لم يكن دخول سامي خميس إلى أروقة المحاكم بحثًا عن رفاهية أو نزاع يمكنه تأجيله، وإنما كان دفاعًا عن نفسه في قضية كادت تنتهي به إلى السجن، بعدما صدم شابًا يستقل دراجة نارية أثناء عمله سائقًا على سيارة نقل جماعي.
ورغم تحمله تكاليف علاج الشاب المصاب، رفض الأخير التنازل عن القضية، لتوجه النيابة إلى سامي اتهامًا بالتسبب خطأ في إصابته وإحداث عاهة مستديمة، وهي تهمة كان يمكن أن تقوده إلى السجن لمدة عام.
على مدار 7 أشهر من التقاضي، أنفق سامي نحو 50 ألف جنيه بين أتعاب المحاماة ومصروفات وإجراءات مرتبطة بالدعوى، قبل أن يحصل على البراءة بعدما أثبت التقرير الفني التزامه بقانون المرور، وأن سائق الدراجة النارية خرج من شارع في الاتجاه العكسي، ما تسبب في وقوع الحادث.
يقول سامي إن دخله الشهري لا يتجاوز 12 ألف جنيه في أفضل الأحوال، شريطة ألا يتغيب عن العمل يومًا، مشيرًا إلى أن مصروفات القضية كانت تلتهم أكثر من نصف دخله شهريًا، بين دفعات للمحامي ومصاريف التقاضي.
ويضيف: «اضطررت إلى بيع غرفة السفرة حتى أتمكن من تغطية تكاليف القضية، وكان المحامي يقول لي إنه تقاضى أتعابًا أقل من المعتاد رأفة بحالي، لكن تكاليف الأوراق والخدمات المميكنة كانت السبب في ارتفاع تكلفة القضية».
فاتورة لا تتوقف عند أتعاب المحامي
قصة سامي ليست مجرد واقعة فردية، إذ يجد كثير من المتقاضين أنفسهم أمام فاتورة تتسع بنودها كلما طال أمد القضية، فلا تقتصر التكلفة على أتعاب المحامي، وإنما تمتد إلى استخراج المستندات وتصوير الأوراق والإعلانات والخدمات المميكنة وغيرها من الإجراءات المرتبطة بسير الدعوى.
وقد تبدو كل واحدة من هذه المصروفات محدودة إذا جرى النظر إليها منفردة، لكنها تتحول مع امتداد القضية لشهور إلى عبء كبير على أصحاب الدخول المحدودة، خصوصًا في القضايا التي تتطلب حضورًا متكررًا واستخراج مستندات وإجراءات متعددة.
وتزداد المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر بقضية جنائية، إذ لا يملك المتهم ببساطة خيار الانسحاب من إجراءاتها، بينما يصبح ملزمًا بالدفاع عن نفسه وتحمل تكاليف الإجراءات مهما كانت ظروفه الاقتصادية.
ومن هنا يطرح ارتفاع تكلفة التقاضي سؤالًا أوسع: هل أصبح الوصول إلى العدالة مرتبطًا، بصورة متزايدة، بالقدرة على تحمل تكلفتها؟
«التقاضي بالباقات».. الرقمنة تدخل مرحلة جديدة
مع استعداد وزارة العدل لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، اتجهت الوزارة إلى توسيع منظومة التقاضي الرقمي وعن بُعد، وأطلقت في نهاية أغسطس منصة إلكترونية جديدة لخدمات التقاضي أمام محاكم جنايات أول درجة.
وتتيح المنصة للمحامين وأطراف الدعاوى، إلى جانب الشهود والخبراء والأطباء الشرعيين، حضور الجلسات إلكترونيًا، والحصول على صور رقمية معتمدة من ملفات القضايا، وسداد الرسوم إلكترونيًا، فضلًا عن تلقي قرارات الجلسات وإخطارات المواعيد عبر الرسائل النصية.
غير أن التوسع في الرقمنة فتح في الوقت نفسه نقاشًا حول تكلفة استخدام هذه الخدمات.
وبحسب محامين حاولوا التسجيل على المنصة، فإن الاشتراك السنوي للمحامي يبلغ 500 جنيه، مع 500 جنيه أخرى لحضور جلسة الجنايات عن بُعد، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس.
كما تتضمن الخدمات رسومًا أخرى، من بينها 10 جنيهات مقابل تصوير الورقة الواحدة من ملف القضية الجنائية، إلى جانب باقة رسائل نصية تضم 500 رسالة مقابل 2500 جنيه لمتابعة قرارات الجلسات فور صدورها.
وهكذا، تتحول بعض الخدمات التي يفترض أن تختصر الوقت والانتقال إلى بنود جديدة في فاتورة التقاضي، وهو ما يثير مخاوف من أن تنعكس تكلفة الرقمنة في النهاية على المتقاضي.
المواطن هو من سيدفع
يقول المحامي أحمد الجارحي إن المحامي لا يستطيع، في نهاية الأمر، تحمل جميع المصروفات المرتبطة بالقضية من ماله الخاص، وبالتالي تنتقل التكلفة إلى المواطن.
ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة الخدمات والإجراءات المرتبطة بالدعاوى أصبح مؤثرًا في قرار بعض الموكلين باللجوء إلى القضاء من الأساس، موضحًا أن بعضهم يتراجع عن إقامة دعوى بعدما يتعرف على حجم المصروفات المطلوبة.
ويرى الجارحي أن المشكلة قد تصبح أكثر وضوحًا مع التوسع في التقاضي عن بُعد، إذا أضيفت رسوم جديدة إلى تكلفة القضية، خصوصًا إذا تحولت الخدمات الرقمية تدريجيًا من خيار متاح إلى مسار ضروري لإنجاز بعض الإجراءات.
ويحذر من أن تراكم المصروفات قد يدفع بعض أصحاب النزاعات إلى البحث عن تسويات ودية حتى في الحالات التي لا تكون فيها التسوية عادلة بصورة كاملة، فقط لتجنب تحمل نفقات التقاضي.
ويقول إن الأمر أكثر تعقيدًا في القضايا الجنائية، لأن المتهم لا يستطيع ببساطة الانسحاب من القضية، ويظل مضطرًا إلى تحمل تكاليف الدفاع والإجراءات حتى إذا كانت قدرته المالية محدودة.
الجدل الدستوري.. هل يجوز فرض الرسوم بقرار إداري؟
لا يتوقف الاعتراض على قيمة الرسوم وحدها، وإنما يمتد إلى الأساس القانوني لفرضها.
وتنص المادة 38 من الدستور المصري على أن فرض الضرائب والرسوم العامة لا يكون إلا في حدود القانون، بينما تكفل المادة 97 حق التقاضي، وتنص المادة 98 على ضمان حق الدفاع.
وانطلاقًا من هذه النصوص، أقام عدد من المحامين دعوى أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، مطلع سبتمبر الحالي، طالبوا فيها بوقف وإلغاء الرسوم المفروضة للاشتراك في منصة التقاضي عن بُعد واستخدام خدماتها.
واستند مقدمو الدعوى، بحسب ما ورد في الطعن، إلى أن فرض هذه المبالغ يمثل عبئًا ماليًا يمكن أن يؤثر في إمكانية الوصول إلى العدالة، كما دفعوا بأن فرض رسوم عامة يجب أن يستند إلى تشريع وليس إلى قرار إداري.
واستشهد مقدمو الدعوى بأحكام سابقة للمحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا، قالوا إنها تؤكد أن تطوير مرفق القضاء وإدخال التكنولوجيا إليه لا يبرران فرض أعباء مالية جديدة خارج الإطار التشريعي.
ولا يزال الفصل القضائي في مدى قانونية هذه الرسوم ومسار الطعن عليها منفصلًا عن الجدل المجتمعي والمهني بشأن أثرها على المتقاضين.
نقابة المحامين: أعباء جديدة قد ترفع تكلفة الدفاع
من جانب آخر، يقول سعيد عبد الخالق، وكيل نقابة المحامين، إن الرسوم الجديدة تنعكس في النهاية على المواطن قبل المحامي، لأن المحامي يحصل على أتعابه نظير عمله في القضية، بينما تتحول المصروفات التي تفرضها المنظومة إلى أعباء إضافية يتحملها الموكل.
ويرى عبد الخالق أن تراكم رسوم الخدمات القضائية والميكنة قد يؤدي إلى ارتفاع أتعاب المحامين خلال الفترة المقبلة، لأن المحامي لن يستطيع تحمل هذه المصروفات بصورة مستمرة بدلًا من صاحب القضية.
كما يرى أن تطبيق التقاضي عن بُعد كان يحتاج إلى مرحلة تجريبية أوسع قبل التوسع في استخدامه، بما يسمح برصد المشكلات التقنية والإجرائية التي قد تظهر أثناء التطبيق ومعالجتها.
ويثير موقف المحامين كذلك تساؤلًا بشأن طبيعة الرسوم المفروضة على خدمات المنصة، وما إذا كان إدخال التكنولوجيا إلى مرفق العدالة ينبغي أن يؤدي إلى خفض التكلفة على المتقاضي، أم يتحول إلى قناة جديدة لتحصيل رسوم مقابل الخدمات الرقمية.
عندما تصبح العدالة فاتورة
بين قضية سامي خميس التي كلفته نحو 50 ألف جنيه، واضطرته إلى بيع جزء من أثاث منزله، وبين الرسوم الجديدة المرتبطة بخدمات التقاضي الرقمي، تبدو المشكلة أوسع من مجرد قيمة رسم أو أتعاب محامٍ.
فالمتقاضي محدود الدخل لا يواجه فقط احتمال خسارة القضية، وإنما يواجه أيضًا تكلفة الوصول إلى المحكمة والاستمرار فيها، بما يشمل المحامي والمستندات والإعلانات والخدمات المميكنة والانتقال وغيرها من المصروفات التي تتراكم على مدار شهور.
وفي المقابل، فإن التحول الرقمي يمكن أن يوفر وقتًا وجهدًا ويقلل الحاجة إلى الانتقال والانتظار، لكن نجاحه في تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطًا بكيفية تسعير خدماته ومدى قدرة المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول المحدودة، على تحمل تكلفتها.
وبينما يبقى حق التقاضي مكفولًا دستوريًا، فإن ارتفاع تكلفة ممارسة هذا الحق يضع سؤالًا جوهريًا أمام منظومة العدالة: كيف يمكن ضمان أن تظل أبواب المحاكم مفتوحة أمام من يحتاج إليها، لا أمام من يستطيع فقط تحمل فاتورتها؟
بالنسبة إلى سامي، لم تكن القضية مجرد ملف قضائي انتهى بحكم بالبراءة، بل تجربة امتدت 7 أشهر وكلفته جزءًا كبيرًا من دخله، وانتهت ببيع غرفة من منزله حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه.
أما بالنسبة إلى ملايين المتقاضين المحتملين، فإن السؤال لا يتعلق فقط بتطوير القضاء ورقمنته، وإنما بكلفة هذا التطوير، ومن سيدفعها في النهاية.