عاد الدكتور حسام بدراوي إلى واجهة النقاش السياسي بعد حواره مع الذراع الإعلامي أحمد موسى على قناة "صدى البلد"، مساء 27 أكتوبر 2026، حين تحدث عن تداول السلطة، وانتقد اختزال الدولة في شخص السيسي، مشيرًا إلى أن مصر تضم كفاءات أخرى قادرة على تولي المسؤولية.
ومن أبرز ما نُقل عن الحوار تأكيد بدراوي أن احترام مبدأ تداول السلطة المنصوص عليه في الدستور لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره إنجازًا استثنائيًا، إلى جانب تشديده على أن «الدولة ليست الرئيس». كما انتقد تحويل الظروف الاستثنائية إلى مبرر دائم لتغيير القواعد الدستورية، محذرًا من أن الدستور يفقد دوره إذا أصبحت الأزمات المتعاقبة ذريعة لإعادة تشكيله وفق احتياجات السلطة.
هذه التصريحات تحمل مضمونًا سياسيًا واضحًا، لأنها تطرح مسألة تداول الحكم وتفتح النقاش حول وجود بدائل للسيسي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم بأن بدراوي انتقل إلى موقع المعارضة الشاملة، أو أنه يتبنى مشروعًا سياسيًا بديلًا قادرًا على تغيير قواعد المنافسة.
https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=29102026&id=8ab7f0b0-f30e-4b24-9e26-c88da37421d9&utm_source=chatgpt.com
وتزداد أهمية هذه النقطة عند استحضار مواقفه السابقة، ففي حواره مع موقع "المنصة" في 21 أكتوبر 2025، قال بدراوي: "إنه يحب السيسي ويقدره، وإنه انتخبه مرتين، لكنه لن يمنحه صوته مرة رابعة"، كما دعا إلى عدم السماح بتعديل الدستور وفتح المجال أمام الرأي الحر.
نحن، إذن، أمام موقف يجمع بين تأييد سابق معلن، ورفض الاستمرار في منح السيسي صوتًا انتخابيًا جديدًا، وانتقادات تتعلق بالمجال السياسي والدستوري، فبدراوي يدعو إلى قواعد مؤسسية تضمن تداول السلطة بصرف النظر عن إرادة السيسي، أم يراهن أساسًا على أن يتخذ السيسي نفسه قرارات تسمح بتوسيع المجال العام، فالفرق كبير بين المطالبة بأن يختار الحاكم إتاحة مساحة للاعتراض، وبين بناء ضمانات دستورية وسياسية تجعل هذه المساحة حقًا لا يتوقف على رغبة الحاكم.
حوار مع أحمد موسى
لم يتوقف الجدل حول بدراوي عند مضمون تصريحاته، بل امتد إلى توقيت ظهورها والمكان الذي قيلت فيه. فقد تساءل معلقون عن أسباب إتاحة مساحة لانتقادات تتناول إدارة الدولة وتداول السلطة على شاشة قناة يقدم عليها موسى خطابا شديد الانحياز للسيسي.
ورأى بعض المتابعين أن الحوار ليس جديدا في محتواه مع الادعاء أنه يمثل مساحة نادرة لطرح أسئلة سياسية تتجاوز النقد المعتاد للأداء الحكومي، بينما اعتبر آخرون أن ظهور شخصية من داخل النخبة التقليدية لا يعني بالضرورة نشوء معارضة مستقلة، وأن مثل هذه المساحات قد تمنح المشهد انطباعًا بوجود تعددية أوسع مما تسمح به قواعد المنافسة السياسية الفعلية.
وذهب بعض المعلقين إلى طرح احتمال أن يؤدي السماح بقدر من النقد إلى تخفيف الاحتقان أو إدارة الخلافات داخل النخبة أو اختبار ردود الفعل العامة، غير أن هذه تفسيرات سياسية محتملة.
وانتقال مقاطع الحوار إلى منصات المعارضة في الخارج، وتقديمها باعتبارها مؤشرًا على وجود خلافات داخل النخبة المصرية، لا يثبت صحة المؤشر من أن بدراوي يتبنى مشروع تلك المعارضة أو يتفق معها في تقييم النظام السياسي بأكمله كما يرونه بل سبق له أن شارك في كذبات كثيرة منها وجودة حماس في التحرير في 2011 وفي ملف الأخونة المزعوم وفي اتهام الحركة ب"الإرهاب".
اتهامات وتضليل
وكنموذج لا حصر، وفي حوار مع الإعلامي حافظ الميرازي، في مايو 2025 برّر حسام بدراوي موقفه من حكم الرئيس الشهيد د.محمد مرسي بأنه لم يكن قادرًا على الانتظار أربع سنوات، مدعيًا أن الإخوان كانوا يسعون إلى تسليم جزء من سيناء لحماس، واتهمهم بالتورط في أحداث موقعة الجمل.
وأثارت تصريحاته انتقادات حادة، إذ نقلت منصة «صحيح مصر» تفنيدًا لادعاءاته، موضحةً عدم وجود أدلة موثقة على مشاركة عناصر حماس في موقعة الجمل، كما أشارت إلى نفي إسماعيل هنية وجود اتفاق لتوطين الفلسطينيين في سيناء، وإلى القيود القانونية التي فرضتها مصر على تملك الأراضي في شبه الجزيرة.
من جانبه، اتهم الإعلامي حمزة زوبع بدراوي بالكذب وادعاء الليبرالية والديمقراطية، معتبرًا أن مواقفه تعكس انحيازًا للحكم العسكري، كما هاجمه أحمد عبد العزيز ساخرًا من تصريحاته، واعتبرها تعبيرًا عن الحنين إلى الاستبداد.
وتعيد هذه الانتقادات طرح تساؤلات بشأن سجل بدراوي السياسي، ومدى اتساق خطابه الحالي عن الديمقراطية وتداول السلطة مع مواقفه السابقة وتبريراته لمعارضة حكم مرسي، في ظل ضرورة التمييز بين الوقائع الموثقة والاتهامات السياسية.
دعم وصول السيسي إلى المطالبة بإعادة الانتخابات
ولا يكاد يكون هناك فارق بين حسام بداروي وبين مواقف عمرو موسى التي تمت أهمية إضافية بالنظر إلى تاريخه السياسي ومكانته داخل مؤسسات الدولة والدبلوماسية. ففي ديسمبر 2013، دعا موسى وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي إلى الترشح للرئاسة، وقال: "إنه إذا رفض الترشح فسوف يحثونه على ذلك"، وفي يناير 2014، أكد أن السيسي يمتلك مؤهلات الرئاسة وربط به آمال إعادة بناء الدولة، وفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية في ذلك الوقت.
وفي الأول من ديسمبر 2025، دعا موسى إلى إعادة الانتخابات البرلمانية، معتبرًا أن ما جرى أثار تساؤلات جدية بشأن نزاهة العملية الانتخابية، وقال في مداخلة تلفزيونية "إن إعادة الانتخابات ينبغي أن تتم مهما كانت تكلفتها وهو اتفق فيه مع بدراوي الذي قال إن ثمن الكرسي 70 مليون جنيه".
الدلالة النهائية تتوقف على ما إذا كان سيتحول إلى ضغط مستمر من أجل ضمانات انتخابية مستقلة، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، وحرية التنظيم والعمل الحزبي، أم سيظل موقفًا مرتبطًا بانتخابات بعينها، وبالتالي بات الحديث على هذا النحو بظل المناخ القمعي الذي يصادر مواقع مثل "مدى مصر" ومنصة "متصدقش" جزء من خطة لإدارة "المعارضة"، مثلما لا يمكن تجاهل تاريخه في دعم السيسي.
يرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة للدكتور حسام بدراوي، ومواقف عمرو موسى ومقالات لسليمان جودة في المصري اليوم أو محمد سعد عبدالحفيظ ومحمد بصل في الشروق لا تكفي لفهم طبيعة الحياة السياسية في مصر في وضع ملتبس: هل نحن أمام معارضة حقيقية تسعى إلى تغيير قواعد الحكم، أم أمام انتقادات من داخل النخبة السياسية يمكن أن تمنح المشهد مظهرًا تعدديًا، بينما تظل بنية السلطة وقواعد المنافسة على حالها.
ومن المشروع التساؤل عن المساحة التي يُسمح فيها بالنقد، والقضايا التي يمكن طرحها دون غيرها، وما إذا كانت الانتقادات المتداولة تقود إلى فتح المجال العام وتعزيز المنافسة السياسية، أم تظل في حدود الخلافات التي يمكن استيعابها داخل المشهد القائم.
المعارضة الناعمة..
ويمكن فهم مفهوم «المعارضة الناعمة» بوصفه فرضية سياسية تشير إلى احتمال استيعاب انتقادات محدودة داخل المشهد القائم، بما يسمح بإظهار قدر من التعددية من دون المساس بالقواعد الأساسية التي تحكم توزيع السلطة والمنافسة عليها.
ويستدرك بعضهم من أن هذا المفهوم لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جاهز لكل شخصية تنتقد السلطة ثم تظهر على شاشة محلية، أو لكل سياسي يراجع موقفًا سابقًا، فالنقد قد يكون حقيقيًا، وقد تستفيد منه وسائل الإعلام أو الأطراف السياسية المختلفة، من دون أن يعني ذلك وجود تنسيق مسبق بينها بحسب ما يظهر من الأطراف المختلفة .
ولا يمنع أن بعض الشخصيات تنتقد السلطة فعلًا، وتسعى إلى استخدام المساحات المتاحة لطرح أسئلة تتعلق بالدستور والانتخابات وتداول الحكم.
وبعض وسائل الإعلام قد تستوعب انتقادات معينة، بما يسمح بإدارة الخلاف داخل المجال العام، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير قواعد المنافسة السياسية.
وطرح السيسي برنامجاً يمتد لمدة 30 شهراً داخل الأكاديمية العسكرية لتأهيل شخصيات محتملة لتولي المسؤولية، مستهدفاً حملة الدكتوراه الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً، مع توافر الشروط القانونية اللازمة للترشح.
ويطرح المقترح تصوراً لإعداد كوادر مؤهلة من خلال مؤسسة عسكرية، لكنه أثار تساؤلات بشأن مدى اتساع دائرة الاختيار، وما إذا كان تأهيل المرشحين ينبغي أن يقتصر على مسار مؤسسي بعينه، أم أن الأحزاب السياسية والمشاركة الانتخابية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من إعداد القيادات الرئاسية.
ومن هنا تأتي أهمية انتقادات بدراوي، الذي يركز على ضرورة فتح المجال أمام الكفاءات الموجودة بالفعل، بدلاً من التعامل مع أزمة البدائل باعتبارها مشكلة تتعلق بنقص الشخصيات المؤهل