جاء القرار المفاجئ، والمتوقع في آنٍ واحد لدى غالبية المراقبين، بنقل استقبال بعثة المنتخب الوطني العائدة من مونديال أمريكا 2026 من مطار القاهرة الدولي —المركز الطبيعي والجغرافي النابض للبلاد— إلى مطار مدينة العلمين الجديدة الواقعة في أقصى غرب الساحل الشمالي، ليُحدث هزة ارتدادية عنيفة. وأثار هذا التعديل اللوجستي موجة عارمة من السخط على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ اعتبره قطاع واسع من المواطنين والمحللين سلوكاً متعمداً لحرمان ملايين المصريين من حقهم الطبيعي في التعبير عن الفرحة والالتفاف حول فريقهم الوطني.
وجاءت لقطة العلمين الباهتة والمثيرة للحزن، حيث ظهرت الشوارع خالية تماماً إلا من طابور من السيارات الفارهة والحراسات المشددة، لتثبت للشارع المصري أن النظام يفضل التضحية بالمظهر الحضاري والرياضي لمصر أمام العالم —والذي كان سيتحدث حتماً عن حشود مليونية لو تم الاستقبال في القاهرة— في مقابل الحفاظ على هدوء أمني مطلق يحمي النخبة من سماع صوت الشعب أو مواجهته بشكل مباشر.
الرعب الاستباقي
واعتبر مراقبون ومنتقدون أن هذا السلوك يعد دليلاً ملموساً على حالة من الرعب الاستباقي التي تملّكت السيسي —وتبدّت ملامحها منذ افتتاحه لمقر القيادة الاستراتيجية الجديد "الأوكتاجون"— خشية أن يرى المصريون أنفسهم مجتمعين مجدداً على هدف واحد؛ لما يمثله ذلك من تذكير بقوتهم الكامنة وقدرتهم على التغيير وإعادة صياغة المشهد السياسي كلياً. وهو التخوف ذاته الذي يفسر تحويل اللعبة برمتها إلى ملف أمني بحت تديره جهات سيادية وتحدد تفاصيله بدقة متناهية خلف الأبواب المغلقة، لضمان منع "الشعب من أن يركب مجدداً" بتعبير المغردين الساخطين.
وفي هذا السياق، وجّه المغرد محمد عبد الرحمن (@mohamed041979) ملامه وهجومه المباشر والحاد لشخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، واصفاً إياه بنعوت قاسية، واتهمه صراحة بقطع الطريق أمام استقبال شعبي حافل بأتوبيس مكشوف وسط الناس في مطار القاهرة، رغبة منه في احتكار المشهد بمفرده في مطار العلمين وانتزاع "اللقطة" على حساب مشاعر الملايين.
ويتقاطع هذا الهجوم الشعبي مع تساؤلات استنكارية طرحها الإعلامي مصطفى عاشور (@moashoor)، الذي وجّه ملامه وعتابه بشكل مباشر لشخص الرئيس والنظام بصيغة تساؤلية: "لماذا؟ وإيه المغزى؟"، منتقداً حرمان الشعب في القاهرة القديمة من الفرحة لصالح مجتمع العلمين "البهواتي". وأكد عاشور أن إدارة المنظومة بأكملها تمت عبر شركة "المتحدة" التي تسيطر على المقدرات الإعلامية والرياضية في مصر، مستغرباً تفويت مشهد تاريخي كان سيتحدث عنه العالم لو فُتحت الاستادات في القاهرة أو الإسكندرية بدلاً من فرض هذا الإقصاء الجماهيري.
ولم تقف القراءة الشعبية عند حدود التنافس على "اللقطة" السياسية، بل غاصت عميقاً في الخلفيات الأمنية التي تحكم العقل الحاكم حالياً؛ إذ ربط الباحثون والمراقبون، ومنهم الكاتب محمد سيف الدولة (عبر حساب حزب تكنوقراط مصر)، بين هذا التصرف وبين الاستراتيجية العامة للدولة؛ حيث قدم سيف الدولة تحليلاً سياسياً يلوم فيه السلطة على "الحساسية المفرطة" تجاه التجمعات الشعبية، معتبراً أن نقل المؤسسات إلى العاصمة الإدارية واستقبال المنتخب في العلمين يعكسان توجهاً أمنياً راسخاً لتقليل فرص الحشود الجماهيرية بالقرب من مراكز الحكم لتجنب تكرار مشاهد 25 يناير، متسائلاً باستنكار: "هل أصبح الشعب المصري كله مصنفاً باعتباره مسجل خطر؟".
وجاء مشهد أتوبيس اللاعبين وهو يسير في "صحراء العلمين" أمام بضعة مئات من الجماهير المنتقاة بعناية أمنية، ليؤكد للمتابعين أن الهواجس الأمنية والخوف من أي تجمع بشري خارج الأطر الهندسية الرسمية هما المحرك الأساسي؛ وهو ما دفع حساب "الموقف المصري" (@AlmasryAlmawkef) لانتقاد الإجراءات الأمنية بلهجة حقوقية وسياسية رصينة، صاباً ملامه على الأجهزة الأمنية التي تحركها الظنون والشكوك، فتقوم بهندسة وحصار الجماهير حتى في اللحظات الاحتفالية التاريخية، معتبراً مشهد أتوبيس اللاعبين وهو يحيي الفراغ في صحراء العلمين دليلاً على الرغبة في خنق وتجريف مجتمع نابض بالحياة.
تصاعد وتيرة النقد الطبقي والسياسي
فتحت "مأساة العلمين"، كما سماها البعض، الباب على مصراعيه أمام مقارنات حادة ذات أبعاد طبقية واجتماعية داخل المجتمع المصري. فقد انصب ملام وهجوم حساب "ابن مصر" (@ibnmasr_2011) اللاذع على السلطة التي وصفها بالمرعوبة من تجمع المصريين على حب بلدهم، كما انتقد الحشود التي تم حشدها وتجميعها عبر الوجبات والمبالغ المالية (500 جنيه) لاستقبال المنتخب في العلمين، مستنكراً تشييد هذه المدن الفارهة بأموال كان الأولى أن تُنفق على قطاعي الصحة والتعليم، ومتوقعاً ثورة شعبية عارمة تطيح بالأنظمة إذا ما تجمعت الجماهير مجدداً.
من جانبها، صعدت الناشطة آيات عرابي (@ayaa00) بلهجة النقد عبر توجيه ملام سياسي واقتصادي شديد العنف للسيسي، واصفة إياه بالانقلابي الجبان الذي يخشى السير وسط مواطنيه الطبيعيين في شوارع مفتوحة، وأرجعت نقل البعثة لصحراء العلمين لخوف العسكر من استغلال الثوار للتجمع في مطار القاهرة والهتاف بإسقاط النظام. ولم تكتفِ عرابي بملف الرياضة، بل ربطت المشهد بملفات التنازل عن تيران وصنافير وحقول الغاز، وتفويض إدارة رأس الحكمة للإمارات، معلنة تطلعها لنهاية مفزعة للنظام تشبه نهاية القذافي، نتيجة تحويله الشعب إلى فئات متنافرة تعيش انهياراً اقتصادياً حاداً.
في الوقت ذاته، اتخذت التحليلات مسارات شديدة التباين؛ فبينما رأت الأغلبية في نقل الاستقبال حصاراً سياسياً، ظهرت أصوات مدافعة عن النظام كالمغردة رانيا الخطيب (@ElkhateebRania) التي مثّلت صوت المدافعين واللجان الإعلامية، حيث وجهت اللوم لجهات خارجية ومحليين "محروقين" من المظهر العسكري للرئيس وتألق صورته بالبدلة العسكرية في "الأوكتاجون". وألمحت الخطيب إلى أن خسارة المنتخب جاءت كعقاب مدبر أو مؤامرة نتيجة رهانات مليارية وفساد دولي انزعج من مواقف الإدارة المصرية، وتحديداً قيام المدير الفني حسام حسن برفع علم فلسطين خلال المنافسات، معتبرة أن الأزمة أعمق من مجرد إدارة مباراة.
وكان حسام حسن قد أثار تفاعلاً كبيراً بقيامه برفع إشارة تقاطع الذراعين (X) المعتمدة من الفيفا لمناهضة العنصرية، احتجاجاً على القرارات التحكيمية المنحازة ضده أثناء اللقاء. واعتبر مشجعون أن هذه المواقف الجريئة لحسام حسن أثارت حرج السلطة سياسياً، مما دفعها لمعاقبته أدبياً عبر تهميش مشهد العودة، ونقله إلى بيئة معزولة تماماً لمنع تحوله إلى رمز شعبي يلتف حوله الجمهور.
إشارة (X): هي المعتمدة من الفيفا تُستخدم أصلاً لإبلاغ طاقم التحكيم بوجود انتهاكات أو هتافات عنصرية في المدرجات لاتخاذ إجراءات تصاعدية تصل لإلغاء المباراة، لكن حسام حسن استخدمها كخطوة احتجاجية رمزية ومبتكرة للتنديد بما وصفه بـ "عنصرية وتحيز طاقم التحكيم نفسه" ضد المنتخب المصري، مما أدى لحصوله على بطاقة صفراء وتوجيه لجنة الانضباط بالفيفا لمراجعة تصرفاته.
الهندسة الإعلامية والتوظيف الفني
شهدت الساحة السياسية والرياضية المصرية حالة عارمة من الجدل الذي تجاوز حدود المستطيل الأخضر، عقب خروج المنتخب الوطني الدرامي من دور الستة عشر لبطولة كأس العالم 2026 أمام نظيره الأرجنتيني بنتيجة (3-2). لم يكن الإقصاء في حد ذاته مجرد حدث عابر، بل تحول بقرارات سياسية وأمنية متلاحقة إلى مرآة تعكس طبيعة إدارة الدولة المصرية للمجال العام، وآليات التعامل مع الحشود، وكيفية توظيف المنظومة الإعلامية الموالية للنظام الحاكم بزعامة عبد الفتاح السيسي لإعادة هندسة الغضب الشعبي، وتحميل الجهاز الفني بقيادة التوأم حسام حسن المسئولية كاملة، عبر الاستعانة برموز رياضية ولاعبين دوليين سابقين. تكمن الأزمة الحقيقية في التقاطع الحاد بين رغبة الشارع في الاحتفاء بمنتخب حقق إنجازاً تاريخياً كادت تفصله خطوات عن المجد، وبين هواجس السلطة الأمنية التي تبدي تحسساً مفرطاً تجاه أي تجمع بشري عفوّي، مفضلة نقل الحدث إلى بيئة معزولة ومتحكم بها لوجستياً.
فبالتوازي مع الإجراءات الأمنية على الأرض، انطلقت الذراع الإعلامية التابعة للسلطة والمتمثلة في الكيانات الاحتكارية التي تدير المشهد الرياضي والمرئي في مصر (مثل مجموعة المتحدة) في تنفيذ خطة ممنهجة لتوجيه دفة الرأي العام. تمثلت هذه الاستراتيجية في استدعاء لاعبي كرة قدم دوليين سابقين وحكام ومحللين موالين للنظام، لفتح النار على التوأم حسام وإبراهيم حسن، وتحميلهما المسئولية الكاملة والفردية عن الخسارة أمام الأرجنتين، مع التقليل المتعمد من حجم الظلم التحكيمي الصارخ الذي تعرض له المنتخب.
وكان التصريح الأبرز في هذا السياق الهجومي ما أدلى به لاعب المنتخب السابق الكابتن مجدي عبد الغني، الذي قاد جبهة النقد الفني بكلمات حادة وموجهة ركزت على تفكيك البناء الخططي لحسام حسن في الدقائق الأخيرة من المباراة. وصبّ عبد الغني ملامه وهجومه بالكامل على المدير الفني، معتبراً أن الاختلالات الفنية والتبديلات غير الموفقة هي السبب الحقيقي والوحيد للهزيمة، ملقياً باللوم على خروج لاعبين بأعينهم ونزول آخرين، مثل محمود حسن تريزيجيه الذي كان يعاني بدنياً، بدلاً من تأمين الخط الخلفي بنزول المدافع حسام عبد المجيد لغلق المساحات أمام مهارات وسرعات لاعبي الأرجنتين وفي مقدمتهم ليونيل ميسي، مقللاً بشكل قاطع من وزن الظلم التحكيمي في النتيجة النهائية. وحرص عبد الغني، ومن خلفه الآلة الإعلامية، على تصدير خطاب يطالب بـ "المواجهة والاعتراف بالأخطاء الفنية" بدلاً من التباكي على التحكيم، بهدف تشتيت الانتباه الشعبي عن تسييس مشهد الاستقبال وعزل الجهاز الفني.
لكن هذا الطرح الإعلامي المحلي الموجه قوبل بجبهة مضادة على الصعيد العالمي قادها النجم السويدي المعتزل زلاتان إبراهيموفيتش (وفقاً لما نقله حساب "الكورة مع شيكوڤيتش")، حيث انصب ملامه وهجومه مباشرة على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومنظومة التحكيم، متهماً إياهم بالانحياز الدائم للمنتخب الأرجنتيني على حساب مصر وإلغاء هدف مصري صحيح. وتحولت تصريحات إبراهيموفيتش النارية إلى تريند عالمي دافع فيه بقوة عن الفراعنة وتضامن بشكل علني مع حسام حسن من خلال نشر صورته في أحد الاستوديوهات التحليلية، متهكماً في حوار صحفي بقوله: "في كرة القدم لا يجب أن تكون الأفضل دائماً، هناك أشياء أخرى يجب أن تكون بارعاً فيها، أهمها أن تبتسم للآخرين وتبني علاقات، لا شك أن الحكم في بعض الأوقات يكون نجم اللقاء"، وهو ما أعاد الزخم الجماهيري للالتفاف حول الجهاز الفني وتأكيد فرضية الانحياز الكروي التي حاول عبد الغني دحضها.
أدت هذه الهندسة الإعلامية إلى نتائج عكسية لدى شريحة واسعة من الجمهور؛ إذ شعر المشجع البسيط بأن هناك إصراراً من الدولة على إفساد فرحته بالوصول التاريخي لدور الـ 16 وبأولى انتصارات مصر المونديالية، وتحويل الإنجاز إلى ساحة تصفية حسابات سياسية وشخصية. ورأى مواطنون أن لجوء النظام إلى "كتائب الإعلام واللجان" لإبراز العيوب الفنية للمدرب وتضخيمها يهدف بالأساس إلى التغطية على أزمات أعمق ترتبط بإدارة المنظومة الرياضية والفساد المالي والرهانات المليارية، إلى جانب الرغبة في وأد أي رمزية وطنية مستقلة يمكن أن تلتف حولها الجماهير خارج العباءة الرسمية.
السيطرة الأمنية وتجريف المجال الرياضي
لا يمكن فصل أزمة استقبال المنتخب في العلمين عن السياق التاريخي الممتد لما يزيد عن ثلاثة عشر عاماً من التضييق الأمني الصارم على ملاعب كرة القدم وجماهيرها في مصر. فالجمهور الرياضي يرى أن "هندسة المشهد" في العلمين هي امتداد مباشر لسياسة تحديد أعداد المشجعين في المباريات المحلية بعدة مئات أو آلاف قليلة تخضع لتدقيق أمني صارم، رغم أن الاستادات تتسع لعشرات الآلاف.
لقد تحولت كرة القدم، من منظور القبضة الأمنية، من لعبة شعبية تعبر عن هوية الشارع ونبضه إلى مصدر قلق دائم ومصدر تهديد محتمل للاستقرار السياسي، وهو ما جعل السلطة تتعامل مع مشجعي الكرة ككتلة خطيرة يجب تفكيكها وحظر تجمعاتها بشتى الطرق تلافياً لأي حراك عفوّي غير محسوب العواقب.