عقب انقلاب الثالث من يوليو سيطر الجيش علي مفاصل الدولة، فسيطرت الهيئة الهندسية على قطاع المقاولات والانشاءات، وهيئة الدواء التي يسيطر عليها العسكر مسئولة عن الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية والمستحضرات الدوائية، وظهر جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية ليحتكر ملف استصلاح الأراضي واضيف اليه ملف استيراد القمح والزيوت والحبوب وتصدير السكر الأبيض.
وتعمل حكومة الانقلاب حاليا على ضم المؤسسات والوزارات والهيئات التي تعمل في مجال الزراعة والسلع الغذائية تحت سيطرة مؤسسة عسكرية تعمل بعيدا عن الأجهزة الرقابية والمساءلة القانونية، تمهيدا لجعلها جهة سيادية تختص في إدارة الغذاء وتتولي إدارة دعم الغذاء والسلع الغذائية، وهذه تجارب محكومة عليها بالفشل لأنه عندما تم تطبيقها في دول عدة لم تحقق أي نجاح يذكر، بينما اقتصاد السوق القائم على العرض والطلب وعلى تقدم الدولة الحديثة، حيث تتوقف الأسعار علي الوفرة وقوة الإنتاج عندما تكون هناك وفرة في الإنتاج تتوافر السلع في الأسواق فيزيد المعروض فتنخفض الأسعار بصورة تلقائية دون الحاجة الي أجهزة رقابية ضخمة مكلفة، ولو أن جميع أجهزة الدولة المعنية ركزت علي زيادة الإنتاج في جميع القطاعات لأحدثت وفرة وانخفضت الأسعار دون الحاجة الي قروض ولا بيع مؤسسات الدولة الاستراتيجية.
وتحويل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية إلى شركة مساهمة تابعة لصندوق سيادي، حيث بدأت وزارتا الزراعة والتموين حصر ممتلكاتهما من الأراضي الزراعية والمخازن والأراضي الفضاء لتسليمها إلى الجهاز خلال الأسابيع المقبلة.
وأكدت مصادر حكومية إن الإجراءات تستهدف إعادة تشكيل منظومة إدارة السلع والدعم الغذائي، عبر توسيع صلاحيات جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة وتحويله إلى الكيان المركزي المسؤول عن إدارة ملفات الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، والتوزيع للمستهلكين، ويبدأ مجلس النواب في مناقشة مشروع قانون يمنح الجهاز وضعاً قانونياً استثنائياً وصلاحيات غير مسبوقة تحت الإشراف المباشر لرئاسة الجمهورية.
وأضاف المصدر الحكومي، الذي رفض ذكر اسمه، أنه في أحدث حلقات هذا التحول، أصدر وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، توجيهات عاجلة إلى جميع قطاعات الوزارة لتنفيذ التكليفات الرئاسية الخاصة بإعداد برنامج لخفض الأعباء المعيشية وضبط سلاسل الإمداد، بالتنسيق مع جهاز مستقبل مصر ووزارة التموين، وتضمنت التعليمات البدء فوراً بحصر جميع الأراضي والأصول والمباني غير المستغلة التابعة لوزارة الزراعة والهيئة العامة للإصلاح الزراعي ومركز البحوث الزراعية ومديريات الزراعة في المحافظات، تمهيداً لإعادة تأهيلها وتحويلها إلى منافذ بيع وأسواق مطورة تعمل بالتعاون مع جهاز مستقبل مصر، بما يعكس عملياً انتقال جزء من البنية اللوجستية الحكومية إلى إدارة الجهاز.
وأوضح المصدر أن التوجيهات لم تقتصر على الأصول العقارية، إذ كلّف الوزير كل القطاعات الإنتاجية، بما فيها قطاع الإنتاج والمحطات البحثية وقطاع الثروة الحيوانية والداجنة والتعاونيات الزراعية، بمضاعفة الإنتاج الزراعي والحيواني، وزيادة الكميات التي يتم ضخها عبر المنافذ الثابتة والمتحركة، مع ضمان انتقال المنتجات مباشرة من المزارع إلى المستهلك من دون وسطاء، في منظومة يجري إعدادها لتكون تحت مظلة جهاز مستقبل مصر.
تأتي التحركات الحالية امتداداً للدور الذي أُسند إلى جهاز مستقبل مصر في إدارة منظومة "كاري أون" (Carry On)، التي أطلقتها الحكومة لتوحيد سلاسل الإمداد وتوزيع السلع الأساسية عبر شبكة مركزية تضم المنافذ الحكومية والتجارية، بهدف تعزيز المخزون الاستراتيجي وضبط الأسواق وتقليل حلقات التداول، تستند المنظومة إلى التكامل بين جهاز مستقبل مصر ووزارتي التموين والزراعة، مع الاعتماد على حلول الدفع الإلكتروني وشركات الدفع الفوري لإدارة عمليات صرف السلع ومتابعة حركة التداول، في إطار توجه حكومي لإعادة هيكلة منظومة الدعم السلعي ورفع كفاءة توزيع السلع الأساسية.
وتتزامن التحركات الحكومية بالتزامن مع مناقشة البرلمان مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، الذي ينقل تبعيته من وزارة الدفاع إلى الرئاسة مباشرة، ويمنحه استقلالاً مالياً وإدارياً وفنياً، مع استثناءات واسعة من قوانين الخدمة المدنية والمشتريات الحكومية والحد الأقصى للأجور، فضلاً عن إعفاءات ضريبية ورسوم تتحملها الخزانة العامة.
ويمنح مشروع القانون الجهاز صلاحيات تتجاوز دوره الحالي في استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي، ليصبح مسئولاً عن قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والمياه والنقل والاتصالات والسياحة والتعليم والصحة، مع السماح له بتأسيس الشركات أو الاستحواذ عليها داخل مصر وخارجها، وإدارة مناطق التنمية المستدامة واستثمار أصول الدولة.
ويرى مراقبون أن ما يجري يمثل استكمالاً لعملية بدأت بالفعل خلال العامين الماضيين، عندما انتقلت إلى الجهاز مسئولية استيراد القمح والسلع الاستراتيجية بدلاً من الهيئة العامة للسلع التموينية، ثم إسناد ملف استيراد وتصدير السكر الأبيض إليه، إلى جانب التوسع في إدارة منافذ بيع السلع الغذائية والمشروعات الزراعية والصناعية، وسبق أن وافق مجلس الوزراء على نقل ولاية عشرات قطع الأراضي المملوكة للدولة إلى الجهاز، إضافة إلى منحه مئات الآلاف من الأفدنة في مشروع الدلتا الجديدة، بما عزز حضوره الاقتصادي خارج الإطار الزراعي التقليدي، وتتجه الحكومة إلى توحيد أدوات توزيع السلع والدعم تحت إدارة أكثر مركزية، من خلال ربط منافذ البيع وشبكات التوزيع بوزارة التموين، مع الاعتماد على شركات الدفع الإلكتروني والدفع الفوري في إدارة عمليات الصرف والتحصيل والرقابة الرقمية، بما يهيئ البنية التشغيلية لمنظومة الدعم الجديدة التي يتولى جهاز مستقبل مصر إدارتها تدريجياً.
تأتي هذه الإجراءات متسقة مع توجهات حكومية سابقة لإعادة هيكلة منظومة الدعم السلعي والتحول التدريجي إلى الدعم النقدي، مع إنشاء شبكات توزيع تعتمد على قواعد بيانات موحدة، ومنافذ بيع مركزية، وآليات دفع إلكترونية تسمح بمتابعة حركة السلع لحظة بلحظة، تمكّن الحكومة من السيطرة على مخصصات الدعم بالموازنة العامة، ومنافسة القطاع الخاص في تقديم الخدمات التموينية والسلع للمواطنين.
كما يتضمن مشروع القانون إنشاء صندوقين جديدين؛ الأول صندوق سيادي يحمل اسم "مستقبل مصر للثروة السيادية – أهرامات النيل" لإدارة الأصول واستثمارها، والثاني "صندوق مستقبل مصر الخدمي – داعم" لتمويل المشروعات الاجتماعية والخدمية، ليمكّن الجهاز من إدارة موارد مالية مستقلة بعيداً عن الموازنة العامة للدولة.
ويرى مراقبون أن نقل أصول وزارة الزراعة القابلة للاستغلال التجاري، وربطها بمنظومة التموين والدفع الإلكتروني، يمثل خطوة عملية نحو تحويل جهاز مستقبل مصر إلى الذراع التنفيذية الرئيسية في إدارة الأمن الغذائي والدعم السلعي وسلاسل الإمداد، في إطار إعادة توزيع الأدوار بين المؤسسات الحكومية، بما يضع الجهاز في قلب إدارة الاقتصاد الغذائي خلال المرحلة المقبلة.