في أعقاب الهجوم الغامض الذي تعرضت له سفن الغاز في ميناء دمياط، تصدر هاشتاج #ميناء_دمياط منصات التواصل الاجتماعي لليوم الرابع ، ليتحول إلى ساحة واسعة للتعبير عن الغضب الشعبي والنقاش السياسي الحاد.
ولم يقتصر التفاعل الرقمي على مجرد تداول الأخبار، بل تطور سريعًا ليعكس حالة غير مسبوقة من فقدان الثقة في الخطاب الرسمي للدولة، وسط تساؤلات متزايدة حول ملابسات الحادث، وطريقة إدارة السلطات المصرية للأزمة، ومدى جاهزية منظومة الدفاع الجوي لحماية المنشآت الحيوية.
وقد أفرزت تدوينات المشاركين والخبراء والنشطاء قناعة لدى قطاع من المتفاعلين بتحميل رأس السلطة، عبد الفتاح السيسي، مسؤولية مباشرة عن هذا الخلل من عدة نواحٍ رئيسية، يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولًا: أزمة غياب الشفافية وفقدان المصداقية
يرى منتقدون أن سياسة الإنكار المتأخر والتخبط الحكومي في إدارة الأزمات أسهما في إضعاف الثقة في الرواية الرسمية، ودفعا المواطنين إلى اللجوء إلى المصادر الأجنبية للحصول على المعلومات المتعلقة بالحادث.
ثانيًا: التساؤلات حول منظومة الدفاع الجوي
أثارت الواقعة تساؤلات بشأن كفاءة منظومة الدفاع الجوي المصرية، ومدى قدرتها على حماية الحدود والمنشآت والمرافق الحيوية، خاصة مع ما تردد عن وصول طائرة مسيرة إلى محيط ميناء دمياط وإصابة سفن داخله.
ثالثًا: التورط في المحاور الإقليمية
يرى منتقدون أن السياسات الخارجية المصرية خلال السنوات الماضية دفعت البلاد إلى الانخراط في محاور وصراعات إقليمية، بما يثير تساؤلات حول انعكاس ذلك على الأمن القومي والمصلحة الاستراتيجية المصرية.
تشكيك في الرواية الرسمية
وكتب الحقوقي والكاتب د. أسامة رشدي (@OsamaRushdi): «لماذا أصدق رواية أمبري عما حدث في دمياط وأكذب بيانات نظام السيسي؟ المسألة ليست انحيازًا لشركة بريطانية ضد الحكومة المصرية، وإنما هي ببساطة سؤال عن من يملك سجلًا أفضل في قول الحقيقة».
وأضاف أن شركة أمبري ليست صحيفة تبحث عن الإثارة، ولا حزبًا سياسيًا، ولا جهة معارضة للنظام المصري، بل هي، بحسب وصفه، من أكبر شركات الاستخبارات والأمن البحري في العالم، وتعتمد على تقاريرها جهات من بينها ملاك السفن وشركات التأمين والشحن والمؤسسات المالية.
وفي المقابل، تساءل رشدي عما قاله النظام المصري، مشيرًا إلى أن السلطات اعترفت بوقوع حريق في سفينتين بميناء دمياط، لكنها تجنبت، وفق رأيه، الحديث عن سبب الحريق في البداية، ولم تقدم رواية بديلة مدعومة بالأدلة بشأن ما تردد عن تعرض الميناء لهجوم بطائرة مسيرة.
وقال حساب حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) إن الحزب تابع باهتمام بالغ الطريقة التي أُدير بها ملف حادث ميناء دمياط، وما كشفه، بحسب وصفه، من «ارتباك شديد وغياب للشفافية وتأخر غير مبرر في إعلان الحقائق للرأي العام»، معتبرًا أن ذلك يطرح تساؤلات حول كفاءة إدارة الأزمات داخل مؤسسات الدولة.
وأضاف الحزب أنه منذ اللحظات الأولى للحادث، تداولت وسائل إعلام ووكالات أنباء دولية معلومات تشير إلى احتمال وقوع هجوم بطائرة مسيرة، بينما غابت الرواية الرسمية الواضحة لساعات طويلة، وصدرت تصريحات إعلامية تستبعد هذا الاحتمال بصورة قاطعة، قبل أن تنتهي البيانات الرسمية لاحقًا إلى الإعلان عن أن التحقيقات توصلت إلى أن سبب الحادث كان طائرة مسيرة.
واعتبر الحساب أن هذا التناقض لم يكن مجرد خطأ إعلامي، بل كشف، بحسب تقديره، عن «أزمة حقيقية في إدارة المعلومات»، وأضر بمصداقية الخطاب الرسمي، وفتح الباب أمام الشائعات والتكهنات.
فقدان الثقة في الخطاب الرسمي
وعلق الرائد أيمن الكاشف عبر حساب صدى مصر (@sadamisr25)، قائلًا إن ردود أفعال الشعب المصري واستجابته للأخبار الواردة من مصادر مختلفة تظهر، بحسب رأيه، أن المواطن المصري «فقد الثقة تمامًا في تصريحات الحكومة المصرية ومؤسساتها المختلفة، بما في ذلك القوات المسلحة، للأسف الشديد».
واستشهد الكاشف بما وصفه بتجاهل بيان وزارة البترول والثروة المعدنية بشأن الحادث، قبل أن يتم نفي أو تأكيد بعض التفاصيل عبر بيانات لاحقة لمجلس الوزراء، معتبرًا أن هذا الفقدان للمصداقية لم ينشأ من فراغ.
وأضاف أن المواطن المصري عايش، بحسب قوله، بيانات سابقة نفت وجود فيروس كورونا في مصر قبل أن يتبين وجوده، كما سمع تصريحات متكررة عن إنجازات كبرى وطفرات اقتصادية مرتقبة، قبل أن تكشف تطورات الواقع، وفق رأيه، عدم تحقق كثير من تلك الوعود.
تساؤلات حول كفاءة الدفاع الجوي والاختراق العسكري
وقال الحقوقي المصري بهي الدين حسن (@BaheyHassan) إن نحو 60 عامًا تفصل بين اختراق الطيران الحربي الإسرائيلي للدفاع الجوي المصري وتدميره لسلاح الطيران في صباح 5 يونيو 1967، وبين ما وصفه باختراق طائرة مسيرة أو أكثر للدفاع الجوي المصري وإشعال النيران في سفينتين بميناء دمياط.
وتساءل حسن عن أسباب عدم رصد الطائرة المسيرة أو توقعها أو حتى رؤيتها، في الوقت الذي تحدثت فيه وكالات أنباء أجنبية عن الحادث، معتبرًا أن الحكومة المصرية قدمت، بحسب وصفه، «صورة إعلامية كاذبة» قبل أن تعترف لاحقًا بالواقعة.
وربط حسن بين الحادث والتطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها مصر خلال العقود الماضية، منتقدًا ما وصفه بـ«إغراق الجيش في السياسة والاقتصاد والمقاولات»، ومعتبرًا أن الأسباب التي أدت إلى أحداث 5 يونيو ما زالت قائمة، بل تفاقمت، بحسب رأيه.
من جانبه، كتب الكاتب والصحفي قطب العربي (@kotbelaraby): «بعيدًا عن الجهة التي اعتدت بمسيرة على ميناء دمياط، وبعيدًا عن حجم الأضرار، وبعيدًا عن هوية مالكي السفينتين، وبعيدًا عن زهوِنا بالجيش وأمنياتنا أن يكون في صدارة جيوش العالم، وبعيدًا عن إدانتنا للهجوم، ورفضنا تورط مصر في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، يبقى السؤال الذي لا مفر منه: أين كانت منظومة الدفاعات الجوية المصرية؟ ولماذا لم تواجه الطائرة المسيرة أو حتى تطلق إنذارًا كما تفعل غيرها من المنظومات الدفاعية العربية والإسرائيلية؟».
في المقابل، كتب حساب ضحكة تويتر 🌺 (@SuzIBndari406) منتقدًا أداء السلطة المصرية، ومعتبرًا أن ما جرى يعكس، بحسب رأيه، ضعف القدرة على الرد على الهجوم، ووجود قيود على القرار العسكري والسيادي.
حالة من الانقسام الإعلامي والدفاع عن الرواية الرسمية
وفي مواجهة الانتقادات، تبنى الضابط السابق بالجيش اللواء سمير راغب (@g_ragheb) موقفًا مدافعًا عن الرواية الرسمية، وأكد تمسكه بما سبق أن كتبه حول حادث دمياط.
وقال راغب، في منشور له: «أنا شايف كام واحد بيقول: أعتذر عن منشور حادثة دمياط. طيب هو أنا مسحت البوست؟ لا طبعًا، أنا فخور بالمنشور، ولو في موقف زيه ده تاني أكد بيان الدولة، زي ما غيرنا بيعمل ويعمل في كل المنطقة…».
وكان راغب قد كتب على صفحته الشخصية منشورًا نفى فيه صحة ما تداولته بعض وسائل الإعلام بشأن هجوم بطائرة مسيرة على سفينة أمريكية في الميناء، قبل أن يتمسك بموقفه عقب صدور بيان مجلس الوزراء الذي أكد تعرض الميناء لهجوم.
ضياء رشوان يعترض على رواية «وول ستريت جورنال»
واعترض ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام في عهد السيسي، على ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال خلال مداخلة على قناة العربية، وتحديدًا ما يتعلق بذكر مصادر مصرية مجهولة قالت إن السلطات المصرية حملت إيران في البداية مسؤولية الهجوم بطائرة مسيرة على ميناء دمياط، واعتبرته محاولة إيرانية لتوسيع نطاق الصراع الإقليمي.
وأكد رشوان أن المصادر المجهولة في مصر لا يمكن الاعتماد عليها في القضايا الحساسة، مشددًا على أن المعلومات الرسمية تصدر عبر القنوات الرسمية للدولة بعد انتهاء التحقيقات.
جدل حول الإعلام واللجان الإلكترونية
وفي السياق نفسه، اعتبر المخرج عز الدين دويدار (@ezzeldendevidar) أن قصة ميناء دمياط كشفت، بحسب وصفه، عن طبيعة الانقسام داخل المشهد الإعلامي، متسائلًا عن الجهات التي تدافع عن سياسات دول الخليج، وتلك التي ترتبط بأجهزة أمنية مصرية، في مقابل من يعتبرهم «مصريين حقيقيين» يضعون مصلحة البلاد فوق أي اعتبارات أخرى.
تحميل السيسي مسؤولية التورط الإقليمي وتبعات السياسات الخارجية
من جهتها، قالت حركة ميدان، عبر متحدثها الإعلامي عمر طلعت (@omartalaat00)، إنها تتابع «بقلق بالغ» الأخبار الواردة حول استهداف عدد من السفن المخصصة لتغويز ونقل وتخزين الغاز الطبيعي قبالة ميناء دمياط.
وأكدت الحركة رفضها الكامل لأي اعتداء يمس أمن مصر وشعبها أو يهدد مقدراتها الاقتصادية، وحملت السلطة الحالية، وعلى رأسها عبد الفتاح السيسي، المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي، بحسب وصفها، زجت بمصر في صراعات ومحاور إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية.
وأضافت أن هذا المسار بدأ، بحسب بيانها، بتوريط الجيش المصري في ترتيبات عسكرية خارج الحدود، وإرسال مفرزة عسكرية إلى دولة الإمارات، وصولًا إلى وضع مصر في قلب صراعات إقليمية «لا ناقة للشعب المصري فيها ولا جمل».
واعتبرت الحركة أن استمرار ما وصفته بـ«الارتهان للمحور الصهيوني الإماراتي» لا يجلب لمصر سوى المخاطر، ويحولها من دولة تقود الإقليم إلى طرف يتحمل كلفة صراعات الآخرين، بينما يدفع الشعب المصري الثمن من أمنه واستقراره.
ويأتي هذا الجدل في وقت أثار فيه حادث ميناء دمياط نقاشًا واسعًا حول مستوى الشفافية الرسمية في إدارة الأزمات، ومدى جاهزية منظومات الدفاع الجوي للتعامل مع التهديدات المحتملة، فضلًا عن تداعيات السياسة الخارجية المصرية وانخراط القاهرة في الملفات والصراعات الإقليمية.
وبينما يطالب منتقدون بمزيد من الشفافية وكشف تفاصيل التحقيقات، يرى المدافعون عن الرواية الرسمية أن تداول معلومات غير مؤكدة خلال الأزمات الأمنية قد يضر بالمصلحة الوطنية، وأن إعلان التفاصيل يجب أن يتم بعد انتهاء التحقيقات الرسمية.
وبذلك تحول هاشتاج #ميناء_دمياط من مجرد وسم لتداول أخبار الحادث إلى منصة للنقاش حول ثلاث قضايا رئيسية: أداء الدولة في إدارة الأزمات، وكفاءة منظومة الدفاع الجوي، وانعكاسات السياسة الخارجية المصرية على الأمن القومي.