة المواطن 

وتتزايد حدة الجدل مع ارتفاع أسعار خدمات النقل خلال السنوات الأخيرة، إذ تحمل المواطن جانبًا من فاتورة التشغيل والتطوير وسداد الديون، وفق منتقدين لسياسات الوزارة.
وبدأت تذكرة مترو الأنفاق في عهد السيسي بسعر موحد بلغ جنيهًا واحدًا، قبل أن ترتفع تدريجيًا إلى 20 جنيهًا حاليًا، بالتزامن مع زيادات متكررة في أسعار تذاكر القطارات.
كما ارتفعت أسعار تذاكر القطارات المختلفة، لتصل تذاكر قطارات "تالجو" المكيفة إلى مستويات تتراوح بين 500 و700 جنيه، بينما تراوحت أسعار بعض القطارات الروسية والفرنساوي بين 190 و390 جنيهًا، وشهد عام 2024 وحده زيادتين في مارس ويوليو.
وتبرر الوزارة هذه الزيادات عادة بارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة وتطوير الخدمة وسداد الالتزامات، وهو ما يضع المواطن أمام معادلة صعبة: ارتفاع سعر الخدمة من جهة، واستمرار الاقتراض والديون من جهة أخرى.

 

قروض بالمليارات.. ومخاوف بشأن العائد 

ويعزز الجدل حول جدوى الإنفاق ما أورده البنك الدولي بشأن قرض مخصص لتطوير السكك الحديدية المصرية بقيمة 421 مليون دولار.
فبعد مرور خمس سنوات على بدء المشروع، لم تنخفض، وفق البيانات المشار إليها، معدلات الوفيات والإصابات الخطيرة المرتبطة بالسكك الحديدية، إذ ظلت عند مستوى 0.56 وفاة وإصابة خطيرة لكل مليار راكب/كيلومتر حتى نهاية عام 2025، وهو المستوى نفسه تقريبًا المسجل قبل بدء المشروع.
كما صُنفت مخاطر الإدارة المالية والائتمانية المرتبطة بقروض مشروعات السكك الحديدية في مصر عند مستوى "مرتفع"، بما يعكس حجم المخاوف المتعلقة بإدارة التمويل وقدرة القطاع على الوفاء بالتزاماته.

 

2 تريليون جنيه على مشروعات النقل 

وتكشف أرقام وزارة النقل عن حجم هائل من الإنفاق خلال السنوات الماضية. فوفق بيان للوزارة في يوليو الماضي، تجاوزت التكلفة الإجمالية لمشروعات الطرق والكباري والسكك الحديدية والأنفاق والجر الكهربائي والموانئ والمناطق اللوجستية والنقل النهري خلال الفترة من 2014 إلى 2026 نحو تريليوني جنيه.
لكن الرقم يختلف عن تصريحات سابقة للسيسي، الذي قال في مارس 2022 إن مشروعات النقل نُفذت بتكلفة بلغت 2.6 تريليون جنيه، وهو اختلاف يفتح بدوره باب التساؤلات حول آليات احتساب تكلفة المشروعات والأرقام الرسمية المعلنة عنها.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أهمية تطوير شبكة النقل والسكك الحديدية، خاصة أن مصر تمتلك واحدة من أقدم شبكات السكك الحديدية في المنطقة، وتقول الوزارة إنها تنفذ وتخطط لعشرات المشروعات الخاصة بالجر والإشارات والوحدات المتحركة بتكلفة تصل إلى 142 مليار جنيه.

 

المونوريل والقطار السريع.. مليارات على خطوط الصحراء 

وتبرز من بين المشروعات الكبرى منظومة النقل الكهربائي الحديثة، وعلى رأسها المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف والقطار الكهربائي السريع.
ويبلغ طول القطار الكهربائي الخفيف نحو 100 كيلو متر، فيما تبلغ تكلفته نحو 1.3 مليار دولار، بينما تصل تكلفة خطي المونوريل، شرق وغرب النيل، إلى نحو 2.8 مليار دولار، وترتفع قيمة العقود الإجمالية المتعلقة بالمشروع، بما يشمل التشغيل والصيانة والورش، وفق أرقام الشركات المنفذة، إلى نحو 4.5 مليار دولار.

أما القطار الكهربائي السريع "السخنة–العاصمة الجديدة–العلمين–مطروح"، فيمتد لنحو 660 كيلومترًا، وتبلغ تكلفته المعلنة نحو 23 مليار دولار.
ويتركز جانب كبير من هذه الاستثمارات في ربط المدن الجديدة والمناطق العمرانية الحديثة، وهو ما دفع معارضين وخبراء إلى التساؤل حول الأولويات، ومدى حاجة ملايين المصريين في المحافظات والقرى إلى هذه المشروعات مقارنة بحاجتهم إلى تطوير الطرق المحلية وشبكات النقل التقليدية.

 

المواطن يدفع.. والطرق الداخلية تعاني 

وفي الوقت الذي تنفق فيه مليارات الدولارات على مشروعات نقل حديثة، تشكو محافظات عديدة من تدهور الطرق الداخلية التي تربط المدن والقرى، وهي طرق يعتمد عليها ملايين المواطنين يوميًا.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهد عام 2025 مقتل 5829 شخصًا وإصابة نحو 85 ألفًا في حوادث الطرق، بما يعكس استمرار أزمة السلامة المرورية رغم الإنفاق الضخم على قطاع النقل.
وتزيد هذه الأرقام من الضغوط على الحكومة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصًا أن تطوير الطرق الداخلية وتحسين عوامل السلامة يمثلان احتياجًا مباشرًا للمواطنين في عشرات المحافظات.

 

321.9 مليار جنيه قروض جديدة 

وتشير بيانات نقلتها منصة "متصدقش" إلى أن الهيئات التابعة لوزارة النقل تسعى لاقتراض نحو 321.9 مليار جنيه، منها 170.8 مليار جنيه قروضًا محلية وما يعادل 151.9 مليار جنيه قروضًا خارجية.
كما بلغ حجم التمويلات المحلية والأجنبية للقطاع نحو 317 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2025-2026، بينما بلغ ضخ رءوس الأموال في الهيئة القومية للأنفاق نحو 19.3 مليار جنيه، مقابل نحو 10.5 مليار جنيه للهيئة القومية لسكك حديد مصر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن وقف التفاوض المباشر على قروض جديدة لا يعني توقف احتياجات القطاع التمويلية، وإنما يعني انتقال قرار الاقتراض إلى مستوى رقابي أعلى، في محاولة للسيطرة على التوسع في الاستدانة.

 

نحو مراجعة شاملة للمشروعات 

ويطالب منتقدون بإخضاع مشروعات وزارة النقل لمراجعة شاملة، تبدأ من دراسات الجدوى الاقتصادية ولا تنتهي عند تقييم العقود ومصادر التمويل وتكاليف التشغيل والصيانة.
كما يطالبون بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ووقف المشروعات التي لم تبدأ بعد إذا ثبت ضعف جدواها الاقتصادية، وإعادة جدولة ديون الوزارة، بدلًا من تحميل المواطن بصورة متزايدة تكلفة التشغيل وسداد القروض والفوائد.
ويفتح قرار وقف الاقتراض الخارجي الجديد أمام وزارة النقل ملفًا أكبر من مجرد تنظيم الحصول على قروض؛ فهو يعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى نموذج التنمية القائم على الاقتراض لتمويل مشروعات ضخمة، في وقت تتزايد فيه أعباء الدين، وتتراجع قدرة الموازنة على تمويل الخدمات الأساسية، ويظل المواطن مطالبًا بدفع المزيد مقابل خدمات النقل.
وبين مليارات الدولارات التي أنفقت على المونوريل والقطارات الكهربائية والطرق والكباري، ومليارات أخرى مطلوبة لتمويل مشروعات جديدة، تبدو المعركة الحقيقية أمام الحكومة في كيفية تحويل الإنفاق الضخم إلى عائد اقتصادي واجتماعي ملموس، بدلًا من استمرار دائرة الاقتراض ثم تحميل المواطن فاتورة الدين والتشغيل والتطوير في آن واحد.