لجأ العشرات من مُلاك الوحدات والفيلات إلى ساحات القضاء، لمواجهة ما وصفوه بسياسات الهيمنة وتغيير المخططات الهندسية الأساسية لمشروع مراسي الساحل الشمالي على البحر المتوسط، وهي التطورات التي أعادت إلى الواجهة نقاشات ساخنة بشأن تداعيات بيع الأصول الاستراتيجية وحجم القيود المفروضة على المواطنين في بلادهم.
أمام تعنت إدارة الشركة الإدارية وإغلاق باب الحوار الحقيقي مع المتضررين، لم يجد ملاك الوحدات مفرًا من نقل النزاع إلى منصة القضاء المصري، حيث تقدم 22 مالكًا بدعاوى قضائية رسمية تطالب بإلزام رجل الأعمال محمد العبار وشركة "إعمار" بدفع تعويضات مالية ضخمة تصل إلى 100 مليون جنيه عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم.
وتضمنت المطالب القضائية ضرورة إعادة فتح الشواطئ المغلقة أمام جميع السكان بلا تمييز لصالح رواد الفنادق، وإعادة المباني والوحدات الاجتماعية إلى طابعها الأصلي، وقد بدأت محاكم القاهرة بالفعل في نظر هذه الدعاوى وأمرت بندب لجان خبراء وزارة العدل لمعاينة المخالفات على أرض الواقع، بينما يستعد عشرات الملاك الآخرين لتحريك موجة جديدة تضم أكثر من 110 دعاوى قضائية مماثلة.
وتصاعدت في الآونة الأخيرة حدة النقاشات والجدل الواسع حول السياسات الإدارية المطبقة داخل المشروعات الساحلية الكبرى التي تسيطر عليها كيانات إماراتية في الساحل الشمالي المصري، وتحديدًا منتجع "مراسي" الشهير في منطقة سيدي عبد الرحمن. فقد تحولت الأزمة من مجرد شكاوى فردية تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى معركة قضائية قانونية واضحة المعالم، بعد لجوء
وتعكس تفاصيل الصراع الدائر في منتجع "مراسي" ملامح أعمق لما يصفه الكثيرون بمصائب التنازل عن الأصول الوطنية لصالح حيتان المال الإماراتي والشركات الكبرى المقربة من دوائر صنع القرار الخارجي.
وقال منصات: "إن تسليم أراضٍ استراتيجية شاسعة على ساحل البحر المتوسط بموجب تعاقدات قديمة ومزايدات زهيدة مقارنة بالقيمة السوقية الحالية، فتح الباب أمام هذه الشركات لتلعب دور الحاكم المطلق داخل مشروعاتها".
وبدلاً من أن تكون هذه القرى السياحية متنفسًا للمواطنين المصريين، تحولت تحت الإدارة الأجنبية إلى ما يشبه "الإمارات الذاتية" أو المنتجعات المنعزلة التي تفرض قوانينها الخاصة ولوائحها التي تتعارض في كثير من الأحيان مع القوانين الحاكمة للدولة المصرية وحقوق الملكية المكفولة للمشترين.
العبث بالعقود المبرمة
وبحسب "صحيح مصر" تؤكد المستندات والدعاوى القضائية المنظورة أمام القضاء أن الأزمة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتاجًا تراكميًا لتعديلات جذرية أقدمت إدارة شركة "إعمار" على تنفيذها بالمخالفة للمخطط الرئيسي (Master Plan) الذي تسلمه الملاك عند التعاقد على وحداتهم.
فقد شملت هذه التعديلات ردم أجزاء حيوية من مياه البحر المتوسط لإنشاء فنادق وفيلات فاخرة مخصصة لكبار الشخصيات، فضلاً عن إزالة عدد من حمامات السباحة المشتركة وإغلاق "الوحدات الاجتماعية" وتحويلها إلى بوتيكات وفنادق صغيرة. ولم تقتصر هذه التجاوزات على النطاق الإنشائي، بل امتدت لتحدث أضرارًا بيئية واضحة نتيجة العبث بالطبيعة الجغرافية لمنطقة سيدي عبد الرحمن وتغيير حركة التيارات البحرية، وهو ما اعتبره الملاك خرقًا صارخًا لبنود التعاقد التي ضمنت لهم الاستفادة من مساحات خضراء وخدمات ترفيهية محددة.
https://x.com/SaheehMasr/status/2083979708543164762
قيود تعسفية على المواطنين
وشهدت الشواطئ المخصصة لملاك الوحدات تقلصًا هائلًا لتنخفض مساحتها الإجمالية إلى نحو كيلومتر ونصف فقط، وهو ما يضع معدلًا هزيلًا لا يتجاوز مترًا واحدًا لكل ثلاثين مالكًا، وفي المقابل، خصصت الإدارة الشواطئ المميزة لنزلاء الفنادق الجديدة، وفرضت قيودًا أمنية واجتماعية بالغة الصعوبة على الملاك وأسرهم، شملت منع اصطحاب الأقارب والأصدقاء إلا في حدود ضيقة للغاية وعبر منظومة إلكترونية معقدة تعتمد على رموز الدخول المسبقة.
وبلغ التعسف ذروته حين ترددت أنباء عن فرض رسوم باهظة بلغت آلاف الدولارات لاستخدام بعض الشواطئ والفنادق التابعة للمنتجع، وهو ما أثار استياءً عارمًا باعتباره مخالفة صريحة لقوانين التعاملات النقدية داخل البلاد، فضلًا عن تكريسه لمفهوم الفصل الطبقي وحرمان المصريين من ارتياد سواحلهم بحرية.
الاحتكار العقاري
بينما تقف الشركة في قفص الاتهام أمام المحاكم المصرية بسبب أزمات "مراسي"، تواصل خططها التوسعية بهدف إطلاق مشروع ساحلي ضخم جديد على شاطئ "الهنا" بمساحة تقترب من 300 فدان في ذات المنطقة الحيوية، ورغم غياب الإعلانات الرسمية عن تفاصيل هذا المشروع الذي قد يحمل اسم "مراسي ويست" أو "سول إيست"، إلا أن التقديرات تشير إلى استهدافه شريحة الفيلات الفاخرة ذات الأسعار الفلكية.
إن هذا التوسع المستمر يعزز مخاوف المراقبين من تحول الساحل الشمالي برمته إلى ملاذ مغلق للأثرياء فقط، مع تهميش المواطن العادي وتحويله إلى غريب على شواطئ وطنه، وهو ما يفرض على الجهات الرقابية والقضائية التدخل بحزم لضبط هذه الممارسات وحماية حقوق المصريين القانونية والاقتصادية والبيئية.