في ذكراها الـ13.. كيف ورّط السيسي مصر مائياً بضغط التمويل الإماراتي؟

- ‎فيتقارير

بالتزامن مع مرور 13 عاماً على انقلاب 3يوليو 2013 في مصر، تتبلور قراءة سياسية موحدة لدى عدد من المراقبين والمحللين تسلط الضوء على ما يصفونه بـ"مسار تفكيك وتفتيت القوة السيادية المصرية" عبر استراتيجية تدرجية، وتتقاطع آراء هؤلاء المراقبين عند نقطة محورية: وهي أن الإدارات المتعاقبة عقب الأحداث، وتحديداً قيادة عبد الفتاح السيسي، انخرطت في تفاهمات إقليمية – برعاية وتمويل مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة – أفضت في النهاية إلى توريط الدولة المصرية في أزمات استراتيجية وجودية، وعلى رأسها ملف سد النهضة الإثيوبي وخسارة النفوذ الإقليمي.

يشير الإعلامي عبد الرحمن مطر في تحليله الموثق عبر حسابه abdelrahman matar على فيسبوك إلى كواليس اجتماع مجلس الأمن القومي المصري في 18 يونيو 2013 (قبيل الانقلاب على الرئيس المنتخب د.محمد مرسي بأسبوعين).

https://www.facebook.com/photo/?fbid=10162939228111728&set=a.424887416727

 

ووفقاً لروايته المستندة ل"مصادره" وإلى وقائع الاجتماع كان يرصد موقف القيادات العسكرية بعدما اقترح الفريق محمود حجازي (رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق) توجيه ضربة عسكرية مباشرة لمواقع السد لمنع فرض الأمر الواقع وحفظ هيبة مصر المائية، حتى وإن كانت أعمال البناء حينها بسيطة وتواجه أزمات تمويل دولية طبقاً لبيانات الأقمار الاصطناعية وسجلات "Google Earth".

 

وكان موقف السيسي التعطيل، حيث رفض عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) أي عمل عسكري، مراهناً على المفاوضات.

 ويرى مطر أن هذا الموقف كان موجهاً لإطالة الوقت حتى إتمام تحرك 3 يوليو، وفقاً لرواية عبد الرحمن مطر.

 

وبعد وصول السيسي للسلطة، وقع على "اتفاقية إعلان المبادئ" في مارس 2015 مقابل استعادة مقعد مصر في الاتحاد الأفريقي، ومن ثم تخلص تدريجياً من القادة الذين عارضوا التنازلات (مثل محمود حجازي وصدقي صبحي).

 

ويوضح مطر أن هذه السياسة منحت إثيوبيا "الوقت والشرعية" حتى إعلانها الانتهاء الكامل للبناء في يوليو 2025، وصولاً إلى التصريحات الرسمية المصرية في يونيو 2026 التي اعتبرت الأمر منتهياً وأرجعت الندرة المائية للزيادة السكانية.

توسيع نفوذ أبو ظبي والضغط لتثبيت الانقلاب

 

يتجاوز دور دولة الإمارات العربية المتحدة في القراءات التحليلية للمراقبين مجرد "الوساطة" إلى كونه "طرفاً أصيلاً ومحركاً" يهدف لفرض الوصاية على القرار المصري، وتوجيه السياسات الداخلية والخارجية عبر أدوات الضغط المالي والسياسي.

 

ورصد الصحفي عبد الحميد قطب عبر حسابه الرسمي @AbdAlhamed kotb ما وصفه بـ"اختراق مخابرات الإمارات لشخصيات ومؤسسات أمنية وسياسية مصرية رفيعة"، واستشهد قطب بتسجيلات لعميل إماراتي (رضا المغربي) يكشف فيها عن إخضاع قيادات بارزة (مثل الفريق مهاب مميش، واللواء أحمد زكي عابدين، واللواء أحمد زغلول مهران نائب رئيس المخابرات الحربية السابق) لعمليات استقطاب تحت غطاء التكريم من قبل منظمة "خيمة التواصل العالمية" التي يديرها ضابط المخابرات الإماراتي عبد الله النيادي، وذلك بهدف بناء شبكات نفوذ تخدم التوجهات الإقليمية لأبوظبي داخل العمق المصري.

 

وفي قراءة أعمق لجذور هذا التغلغل، يركز الحقوقي والسياسي أسامة رشدي على تفاصيل الدور الإماراتي المباشر في هندسة المشهد المصري عقب أحداث 3 يوليو 2013، معتبراً أن الدعم المالي والسياسي اللامحدود من أبوظبي كان مشروطاً بإنهاء أي أفق للمسار الديمقراطي في مصر وثورات الربيع العربي التي اعتبرتها الإمارات تهديداً وجودياً لنموذجها الوظيفي.

 

ويشير رشدي إلى أن هذا المشروع الإقليمي الممول إماراتياً شجع بنحو مباشر على خيار الحسم الأمني والدموي والمجازر لتثبيت أركان النظام الجديد داخلياً وخارجياً، وصناعة خطاب التخويف وتجريم الخصوم السياسيين لضمان إغلاق المجال العام. وامتد هذا النفوذ لضرب العمق الاقتصادي والسيادي، حيث استهدفت أبوظبي إجهاض مشروع تنمية محور قناة السويس الذي طرحه الرئيس مرسي لحماية طموحات هيمنتها البحرية ومنافسة ميناء جبل علي الإماراتي.

 

أما في ملف سد النهضة، فيجزم أسامة رشدي بأن الإمارات تحولت إلى طرف فاعل يدعم إثيوبيا مالياً وسياسياً ضد المصالح المصرية، حيث وظفت مستشارها الأمني محمد دحلان لرعاية مسار تفاوضي مشبوه أفضى إلى توقيع السيسي على اتفاق المبادئ الكارثي عام 2015، مما شرعن السد وفرط في حقوق مصر التاريخية المائية، معتبراً أن من موّل إسقاط الديمقراطية وبارك الدم وصنع الانقسام لا يمكن أن يكون شريكاً أميناً على أمن مصر القومي.

https://x.com/OsamaRushdi/status/2016022058333843470

 

 

وتتقاطع هذه القراءة بوضوح مع شهادة المستشار الإعلامي في الرئاسة الصحفي د.أحمد عبد العزيز، الذي يعيد الأزمة برمتها إلى السياسات التدميرية التي يقودها محمد بن زايد وعلاقته المباشرة بتحريك وإدارة السيسي منذ اللحظة الأولى للانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

 

ويكشف عبد العزيز عن عمق الأساليب الاستبدادية والضغوط التي مارستها أبوظبي لتطويع المشهد، حيث يروي تجربة شخصية تعرض فيها للابتزاز المباشر عام 2014 من قبل محمد بن زايد لاستمالته والعودة للإمارات ليكون أداة لإحباط مؤيدي الشرعية وضربهم، وعندما رفض، دفع ثمناً باهظاً باختطاف ابنه وتلفيق قضية له وسجنه ثلاث سنوات.

 

ويؤكد عبد العزيز أن قلب النظام الإماراتي الحالي كان المفسد والمحرك الرئيسي للثورات المضادة، وأن الدعم اللامحدود الذي قُدم للسيسي كان يهدف للوصول إلى النتيجة الحالية؛ حيث فعل السيسي بمصر – بدعم وتوجيه إماراتي كامل – ما لم يفعله العدو نفسه من تدمير ممنهج، وبيع لمقدرات الدولة، وإضعاف لسيادتها وتجويع لشعبها.

مقاول الفوضى

 

ولا ينفصل السلوك الإماراتي تجاه مصر عن استراتيجيتها الكلية في المنطقة العربية، والتي يقيمها المراقبون بكونها محاولة لتفكيك الدول الكبرى لتعويض "عقدة الجغرافيا".

 

ويشن الناشط والمحلل أحمد عايض هجوماً حاداً عبر حسابه على منصة إكس قائلًا إن الإمارات تحولت إلى "مقاول فوضى" يسعى لتفكيك الدول العربية من الداخل ومحاربة قواها الحية وتشويه هويتها لصالح التطبيع والتحالف مع الكيان الصهيوني.

https://x.com/Ahmedayed300/status/2015412032695161079

 

 

وضمن ذات السياق، ينقل حساب "الأخبار الأمريكية" عن الصحفي البريطاني زاك إيريك تساؤلات جوهرية حول الدوافع الإماراتية لتقزيم وتجزئة الدول العربية المحورية كاليمن، ليبيا، السودان، ومصر؛ مشيراً إلى أن الأمر يتعلق بـ "عقدة الجغرافيا والمساحة، ومحاولة صناعة تاريخ لدولة لم تكن في الوجود قبل عام 1971 عبر توظيف الفائض المالي".

https://x.com/The51USAnews/status/2003837143370670139

 

ويجمع المحللون والمراقبون على أن مرور 13 عاماً على أحداث 2013 يكشف بوضوح عن ثمن التمويل السياسي والأمني الذي قدمته أبوظبي لتمرير الانقلاب وتثبيته؛ حيث تحولت السلطة في مصر إلى أداة لتنفيذ أجندة إقليمية أفضت في النهاية إلى محاصرة مصر مائياً وتجريدها من أوراق قوتها السيادية، وتفكيك مؤسساتها بالكامل لصالح مشروع وصاية إماراتي يتطلب مواجهة وطنية عاجلة لاسترداد قرار الدولة المستقل.