كشفت مراجعة بيانات مجالس إدارات عدد من البنوك العاملة في مصر عن حضور لافت لوزراء حاليين وسابقين ومسئولين حكوميين في مواقع قيادية وعضويات بمجالس إدارات القطاع المصرفي، في ظاهرة تفتح أسئلة واسعة حول تضارب المصالح، ومعايير اختيار أعضاء مجالس الإدارات، ومدى توافق بعض حالات الجمع بين المناصب مع أحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي.
وبحسب البيانات التي يستند إليها هذا التقرير، يشغل عدد من الوزراء الحاليين مقاعد في مجالس إدارات بنوك، إلى جانب عشرات الوزراء والمسئولين السابقين الذين انتقلوا إلى مواقع مصرفية بعد مغادرة مناصبهم الحكومية.
ولا تتوقف الظاهرة عند الوزراء، إذ تمتد إلى نواب الوزراء ومساعديهم ورؤساء الهيئات الحكومية ومسئولين سابقين في أجهزة رقابية واقتصادية، ما يجعل العلاقة بين الجهاز الحكومي والقطاع المصرفي أكثر تشابكًا.
حضور حكومي داخل مجالس البنوك
تضم القائمة عددًا من الوزراء الحاليين الذين يشغلون عضوية مجالس إدارات بنوك أو مؤسسات مصرفية. ومن أبرز الأسماء، رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي يشغل عضوية مجلس إدارة المصرف العربي الدولي، ونائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية حسين عيسى، الذي يشغل عضوية مجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي، إلى جانب عضويته في بنك الاستثمار القومي.
كما يترأس وزير التخطيط مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي، فيما تترأس وزيرة التضامن الاجتماعي مجلس إدارة بنك ناصر الاجتماعي.
وتضم القائمة كذلك وزير المالية أحمد كوجك، الذي يشغل عضوية مجلس إدارة البنك العربي الأفريقي الدولي، ووزير الاستثمار محمد فريد في بنك الاستثمار القومي، ووزير التموين شريف محمد فاروق في البنك المصري الخليجي. وفي بنك التعمير والإسكان، تظهر ثلاثة أسماء من الحكومة، هم وزيرة الإسكان، ووزير الموارد المائية والري، ووزير الزراعة.
ويعكس هذا الحضور مدى التداخل بين المناصب التنفيذية الحكومية ومجالس إدارات المؤسسات المصرفية، وهي مؤسسات تمتلك دورًا محوريًا في الاقتصاد المصري وإدارة الائتمان والاستثمار والتمويل.
والظاهرة لا تتوقف عند الوزراء الحاليين؛ حيث يظهر عدد أكبر من الوزراء والمسئولين السابقين في مجالس إدارات البنوك. فمن بين الأسماء التي ترد في هذا السياق وزير المالية الأسبق عمرو الجارحي، الذي يرأس مجلس إدارة ميد بنك، ونائب رئيس الوزراء الأسبق زياد بهاء الدين، الذي يرأس مجلس إدارة بنك الإسكندرية، ووزير الصناعة الأسبق طارق قابيل، الذي يرأس مجلس إدارة بنك نيكست التجاري.
كما تضم مجالس إدارات بنوك أخرى وزراء سابقين في مجالات التضامن والتخطيط والاتصالات والزراعة والإسكان والتنمية الإدارية والنقل والصناعة والشباب.
ومن بين هذه الأسماء غادة والي وعاطف حلمي في البنك الأهلي المصري، ونيفين القباج والسيد القصير في ميد بنك، وهالة السعيد في بنك الشركة المصرفية العربية، ورانيا المشاط وأحمد درويش في بنك أبو ظبي الإسلامي.
وتضم القائمة كذلك وزراء سابقين في مجالس إدارات بنك فيصل الإسلامي، وبنك أبو ظبي الأول، والبنك الأهلي الكويتي مصر، وبنك الكويت الوطني مصر، والبنك المصري الخليجي، وبنك التنمية الصناعية وغيرها.
أين الخبرة المصرفية؟
وجود مسئول حكومي سابق في مجلس إدارة بنك لا يمثل في حد ذاته مخالفة، وقد يكون الهدف منه الاستفادة من خبرته في الإدارة العامة أو الاقتصاد أو التشريع أو العلاقات الدولية.
لكن اتساع الظاهرة يطرح سؤالًا مختلفًا: إلى أي مدى ترتبط هذه التعيينات بخبرة مصرفية مباشرة، وإلى أي مدى ترتبط بالمواقع الحكومية التي شغلها أصحابها؟
فالقطاع المصرفي من أكثر القطاعات حساسية، وتحتاج مجالس إدارته إلى خبرات متخصصة في إدارة المخاطر والائتمان والحوكمة والاستثمار والرقابة المالية.
وفي المقابل، فإن عددًا من الأسماء التي تنتقل من المناصب الحكومية إلى مجالس إدارات البنوك تأتي من خلفيات التخطيط أو الإسكان أو التضامن أو الاتصالات أو الزراعة أو الإدارة الحكومية. وهنا يصبح معيار الاختيار وطبيعة الدور الذي يؤديه العضو مسألة أساسية في تقييم الحوكمة داخل البنوك.
ملايين الجنيهات مكافآت لمجالس الإدارات
ولا تقتصر القضية على المناصب، وإنما تمتد إلى المقابل المالي الذي تحصل عليه مجالس إدارات البنوك. وبحسب القوائم المالية لعام 2025، أفصح 17 بنكًا عن قيمة مكافآت أعضاء مجالس إداراتها من الأرباح.
وتصدر بنك أبو ظبي الأول القائمة، بمكافآت بلغت نحو 278 مليون جنيه لمجلس إدارة مكون من تسعة أعضاء، بمتوسط يقارب 31 مليون جنيه للعضو.
وجاء البنك التجاري الدولي في المرتبة التالية، بمكافآت بلغت نحو 160 مليون جنيه لمجلس مكون من 11 عضوًا، بمتوسط 14.5 مليون جنيه للعضو.
وبلغت مكافآت مجلس إدارة البنك الأهلي الكويتي نحو 152 مليون جنيه، بينما حصل مجلس إدارة بنك نيكست التجاري على نحو 103 ملايين جنيه. كما بلغت مكافآت مجلس إدارة بنك تنمية الصادرات نحو 95 مليون جنيه.
وشملت القائمة المصرف العربي الدولي بأكثر من 92 مليون جنيه، والمصري الخليجي بنحو 76.5 مليون جنيه، وبنك قناة السويس بنحو 64 مليون جنيه، وبنك فيصل الإسلامي بنحو 60 مليون جنيه.
وسجل بنك أبو ظبي الإسلامي نحو 58 مليون جنيه، والمصرف المتحد 45 مليونًا، والبنك العربي الأفريقي نحو 43 مليون جنيه، وبنك سايب نحو 35 مليون جنيه، وبنك قطر الوطني مصر نحو 19.5 مليون جنيه، وأبو ظبي التجاري نحو 17.5 مليون جنيه.
وتشير هذه الأرقام إلى أن عضوية مجلس إدارة البنك قد تتحول إلى مصدر دخل كبير، خاصة في المؤسسات المصرفية ذات الأرباح المرتفعة.
المكافآت ليست كل شيء
لكن الأرقام السابقة لا تُمثل إجمالي ما يحصل عليه أعضاء مجالس الإدارات. فإلى جانب مكافآت الأرباح، توجد بدلات حضور اجتماعات مجالس الإدارة، وبدلات الانتقال، والمقابل المالي المرتبط برئاسة أو عضوية اللجان المتخصصة، مثل لجان المراجعة والمخاطر والحوكمة والترشيحات والمكافآت.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى وجود مسئولين سابقين في مواقع قيادية داخل هذه اللجان، ما يضيف إلى مسئولياتهم ومزاياهم المالية.
وبالتالي، فإن معرفة القيمة الكاملة لما يحصل عليه عضو مجلس الإدارة تحتاج إلى الاطلاع على جميع بنود المكافآت والبدلات، وليس فقط نصيبه من الأرباح.
القانون يضع قيودًا على ازدواج العضوية
الأكثر إثارة للجدل يتعلق بحالات الجمع بين عضوية أكثر من بنك. وينص قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، في المادة 122، على عدم جواز أن يجمع عضو مجلس إدارة البنك بين عضويته وعضوية مجلس إدارة بنك آخر أو شركة منح ائتمان، أو أن يقوم بأعمال الإدارة أو الاستشارة في أي منها.
وبحسب البيانات الواردة، توجد حالات تجمع بين عضوية مجلسي إدارة مصرفين، ومن أبرز النماذج المذكورة نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية حسين عيسى، الذي يجمع بين عضوية مجلسي إدارة بنك فيصل الإسلامي وبنك الاستثمار القومي.
كما يرد اسم أسامة صالح في عضوية مجلسي كريدي أجريكول وبنك الاستثمار القومي، ومحمد الإتربي في البنك الأهلي وبنك الاستثمار القومي، وزياد بهاء الدين في بنك الإسكندرية وبنك البركة.
وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين المخالفة القانونية المؤكدة وبين الحالات التي قد يكون لها وضع قانوني خاص بحكم طبيعة البنك أو طبيعة العضوية أو وجود استثناءات أو ترتيبات تنظيمية. لكن مجرد وجود حالات تبدو ظاهريًا متعارضة مع نص القانون يستحق تفسيرًا رسميًا واضحًا من الجهات الرقابية.
تعدد المناصب.. شبكة واسعة
تبدو قضية عضوية مجالس البنوك جزءًا من ظاهرة أكبر، تتمثل في تعدد المناصب التي يشغلها عدد من الوزراء والمسئولين الحاليين والسابقين. فبعض المسئولين يجمعون بين عضوية مجالس إدارات البنوك، ومجالس إدارات الشركات، والهيئات الاقتصادية، والجامعات، ومجالس الأمناء واللجان الحكومية.
ويظهر زياد بهاء الدين، على سبيل المثال، في أكثر من موقع إداري وقانوني، إلى جانب رئاسته مجلس إدارة بنك الإسكندرية وعضويته في بنك البركة، وفق البيانات التي يستند إليها التقرير.
وتثير هذه الظاهرة سؤالًا يتعلق بقدرة الشخص نفسه على أداء جميع هذه المسئوليات بكفاءة واستقلالية، فضلًا عن مسألة تضارب المصالح المحتمل عندما تتقاطع المصالح الحكومية مع المصالح المصرفية أو التجارية.
من الحكومة إلى البنوك.. هل توجد «دائرة مغلقة»؟
المشكلة لا تكمن بالضرورة في انتقال المسئول الحكومي إلى القطاع الخاص بعد ترك منصبه. ففي العديد من الأنظمة الاقتصادية، يمثل انتقال الخبرات بين القطاع العام والخاص أمرًا طبيعيًا، بل قد يكون مفيدًا إذا تم وفق قواعد واضحة للحوكمة والإفصاح ومنع تضارب المصالح.
لكن الخطورة تظهر عندما تتحول العلاقة إلى دائرة مغلقة: مسئول حكومي يشرف على قطاع اقتصادي، ثم ينتقل إلى مجلس إدارة مؤسسة تعمل في القطاع نفسه، أو يجمع في الوقت ذاته بين مواقع متعددة يمكن أن تتعارض مصالحها.
وفي هذه الحالة، تصبح الشفافية عنصرًا أساسيًا للإجابة عن أسئلة من نوع: من يختار هؤلاء الأعضاء؟ وما المعايير؟ وما طبيعة صلاحياتهم؟ وكيف يتم منع تضارب المصالح؟ وهل توجد فترة زمنية فاصلة بين المنصب الحكومي والموقع المصرفي في الحالات الحساسة؟
البنوك ليست شركات عادية
تزداد أهمية هذه الأسئلة لأن البنوك لا تعمل كالشركات التجارية التقليدية، فهي تتعامل مع أموال المودعين، وتؤثر في الائتمان والاستثمار وسعر الفائدة والسيولة، كما ترتبط بصورة مباشرة بالسياسة النقدية والاقتصاد الكلي.
وفي حالة البنوك التي تساهم فيها الدولة أو ترتبط بمؤسسات حكومية، تزداد حساسية العلاقة بين القرار الحكومي والقرار المصرفي. ولهذا فإن استقلال مجالس الإدارات ووضوح قواعد الحوكمة لا يمثلان مسألة شكلية، وإنما جزء من حماية النظام المصرفي نفسه.
السؤال الأهم: أين الرقابة؟
كشفت هذه البيانات عن حاجة إلى قدر أكبر من الإفصاح الرسمي حول آليات اختيار أعضاء مجالس إدارات البنوك، وخاصة الشخصيات التي تشغل في الوقت نفسه مناصب حكومية.
كما تحتاج حالات ازدواج العضوية التي تبدو متعارضة مع المادة 122 من قانون البنك المركزي إلى توضيح من البنك المركزي والجهات المختصة، حتى لا تظل المسألة محل اجتهاد أو تضارب في التفسيرات، فالرقابة لا ينبغي أن تبدأ بعد ظهور المشكلة، وإنما من لحظة اختيار عضو مجلس الإدارة.
وفي النهاية، فإن القضية ليست في كون الشخص وزيرًا أو مسئولًا سابقًا، ولا في حصوله على مكافأة مقابل عضوية مجلس الإدارة؛ وإنما في مدى توافر الخبرة والاستقلالية، ووضوح معايير الاختيار، ومنع تضارب المصالح، والالتزام بالقانون، والإفصاح الكامل عن المقابل المالي والمناصب المتعددة.
ومع اتساع حضور الوزراء والمسئولين الحاليين والسابقين داخل مجالس إدارات البنوك، تبدو الحاجة أكبر إلى فتح ملف الحوكمة المصرفية بصورة علنية، ليس للتشكيك في أشخاص بعينهم، وإنما للإجابة عن سؤال جوهري: هل تعمل مجالس إدارات البنوك وفق قواعد الخبرة والاستقلال والشفافية، أم أن شبكة المناصب الحكومية والاقتصادية أصبحت بوابة متبادلة لتدوير النخب بين السلطة والقطاع المصرفي؟