كانت صناعة الأثاث واحدة من أبرز الصناعات التى اشتهرت بجودتها ومهارة صناعها وقد كانت مصدر رزق لآلاف الأسر ، أصبحت فى زمن الانقلاب تواجه الانهيار، لأنها تواجه تحديات غير مسبوقة فى ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الخامات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل.
الأزمة لم تتوقف عند حدود ارتفاع الأسعار أو تراجع حركة البيع والشراء، بل امتدت إلى الورش والمصانع ، فمع تصاعد الأعباء المالية وتراجع الطلب، أصبح عدد من أصحاب الورش غير قادرين على تغطية تكاليف التشغيل أو الوفاء بأجور العمال، ما دفعهم إلى تقليص نشاطهم، بينما اضطر آخرون إلى إغلاق ورشهم نهائيًا وترك عدد من الحرفيين المهنة بحثًا عن مصادر دخل أخرى.
فى المقابل أعرب عدد من المواطنين عن استيائهم من الارتفاع الكبير فى أسعار الأثاث، مؤكدين أن تجهيز منزل أصبح يمثل عبئًا يفوق قدرات الشباب المقبلين على الزواج.
ارتفاع الأسعار
فى هذا السياق قال أحمد، 35 عامًا، إنه يجهز للزواج منذ عامين وما زال غير قادر على استكمال تجهيزات زواجه بسبب ارتفاع الأسعار .
وأضاف : غرفة النوم وحدها أصبحت تساوى تكلفة الزواج منذ سنوات قليلة، والأسعار خلال السنوات الماضية ارتفعت بصورة غير مسبوقة .
وأكد ماهر، 38 عامًا، أن أسعار الأثاث ارتفعت بشكل مبالغ فيه مقارنة بمستويات الدخل، لافتًا إلى أن بعض الخامات لم تعد بنفس الجودة السابقة رغم ارتفاع الأسعار .
وحذر من أنه إذا استمرت الأسعار بهذا الشكل، ستصبح فكرة الزواج نفسها صعبة على عدد كبير من الشباب.
حالة ركود
وأكد صلاح صاحب معرض أثاث، أن السوق يشهد حالة ركود شديدة فى ظل تراجع حركة البيع والشراء، مرجعًا ذلك إلى مجموعة عوامل فى مقدمتها الأوضاع الاقتصادية الحالية، وارتفاع سعر الدولار، فضلًا عن الحروب والأزمات العالمية التى انعكست على أسعار الخامات.
وقال صلاح : بعض كبار التجار يساهمون فى تفاقم الأزمة من خلال احتكار الخامات وتخزينها لفترات طويلة، ثم طرحها فى الأسواق عند ارتفاع الأسعار لتحقيق مكاسب أكبر، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على أوقات الأزمات فقط، بل تحدث أحيانًا حتى فى فترات استقرار السوق، حيث يتم استغلال أى أخبار أو توقعات بزيادة الأسعار لرفع أسعار الخامات بشكل مبالغ فيه.
وأوضح أن العملاء أصبحوا يبحثون عن أقل سعر ممكن مع الحفاظ على الجودة، وهو أمر يصعب تحقيقه فى ظل الارتفاع الكبير فى تكلفة الخامات.
وأشار صلاح إلى أن أقل غرفة نوم شعبية جاهزة تبدأ من نحو 25 ألف جنيه، بينما تتراوح أسعار غرف النوم المصنوعة من خامات جيدة بين 70 و80 ألف جنيه، وقد تبدأ بعض الغرف المصنعة بالعمولة من نحو 60 ألف جنيه.
المعارض والورش
وأكد أن الركود الحالى أثر بشكل مباشر على أصحاب المعارض والورش، خاصة من يتحملون تكلفة العمالة والإيجارات والخامات، ما دفع عددًا من الورش والمصانع إلى الإغلاق بسبب عدم القدرة على تغطية النفقات.
وطالب صلاح بفرض رقابة أكبر على الأسواق والخامات والتصدي للممارسات الاحتكارية، مؤكدًا أن ضبط الأسواق ومراقبة كبار التجار من شأنه المساهمة فى استقرار الأسعار وإنعاش الصناعة.
وشدد على أن انخفاض سعر الدولار وحده لا يكفى لخفض الأسعار، لأن بعض التجار لا يعكسون هذا الانخفاض على أسعار الخامات، ما يستدعى تدخلًا رقابيًا لضمان التزام الجميع بأسعار عادلة.
وكشف صلاح أن أصحاب المعارض يضطرون أحيانًا إلى شراء الخامات أو المنتجات بأسعار مرتفعة للحفاظ على توافر البضائع داخل معارضهم وتلبية احتياجات العملاء، حتى لا تتضرر سمعة المعرض أو يفقد زبائنه.
وأوضح أن أسعار الأنتريهات الشعبية تبدأ من نحو 25 ألف جنيه، بينما تبدأ أسعار غرف السفرة الشعبية الكاملة من نحو 27 ألف جنيه وتزداد وفقًا للخامات والتشطيبات لتصل لـ٤٥ ألف جنيه.
تراجع الطلب
واعتبر محمد شبراوي، عضو شعبة الأثاث، إن الأزمة الحالية هى انعكاس مباشر للأوضاع الاقتصادية العامة، موضحًا أن المواطنين أصبحوا يوجهون دخولهم لتغطية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وعلاج، بينما تراجعت أولويات شراء الأثاث وتجديد المنازل.
وقال شبراوى فى تصريحات صحفية إن ارتفاع تكاليف الزواج ساهم أيضًا فى تراجع الطلب على الأثاث، خاصة مع صعوبة إقدام الشباب على الزواج فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وأشار إلى أن أصحاب الورش يواجهون أعباء متزايدة تشمل ارتفاع أسعار الخامات والكهرباء وأجور العمال والتأمينات والرسوم المختلفة، مؤكدًا أن أجر العامل المتخصص يصل إلى نحو 600 جنيه يوميًا.
وأوضح شبراوى أن الورشة الصغيرة التى تضم خمسة أو ستة عمال تحتاج إلى آلاف الجنيهات يوميًا لتغطية الأجور فقط، بخلاف تكلفة الخامات والمرافق، ما يدفع أصحاب الورش إلى الإغلاق لعجزهم عن الاستمرار.
وكشف أن عددًا من الحرفيين اضطروا إلى ترك المهنة والاتجاه إلى أعمال أخرى أكثر استقرارًا بعد تراجع حجم العمل وانخفاض الدخل بصورة كبيرة.
أسعار الخامات
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور صالح عزب، إن صناعة الأثاث تواجه تحديات حقيقية نتيجة الارتفاعات القياسية فى أسعار المواد الخام، وعلى رأسها الأخشاب، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتقلبات أسعار العملات الأجنبية.
وأكد عزب فى تصريحات صحفية أن أسعار الخامات ارتفعت بأكثر من 20% خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن اعتماد الصناعة على استيراد الأخشاب والمواد الخام يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالأزمات العالمية.
وكشف أن القطاع يواجه تحديات أخرى تتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن، فضلًا عن ضعف التحديث التكنولوجى داخل عدد كبير من المصانع والورش، ما يقلل من قدرتها التنافسية محليًا وعالميًا.
وطالب عزب بإنقاذ صناعة الأثاث من خلال تبنى حزمة إجراءات عاجلة، تشمل إنشاء مراكز لوجستية لدعم الصادرات، وتنويع مصادر استيراد الأخشاب، ومنع الممارسات الاحتكارية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، بالإضافة إلى التوسع فى استخدام البدائل المحلية ومخلفات النخيل لتقليل فاتورة الاستيراد.