حصار الخليل يخنق الاقتصاد الفلسطيني.. مصانع معطلة وألبان مهددة بالتلف ومنافذ مغلقة

- ‎فيعربي ودولي

لليوم الخامس على التوالي، تغلق قوات الاحتلال مداخل المدينة وتقيّد حركة سكانها وبضائعها، فيما تتعرض المنشآت الصناعية والتجارية للتدمير وتتكدس الخسائر في قطاعات الألبان والصناعة والتجارة.. آلاف الأسر تواجه التهجير، والاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمن حصار يطال مقومات الحياة والعمل.

لا يقتصر الحصار الإسرائيلي المفروض على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، على إغلاق الطرق ومنع السكان من التنقل، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وصول العمال إلى أماكن عملهم، إلى توريد المواد الخام والوقود، وصولًا إلى قدرة المزارعين والمصانع على مواصلة الإنتاج.

ولليوم الرابع على التوالي، تعيش المدينة تحت طوق أمني مشدد، ألقى بظلاله على المؤسسات التعليمية والمنشآت الاقتصادية وحركة الأسواق، في وقت تتواصل فيه المداهمات والاقتحامات وعمليات الهدم والتهجير، بما يفاقم الأعباء الإنسانية والاقتصادية على السكان.

وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي لمحافظة الخليل، التي تُعد من أبرز مراكز الإنتاج والتجارة والصناعة الفلسطينية، وتضم آلاف المنشآت العاملة في قطاعات متعددة، من الصناعات التحويلية والألبان والأعلاف، إلى الحجر والرخام والحديد والذهب.

وبينما تتحدث المعطيات الفلسطينية عن خسائر يومية بمئات آلاف الدولارات في بعض القطاعات، يواجه السكان أزمة تتجاوز تعطل النشاط الاقتصادي إلى تهديد مصادر رزقهم واستقرارهم الاجتماعي، وسط تساؤلات بشأن المدى الذي يمكن أن تبلغه تداعيات الحصار على اقتصاد الضفة الغربية بأكمله.

 

الخليل.. شريان اقتصادي تحت الإغلاق

تشير بيانات هيئة تشجيع الاستثمار الفلسطينية الواردة في المادة إلى وجود نحو 23 ألفًا و700 منشأة اقتصادية في محافظة الخليل حتى منتصف عام 2025، من بينها قرابة 12 ألفًا و400 منشأة تعمل في تجارة الجملة والمفرق وإصلاح المركبات، ونحو 3500 منشأة في قطاع الصناعات التحويلية.

وتضم المحافظة عددًا من أكبر المصانع الفلسطينية في مجالات الألبان والأعلاف والحديد والحجر والرخام والورق، فضلًا عن استحواذها، بحسب بيانات وزارة الاقتصاد الفلسطينية، على نحو 70% من مصانع ومشاغل الذهب المتداول في السوق الفلسطينية.

ويعني هذا التركّز أن إغلاق مداخل المدينة لا ينعكس على سكانها وحدهم، بل يمتد إلى الموردين والموزعين والأسواق في محافظات أخرى تعتمد على منتجاتها.

وتزداد خطورة الوضع مع القيود المفروضة على الطرق الرئيسية، التي تمثل منافذ حيوية لنقل البضائع والوقود والمواد الخام، وتربط المصانع بمصادر التوريد والأسواق المحلية.

فحين تتوقف حركة الشاحنات أو تتعذر على العمال الوصول إلى مواقع الإنتاج، لا تتعطل عملية النقل فحسب، بل تتأثر حلقات متتابعة من النشاط الاقتصادي، من المزارع والمصانع إلى المحال التجارية والمستهلكين.

 

قطاع الألبان.. خسائر يومية بمليون شيكل

يبرز قطاع الألبان ومزارع الأبقار بين أكثر القطاعات تضررًا من الإغلاق، بعدما بات المزارعون يواجهون صعوبات في نقل الحليب الطازج إلى المصانع، في وقت تحتاج فيه هذه المنتجات إلى توريد سريع ومنتظم لتجنب تلفها.

وقال رئيس مجلس الحليب الفلسطيني، كامل مجاهد، إن مزارع الضفة الغربية تنتج كميات تكفي مصانعها، مشيرًا إلى أن محافظة الخليل تضم الحصة الأكبر من بين نحو 35 ألف رأس من أبقار الحليب في الضفة الغربية، إلى جانب وجود كبرى مصانع الألبان الفلسطينية فيها.

وأوضح مجاهد أن مزارع الأبقار توفر نحو 2400 فرصة عمل مباشرة، فضلًا عن أربعة آلاف فرصة عمل غير مباشرة، ما يجعل تعطل هذا القطاع تهديدًا مباشرًا لمصادر رزق آلاف الأسر.

وأشار إلى أن الإغلاق أضر بسلاسل التوريد، بما يشمل نقل الحليب والأعلاف والمياه، لافتًا إلى أن اعتماد عدد من المزارع على صهاريج المياه المنقولة جعل استمرار الإمدادات أكثر صعوبة مع القيود المفروضة على الحركة.

وقدّر مجاهد الخسائر اليومية التي يتكبدها المزارعون بنحو مليون شيكل، أي ما يعادل نحو 330 ألف دولار، نتيجة تعذر إيصال الحليب إلى المصانع.

ولا تتوقف آثار هذه الخسائر عند أصحاب المزارع؛ فتعطل التوريد يهدد العمال ومصانع التصنيع والتوزيع، كما يعرّض المنتجات للتلف ويزيد الضغوط على منشآت تعمل ضمن سلسلة إنتاج مترابطة يصعب تعويض توقفها سريعًا.

 

المصانع تعمل دون طاقتها.. والعمال عالقون خلف الحواجز

في القطاع الصناعي، تتسع دائرة الأضرار مع تقييد حركة العمال وتعذر وصول بعضهم إلى أماكن عملهم، بالتوازي مع صعوبات تسويق المنتجات ونقلها إلى الأسواق.

وقال عدنان النتشة، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة الخليل، إن الإغلاق وهدم المنازل والمنشآت يندرجان، بحسب وصفه، ضمن سياسة عقاب جماعي تنعكس على اقتصاد الفلسطينيين وأوضاعهم المعيشية.

واستشهد النتشة بحالة أحد مصانع البلاستيك، موضحًا أن القيود المفروضة على الحركة تحول دون وصول عدد من العاملين إليه، فيما تعوق صعوبات التسويق نقل المنتجات إلى الأسواق، الأمر الذي يمنع المصنع من العمل بكامل طاقته الإنتاجية.

وتكشف هذه الصورة عن أثر يتجاوز الخسارة اليومية المباشرة، إذ يمكن أن يؤدي استمرار الإغلاق إلى تراجع الإنتاج والإيرادات، وتعطيل التزامات المصانع تجاه الموردين والعملاء، فضلًا عن تعريض أجور العمال ومصادر دخل أسرهم للخطر.

وأشار النتشة إلى أن أي ضرر يصيب اقتصاد الخليل يمتد إلى محافظات أخرى تعتمد على منتجاتها، بالنظر إلى موقعها بين أهم المراكز الصناعية والتجارية في الأراضي الفلسطينية.

وبذلك، لا يبقى الحصار أزمة محلية محصورة داخل حدود المدينة، بل يتحول إلى عامل ضغط على شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية التي تربط الخليل ببقية الضفة الغربية.

 

ترقوميا وفرش الهوى.. منافذ حيوية تتحول إلى نقاط اختناق

يمثل معبر ترقوميا، غربي الخليل، أحد المنافذ المهمة لحركة البضائع، بما فيها المحروقات والسلع القادمة من الخارج أو من إسرائيل. غير أن القيود المفروضة عليه تسببت في اضطراب حركة الإمدادات، وفق إفادات محلية.

وقال إسماعيل الشريف، مدير العلاقات العامة في غرفة تجارة وصناعة الخليل، إن المعبر شهد شبه توقف للحركة لليوم الرابع على التوالي، مشيرًا إلى نفاد كميات الوقود في بعض محطات المحافظة.

ويهدد تعطل إمدادات الوقود بدوره قطاعات أخرى، من النقل والخدمات إلى المصانع والمحال التجارية، بما يضاعف آثار الإغلاق على الحياة اليومية.

أما منطقة فرش الهوى، عند المدخل الشمالي للمدينة، فقد تعرضت لعمليات هدم طالت منشآت تجارية وصناعية، في سياق الإجراءات الإسرائيلية التي أعقبت عملية إطلاق النار التي وقعت في المنطقة.

وبحسب إفادات محلية، تجاوزت الأضرار موقع الحادثة لتشمل منشآت اقتصادية ومباني سكنية، ما أضاف خسائر جديدة إلى الأعباء التي يتحملها أصحاب الأعمال والسكان.

وأوضح الشريف أن محافظة الخليل تضم عددًا كبيرًا من المنشآت الاقتصادية التي تعتمد على حركة العمال والزبائن والبضائع، مشيرًا إلى أن تدمير أكثر من عشر منشآت تجارية وصناعية كبرى في محيط فرش الهوى ألحق بأصحابها خسائر بملايين الشواكل.

 

هدم المنشآت.. استهداف لمصادر الرزق

في بيان بشأن التطورات في فرش الهوى، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إن رد قوات الاحتلال تجاوز موقع إطلاق النار إلى مساكن ومنشآت اقتصادية وأحياء سكنية فلسطينية.

وأوضحت الهيئة أن عمليات الهدم شملت عمارة سكنية تضم ثلاث شقق، إلى جانب منشآت ومحال تجارية، بينها شركة للبلاط والسيراميك ومتاجر لقطع غيار السيارات، فضلًا عن تجريف وتخريب نحو سبعة دونمات من الأراضي.

وتثير هذه الإجراءات مخاوف بشأن آثارها على السكان الذين لا ترتبط حياتهم اليومية بالحادثة الأمنية، لكنهم يجدون أنفسهم أمام خسارة مساكن أو محال تجارية أو مصادر دخل نتيجة عمليات الهدم والقيود المفروضة على الحركة.

فإغلاق الطريق قد يحرم صاحب متجر من الزبائن، ويمنع العامل من الوصول إلى مصنعه، ويعطل وصول المواد الخام إلى ورشة صغيرة؛ أما هدم المنشأة فيمكن أن يبدد استثمارًا تراكم عبر سنوات، ويترك العاملين وأصحاب الأعمال أمام مستقبل اقتصادي مجهول.

وتقول جهات فلسطينية إن اتساع نطاق الإجراءات من موقع الحادثة إلى مناطق سكنية واقتصادية يحمّل السكان أعباء تتجاوز الملاحقة الأمنية المباشرة، ويمس شروط السكن والعمل والتنقل.

 

آلاف الأسر بين التهجير وتعطّل الحياة

لا تقتصر تداعيات الحصار على الاقتصاد، بل تمتد إلى الأوضاع الإنسانية للسكان، مع استمرار المداهمات والاقتحامات وتقييد الحركة وتهجير عائلات من مناطق مختلفة.

وبحسب الأرقام الواردة عن بلدية الخليل، فقد هجّر جيش الاحتلال مئات الأسر منذ بدء الإجراءات فجر الجمعة، مع تجاوز عدد أفراد الأسر المتضررة ثلاثة آلاف شخص. وتحتاج هذه الأرقام إلى متابعة وتحديث مستمرين في ضوء تطورات الميدان.

ويمثل التهجير ضغطًا إضافيًا على الأسر التي تضطر إلى مغادرة منازلها أو البحث عن أماكن بديلة للإقامة، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتأثر حركة الأسواق والخدمات.

كما يؤدي إغلاق الطرق إلى صعوبات في الوصول إلى المؤسسات التعليمية ومرافق الخدمات، ويزيد كلفة التنقل على من يتمكنون من الحركة عبر طرق بديلة أو نقاط التفاف أطول.

وهكذا تتداخل الأضرار الإنسانية والاقتصادية؛ فالأسرة التي تفقد منزلها أو تضطر إلى مغادرته تواجه في الوقت نفسه احتمال فقدان مصدر دخلها، بينما تجد المنشأة التي يتعطل عملها صعوبة في توفير أجور العاملين أو الوفاء بالتزاماتها.

 

خصوصية الخليل.. حواجز قديمة وحصار جديد

تواجه الخليل أوضاعًا استثنائية منذ سنوات، بالنظر إلى تقسيم المدينة بموجب اتفاق الخليل الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

وبموجب الاتفاق، تخضع أجزاء من المدينة، تشمل البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، فيما أُسندت إدارة بقية المدينة إلى السلطة الفلسطينية. لكن الاجتياحات الإسرائيلية اللاحقة، ولا سيما عام 2002، أعادت فرض السيطرة العسكرية على مناطق واسعة.

وتعاني البلدة القديمة كذلك من قيود مستمرة على النشاط التجاري؛ إذ ظلت مئات المحال مغلقة منذ مجزرة المسجد الإبراهيمي التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين عام 1994، وفق المعطيات الواردة في المادة.

وعلى مستوى الضفة الغربية، تشير البيانات المذكورة إلى وجود مئات الحواجز العسكرية والمادية التي تقطع أوصال المناطق الفلسطينية، مع تركّز عدد كبير منها في محافظة الخليل.

وتؤدي هذه الحواجز إلى إطالة مسافات التنقل ورفع تكاليف النقل وتعقيد حركة العمال والبضائع، فيما يضاعف الحصار الأخير من أثر القيود القائمة أصلًا، ويحولها إلى عائق أشد أمام استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

 

حصار يهدد الاقتصاد الفلسطيني بأكمله

تكشف التطورات في الخليل عن هشاشة النشاط الاقتصادي الفلسطيني أمام إغلاق الطرق والمنافذ وتعطيل سلاسل التوريد، خصوصًا في محافظة تمثل مركزًا مهمًا للإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري.

فخسائر مزارع الألبان، وتعطل المصانع، ونفاد الوقود في بعض المحطات، وتدمير المنشآت التجارية، كلها حلقات مترابطة يمكن أن تتسبب في تراجع النشاط الاقتصادي وتضرر العمال وأصحاب الأعمال والمستهلكين على حد سواء.

وكلما طال الإغلاق، ازدادت احتمالات تراكم الخسائر وصعوبة استعادة النشاط إلى مستوياته السابقة، خصوصًا لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى احتياطيات مالية تمكّنها من تحمّل فترات طويلة من التوقف.

وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن الواقع السياسي والأمني الذي يعيشه الفلسطينيون، حيث تتقاطع القيود المفروضة على الحركة مع الهدم والتهجير والضغوط المتزايدة على مقومات الحياة.

وبينما تحاول الأسر حماية ما تبقى من استقرارها، ويكافح العمال للوصول إلى وظائفهم، ويواجه المزارعون خطر تلف منتجاتهم، تتسع دائرة المتضررين لتشمل قطاعات متعددة داخل الخليل وخارجها.

في النهاية، لا يقف أثر الحصار عند بوابات المدينة المغلقة؛ بل يمتد إلى موائد الأسر وأجور العمال ومزارع الأبقار وخطوط الإنتاج والأسواق الفلسطينية. ومع استمرار القيود والهدم والتهجير، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو حجم الكلفة الإنسانية والاقتصادية التي ستتكبدها المدينة، والمدة التي يحتاجها سكانها ومنشآتها لاستعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية بعد انحسار الحصار.