اتحادات رياضية تمتلك مقرات وموازنات ومجالس إدارات، وتشرف على منتخبات تمثل مصر في البطولات القارية والعالمية والأولمبية، وتفترض أن تتمثل مهمتها الأساسية في اكتشاف المواهب وصناعة الأبطال وتوفير أفضل بيئة ممكنة للاعبين.
لكن نظرة إلى خريطة رؤساء عدد من الاتحادات الرياضية المصرية تكشف حضورًا لافتًا للرتب العسكرية، من اللواءات إلى العمداء، في مواقع القيادة داخل ألعاب مختلفة، من المصارعة والملاكمة والرماية، مرورًا بتنس الطاولة والهوكي والتجديف، وصولًا إلى الشطرنج وألعاب القوى وغيرها.
ولا تكمن الإشكالية في الخلفية المهنية لرؤساء الاتحادات بحد ذاتها، وإنما في طرح سؤال أوسع حول معايير اختيار القيادات الرياضية، ومدى حضور أبناء الألعاب من لاعبين سابقين ومدربين وخبراء فنيين في مواقع صنع القرار، خصوصًا عندما تتكرر الأزمات داخل بعض الاتحادات التي يتولى رئاستها مسئولون من خلفيات عسكرية.
فمن لاعب يختفي خلال وجوده مع بعثة المنتخب في الخارج، إلى أزمات الاستبعاد من المشاركات الدولية، وخلافات بين نجوم المنتخبات، وصراعات داخل مجالس الإدارات، تبدو بعض الاتحادات منشغلة بأزمات إدارية وتنظيمية تتجاوز أحيانًا حدود المنافسة داخل الملعب.
قائمة طويلة من اللواءات والعمداء
الحضور العسكري في مقاعد رئاسة الاتحادات الرياضية لا يبدو حالة فردية أو استثناءً محدودًا داخل المنظومة. فيرأس اللواء حازم حسني الاتحاد المصري للرماية، واللواء شريف القماطي اتحاد التجديف، واللواء مجدي اللوزي اتحاد الملاكمة، واللواء أشرف فرحات اتحاد الهوكي، واللواء أشرف حلمي اتحاد تنس الطاولة.
وتتكرر الصورة في اتحادات أخرى؛ إذ يرأس اللواء أحمد كامل اتحاد الكانوي والكياك، واللواء محمود بركات اتحاد القوة البدنية ومصارعة الذراعين، واللواء أحمد ناصر اتحاد الترايثلون، واللواء أحمد نصر اتحاد البولينج، واللواء مختار عمارة اتحاد الشطرنج.
كما يتولى العميد سعيد صلاح رئاسة الاتحاد المصري للمصارعة، والعميد حاتم فودة رئاسة اتحاد ألعاب القوى، فيما يرأس اللواء الدكتور عادل فهيم اتحاد كمال الأجسام واللياقة البدنية، واللواء الدكتور مؤنس أبو عوف اتحاد الملاحة الرياضية.
وبمفردها، لا تمثل هذه القائمة دليلًا على وجود خلل، كما لا يمكن تحميل الخلفية العسكرية مسئولية أي أزمة رياضية لمجرد تزامنها مع وجود مسئول عسكري على رأس الاتحاد.
لكن تكرار الظاهرة يطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة معايير اختيار القيادات الرياضية، ومدى اعتمادها على الخبرة الفنية والإدارية المتخصصة في اللعبة، مقابل عوامل أخرى قد لا ترتبط مباشرة بصناعة الأبطال.
ويزداد السؤال أهمية في ظل محدودية حضور لاعبين سابقين ومدربين من أبناء بعض الألعاب في مواقع رئاسة الاتحادات، رغم امتلاكهم خبرات متراكمة من داخل الملعب وغرف التدريب والبطولات.
المصارعة.. أزمات البعثات والهروب
في اتحاد المصارعة، الذي يرأسه العميد سعيد صلاح، عادت قضية اختفاء اللاعبين خلال المشاركات الخارجية إلى الواجهة مع واقعة لاعب منتخب الشباب زياد حجاج، خلال وجود بعثة المنتخب خارج مصر.
فالواقعة لم تتوقف عند غياب لاعب عن مقر إقامته أو عن بعثة المنتخب، وإنما أعادت طرح أسئلة حول آليات إدارة البعثات الرياضية، ومدى قدرة الاتحادات على متابعة اللاعبين وحمايتهم وتنظيم مشاركاتهم الخارجية، خصوصًا في الألعاب التي تعتمد بصورة كبيرة على السفر والمعسكرات الدولية.
وزادت القضية حساسية مع ظهور اسم لاعب المصارعة محمد مصطفى الشامي في أزمة أخرى مرتبطة بمغادرة البعثة، الأمر الذي جعل النقاش يتجاوز حدود الواقعة الفردية إلى التساؤل عن وجود مشكلات أوسع في إدارة المنتخبات والبعثات.
ومع كل واقعة من هذا النوع، يجد الاتحاد نفسه أمام أزمة لا تتعلق فقط باللاعب، وإنما بصورة المنتخب واللعبة والمؤسسة الرياضية أمام الجمهور والجهات الدولية.
الملاكمة.. من قرارات الاختيار إلى صراع الإدارة
وفي اتحاد الملاكمة، الذي يرأسه اللواء مجدي اللوزي، لم تتوقف الخلافات عند اختيار اللاعبين واستبعادهم من البطولات الدولية، وإنما امتدت إلى صراعات داخل الوسط المرتبط باللعبة.
وأثارت مشاركة واستبعاد بعض اللاعبين من البطولات الدولية جدلًا حول معايير اختيار عناصر المنتخب، وما إذا كانت القرارات الفنية تستند إلى قواعد واضحة ومعلنة يمكن للاعبين والأندية فهمها، أم أن مساحة الغموض تفتح الباب أمام الاعتراضات والخلافات.
وبالطبع، يظل المستوى الفني والنتائج والجاهزية الرياضية عوامل أساسية في اختيار المنتخبات، لكن المشكلة تظهر عندما لا تكون آليات الاختيار واضحة بما يكفي، فيتحول القرار الفني إلى أزمة إدارية أو سجال علني.
كما لم تقتصر الخلافات على اللاعبين، إذ تحدث رئيس اتحاد الملاكمة عن وجود ما وصفه بـ"هجمة شرسة" على الاتحاد، واتهم بعض الإداريين المحسوبين على أندية والمشاركين في البطولات بإثارة أزمات بهدف تعطيل عمل الاتحاد وإعداد المنتخب القومي.
وتحدث اللوزي كذلك عن شائعات مرتبطة باستقالات بعض إداريي الأندية، مؤكدًا أن أطرافًا تعقد اجتماعات أو تتحرك خارج إطار الاتحاد لا تملك تأثيرًا على سير العمل.
وهكذا انتقلت الأزمة من سؤال يتعلق باللاعبين والاختيارات الفنية إلى صراع أوسع بين مجلس إدارة الاتحاد وأطراف داخل الوسط الرياضي.
تنس الطاولة.. عندما تنتقل الأزمة إلى المنتخب
في اتحاد تنس الطاولة، الذي يرأس مجلس إدارته اللواء أشرف حلمي، خرج الخلاف من نطاق القرارات الإدارية إلى مواجهة علنية بين لاعبين من نجوم المنتخب.
ووقعت الأزمة خلال مشاركة المنتخب المصري في البطولة الأفريقية لتنس الطاولة التي أقيمت في تونس، بعد مشادة بين اللاعبين عمر عصر ومحمود أشرف حلمي، نجل رئيس الاتحاد، وانتهت بإحالتهما إلى التحقيق.
وأثارت الواقعة اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب أسماء أطرافها، وإنما لأنها حدثت داخل بعثة منتخب وطني خلال مشاركة قارية، وهو ما يجعل أي خلاف بين اللاعبين قابلًا للتحول من مشكلة شخصية إلى أزمة تمس أجواء الفريق وتركيزه واستعداده للمنافسة.
كما أن وجود نجل رئيس الاتحاد طرفًا في الواقعة منحها حساسية إضافية، وجعل إدارة الأزمة مطالبة بدرجة أكبر من الشفافية والحياد، حتى لا تتحول الواقعة إلى مادة جديدة للصراع داخل اللعبة.
الرماية.. الأزمة داخل مجلس الإدارة
أما اتحاد الرماية، الذي يرأسه اللواء حازم حسني، فقد جاءت إحدى أبرز أزماته من داخل مجلس الإدارة نفسه.وارتبطت الخلافات بترشح حسني لمنصب سكرتير اللجنة الأولمبية المصرية وما أثير بشأن طلبه دعم أعضاء مجلس إدارة الاتحاد، وهي أزمة كشفت عن توترات داخل المؤسسة الرياضية ذاتها.
كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة انتقادات مرتبطة بحصيلة اتحاد الرماية خلال السنوات الماضية، خصوصًا فيما يتعلق بالنتائج الأولمبية وعدم تحقيق ميدالية خلال أكثر من دورة، وفقًا للانتقادات التي أثيرت داخل الوسط الرياضي.
وهنا تظهر إشكالية تتجاوز الأشخاص والمناصب: كيف تقاس كفاءة الاتحاد الرياضي؟ هل بالاستقرار الإداري فقط؟ أم بعدد البطولات التي يشارك فيها المنتخب؟ أم بعدد الميداليات؟ أم بقدرته على اكتشاف المواهب وتأهيلها والحفاظ عليها لسنوات طويلة؟
الرتبة لا تصنع بطلًا
تختلف الألعاب وتختلف طبيعة الاتحادات، كما تختلف أسباب الأزمات من مؤسسة إلى أخرى، ولذلك سيكون من التبسيط اعتبار الخلفية العسكرية لرئيس الاتحاد سببًا مباشرًا في أي إخفاق أو أزمة.
لكن في المقابل، فإن اتساع حضور الرتب العسكرية في مجالس رئاسة عدد من الاتحادات يفرض نقاشًا أوسع حول نموذج إدارة الرياضة المصرية، ومعايير اختيار القيادات التي تتحكم في مصير لاعبين ومنتخبات وموازنات وبعثات خارجية.
فالرياضة لا تحتاج فقط إلى إدارة قادرة على فرض الانضباط، وإنما تحتاج أيضًا إلى معرفة فنية عميقة بطبيعة كل لعبة، وإلى كوادر تعرف احتياجات اللاعب منذ مرحلة الناشئين وحتى المنتخب الأول، وإلى منظومة واضحة لاختيار المدربين واللاعبين وإدارة البعثات وحل النزاعات.
وفي النهاية، لا يدفع رئيس الاتحاد وحده ثمن أي أزمة. اللاعب قد يخسر بطولة أو فرصة احتراف، والمنتخب قد يدخل منافسة كبرى وسط أجواء مضطربة، والمدرب قد يفقد السيطرة على غرفة الملابس، والاتحاد نفسه قد يستنزف وقته في صراعات داخلية بدلًا من العمل على اكتشاف المواهب وصناعة الأبطال.
ومن ثم، فإن القضية الحقيقية ليست في كون رئيس الاتحاد لواءً أو عميدًا، وإنما في السؤال الذي يفترض أن يحكم اختيار أي قيادة رياضية: ماذا أضافت للعبة؟ وكم بطلًا صنعت؟ وهل استطاعت حماية اللاعبين وإدارة المنتخبات بعيدًا عن الصراعات والأزمات؟
فالرتبة العسكرية قد تمنح صاحبها خبرة في مجالات مختلفة، لكنها وحدها لا تصنع بطلًا، ولا تضمن نجاح منتخب، ولا تعوض غياب الخبرة المتخصصة في الرياضة.