على خلاف الخطاب الدعائي الذي يروج لمشروع تطوير بحيرة المنزلة كإنجاز اقتصادي، يواجه "التطوير" اتهامات مباشرة بالتسبب في كارثة بيئية وثقتها الأبحاث الأكاديمية؛ حيث كشفت دراسة دولية نُشرت في مجلة Scientific Reports عن ارتفاع ملوحة مياه البحيرة بنسبة قياسية بلغت 61%، لتقفز من 6.54 بالألف إلى 10.53 بالألف، مما أدى إلى انخفاض التنوع البيولوجي وتراجع أنواع العوالق الحيوانية من 43 إلى 31 نوعاً.
هذا الخلل البيئي، المقترن بنقص الأكسجين وارتفاع مستويات التلوث العضوي في الأجزاء الجنوبية، تداخل بشكل كارثي مع موجات الحرارة ليحيل أجزاء من البحيرة إلى مقبرة مفتوحة شهدت نفوق أطنان من الأسماك، مهدداً سلسلة الأنشطة الاقتصادية وحياة آلاف الأسر التي عاشت لعقود تصف المطرية بأنها "رئة مصر السمكية".
وتقلصت المساحة التي بلغت تاريخياً نحو 750 ألف فدان، وتراجعت نتيجة العقود الماضية والتعديات بمقدار 500 ألف فدان (أي خسارة 66.7% من مساحتها التاريخية)، لتصل إلى 150 ألف فدان.
ويعتمد عليها نحو 25 ألف صياد يمتلكون قرابة 5 آلاف مركب صيد. وتشير الأرقام الرسمية إلى وجود 27 ألف صياد من أبناء الدقهلية، بإنتاجية تبلغ 60 ألف طن سنويًا.
وتاريخياً كانت المطرية مركزاً رئيسياً لإنتاج الأسماك الطبيعية، إلا أن حصة الإنتاج المعاصر تغيرت مع التوسع الكبير في المزارع السمكية.
ويشتكي الصيادون المحليون من تقلص مساحات "الصيد الحر" واختفائه تدريجياً لصالح توسع المزارع السمكية ويشير الأكاديميون إلى أن المزارع السمكية أقدر على الإنتاج الوفير، بينما يشكو أصحاب المزارع أنفسهم من ارتفاع الإيجارات والرسوم الإدارية.
السمك ميت بـ"الكوم"
«مش عارفين نعمل إيه ولا نتصرف إزاي.. كل يوم الصبح نصحى نلاقي السمك اللي ميت بالكوم». بهذه الكلمات يصف مزارعون في بحيرة المنزلة موجات نفوق الأسماك التي يقولون إنها تكررت خلال السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها خلال صيف 2025، مخلفة خسائر مالية كبيرة لأصحاب المزارع.
وتضع شهادات المزارعين أصابع الاتهام في اتجاه التغيرات التي طرأت على البحيرة بعد مشروعات التطوير والتكريك، خصوصًا زيادة الملوحة. لكن الصورة التي تقدمها الدراسات العلمية والتصريحات الرسمية أكثر تعقيدًا: التطوير غيّر بالفعل خصائص البحيرة، ورفع الملوحة بصورة ملحوظة، لكنه حسّن في الوقت نفسه بعض مؤشرات جودة المياه، بينما ما زال التلوث العضوي والمغذيات وارتفاع درجات الحرارة يمثلون ضغوطًا قوية على النظام البيئي.
وبدأت أعمال تطوير بحيرة المنزلة على نطاق واسع خلال السنوات الماضية، وشملت التكريك وإزالة الحشائش وفتح وتعميق قنوات الاتصال بالبحر وإزالة تعديات ومنشآت داخل المسطح المائي.
دراسة Scientific Reports في مايو 2025 شارك فيها 4 باحثين هم سليم محمد السيد، ومحمود حسن حجاب، ومصطفى صبحي عبد الحميد، ومحمد السيد جبر، ووهم باحثون من المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد. EBSCO
وأوضحت الدراسة أن الملوحة ارتفعت بأكثر من 60%، كمؤشر على تغير خصائص البحيرة، حيث ارتفعت من 6.54 بالألف عام 2015 إلى 10.53 بالألف عام 2022، أي زيادة تقارب 61%، كما ارتفع نطاق الملوحة القصوى من 22.52 بالألف إلى 39.06 بالألف، وذلك بحسب الدراسة.
وكان التغير أكثر وضوحًا في بعض القطاعات؛ إذ بلغ متوسط الملوحة في القطاع الأوسط 4.01 بالألف عام 2015 مقابل 12.98 بالألف عام 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف.
وفي القطاع الشمالي ارتفع المتوسط من 11.95 إلى 16.63 بالألف، بينما ظل القطاع الجنوبي أقل ملوحة نسبيًا، عند 2.15 مقابل 3.45 بالألف. PMC. وهذه الأرقام تؤكد أن البحيرة شهدت تحولًا حقيقيًا في طبيعة المياه، خصوصًا في المناطق الشمالية والوسطى.
لكن ارتفاع الملوحة لا يعني وحده أن الأسماك ستنفق؛ فالأنواع تختلف في قدرتها على تحمل الملوحة. الأهم هو أن التغير في الملوحة يغير أيضًا تركيب الكائنات التي تعيش في البحيرة ومصادر الغذاء المتاحة للأسماك.
وتناقص 43 نوعًا من العوالق فأصبحت 31، بتغير في تركيب النظام البيئي ،43 نوعًا من العوالق الحيوانية عام 2015، مقابل 31 نوعًا فقط عام 2022.
وفي المقابل ارتفع عدد الأنواع المرتبطة بالمياه المالحة إلى 12 نوعًا، وانتشرت هذه الأنواع في مناطق شمالية ووسطى لم تكن تهيمن عليها من قبل. وخلص الباحثون إلى أن التكريك غيّر الخصائص الكيميائية والبيئية للبحيرة، خصوصًا من خلال زيادة الملوحة وتغيير تركيب العوالق.
مؤشرات التلوث
وفي المقابل، لا تقدم الدراسة العلمية صورة تقول إن كل شيء أصبح أسوأ بعد التطوير، فمتوسط BOD، وهو مؤشر على كمية الأكسجين التي تحتاجها الكائنات الدقيقة لتحليل المواد العضوية، انخفض من 29.36 إلى 23.26 ملغم/لتر، أي بنحو 21%.
كما انخفض متوسط COD (أحد أهم المؤشرات القياسية العالمية المستخدمة لتقييم درجة تلوث المياه بالمواد العضوية والكيميائية) من 60.48 إلى 49.12 ملغم/لتر، أي بنحو 19% تقريبًا، وارتفع متوسط الأكسجين الذائب من 5.73 إلى 6.96 ملغم/لتر. الصورة الأدق هي أن بعض مؤشرات التلوث تحسنت، في حين حدث تغير كبير في الملوحة والتركيب البيئي.
جنوب البحيرة.. المشكلة الأكثر تعقيدًا
وإذا كانت الملوحة هي التغير الأبرز في الشمال والوسط، فإن التلوث العضوي والمغذيات يمثلان المشكلة الأكبر في الجنوب، فوجدت الدراسة أعلى مستويات BOD وCOD والمغذيات في القطاع الجنوبي، مقارنة بالمناطق الشمالية والوسطى. كما سجلت بعض المواقع الجنوبية مستويات منخفضة جدًا من الأكسجين الذائب وصلت إلى 0.66 ملغم/لتر في 2022.
وهذه نقطة مهمة في تفسير نفوق الأسماك؛ لأن ارتفاع المواد العضوية والمغذيات يعني زيادة المواد التي يمكن أن تتحلل وتستهلك الأكسجين من المياه. PMC
مفرطة الإثراء الغذائي
وفي دراسة أحدث منشورة في 2026، جرى تقييم حالة مياه بحيرة المنزلة باستخدام 12 محطة رصد موزعة على قطاعات البحيرة، مع تحليل مؤشرات جودة المياه والمغذيات والمعادن الثقيلة.
ووجد الباحثون أن البحيرة ما زالت تعاني من تدرج واضح من الشمال إلى الجنوب في التدهور البيئي، مع تحميل مرتفع للملوثات العضوية وغير العضوية في الجنوب والجنوب الشرقي، خصوصًا بالقرب من مصارف بحر البقر والهدوس والسرو.
وسجل مؤشر الحالة الغذائية TSI بين 70 و90، وهي مستويات تصنف البحيرة ضمن نطاق فرط الإثراء الغذائي الشديد (hypereutrophic)، مع تجاوز المؤشر 85 في بعض الأحواض الجنوبية والشرقية.
كما وجدت الدراسة (منشورة في Nature) مستويات مرتفعة من بعض المعادن الثقيلة، بينها الرصاص والنيكل والكروم في مواقع معينة.
الحرارة ونفوق الأسماك
وهنا يظهر تفسير آخر لا يمكن تجاهله؛ فارتفاع درجة حرارة المياه يؤدي إلى زيادة الضغط على الأسماك، كما أن المياه الدافئة تكون أقل قدرة على الاحتفاظ بالأكسجين.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتزامن الحرارة المرتفعة مع وجود مواد عضوية ومغذيات كثيرة؛ إذ يمكن أن تزداد معدلات التحلل والنشاط الميكروبي واستهلاك الأكسجين.
وهذا التفسير يتوافق مع تصريحات د. أحمد سني الدين، مدير عام المزارع بجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، الذي قال في تصريحات صحفية خلال أغسطس 2025 إن ارتفاع درجات الحرارة كان عاملًا رئيسيًا في نفوق الأسماك، وأن الحرارة تؤثر في الأسماك وجودة المياه.
د. معاطي قشطة أستاذ الموارد المائية ومالك مزرعة في البحيرة، وهو من أبرز الأصوات التي ربطت النفوق بالملوحة، يقول في تصريحات صحفية إن الارتفاع الكبير في ملوحة المياه يمثل عاملًا رئيسيًا وراء نفوق الأسماك، وربط التغيرات التي شهدتها البحيرة بأعمال التطوير.
وتتوافق شهادته جزئيًا مع ما وجدته الدراسة العلمية من ارتفاع كبير في الملوحة بين 2015 و2022، ويتحدث قشطة عن تفسير النفوق، بينما الدراسة العلمية تثبت تغير الملوحة والنظام البيئي، ولا تثبت أن الملوحة وحدها تفسر كل حالات النفوق.
أما د. عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، فقد ركز في تصريحات سابقة على مشكلة الصرف والتلوث في البحيرة؛ وتكمن أهمية هذا العامل في أن البحيرة تاريخيًا تستقبل مياه مصارف محملة بملوثات زراعية وصحية وصناعية، ولذلك فإن تحسين جودة البحيرة لا يعتمد فقط على فتح قنوات الاتصال بالبحر أو التكريك، وإنما أيضًا على معالجة مصادر الصرف قبل وصولها إليها.
وهذا الاستنتاج تؤيده الدراسة الحديثة؛ إذ خلص الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع المؤشرات الغذائية والتلوث في المناطق الجنوبية يعني أن معالجة مياه الصرف وتقليل كمياتها يظلان ضروريين لتحسين حالة البحيرة.
وفي 2025، تقدمت النائبة إيفلين متى بطلب إحاطة بشأن ارتفاع ملوحة مياه بحيرة المنزلة وتغير لونها، مستندة إلى شكاوى مرتبطة بأوضاع البحيرة والمزارع السمكية.
والمزارعون الذين تحدثت إليهم تقارير صحفية يذكرون خسائر تصل إلى مئات الآلاف أو أكثر من مليون جنيه للمزرعة الواحدة، لكن لا توجد — في المصادر العلمية التي جرى فحصها — سلسلة رسمية منشورة توضح إجمالي وزن الأسماك النافقة في بحيرة المنزلة لكل عام.
https://x.com/drmgaweesh/status/2102037169694970286
https://x.com/SaheehMasr/status/2102085603999322194
https://x.com/3nan_ma/status/2089804527268434109