جيش داخل الجيش.. كيف تحوّلت مستوطنات الضفة إلى ذراع لتهجير الفلسطينيين تحت مظلة الاحتلال؟

- ‎فيعربي ودولي

تتعمق العلاقة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحركة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، في مسار يرى الباحث في العلاقات المدنية-العسكرية "ياغيل ليفي" أنه أفرز بنية عسكرية موازية داخل المؤسسة الأمنية، تعمل عند تقاطع الجيش والمستوطنين واليمين الصهيوني الديني.

ويطلق ليفي على هذه البنية وصف "الجيش الشرطي"، معتبرًا أنها لم تعد مجرد وحدات عسكرية تتولى حماية المستوطنات، وإنما تحولت تدريجيًا إلى قوة تتداخل فيها المصالح والعلاقات الاجتماعية والأيديولوجية بين الجنود والمستوطنين، بما ينعكس على طريقة تعامل الجيش مع الفلسطينيين ومع عنف المستوطنين.

وفي تحليل نشرته مجلة "+972"، يرى ليفي أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أصبح، فيما يتعلق بالفلسطينيين، منقسمًا عمليًا إلى جيش رسمي من جهة، وقوة ذات طابع شرطي تعمل في الضفة الغربية من جهة أخرى، ترتبط بصورة وثيقة بالمشروع الاستيطاني والتيار الديني القومي.

وبحسب هذا التحليل، فإن النتيجة تتمثل في انحياز مؤسسي لمصلحة المستوطنين، يظهر في التغاضي عن إقامة البؤر الاستيطانية غير المرخصة، والتباطؤ في التعامل مع اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وأحيانًا المشاركة فيها.

من "جيش شرطي" إلى أداة للتهجير

يرى ليفي أن هذا البناء أصبح أكثر رسوخًا خلال السنوات الأخيرة، وأنه بعد السابع من أكتوبر اتخذ أبعادًا جديدة مع اتساع نطاق العنف الاستيطاني والتهجير في الضفة الغربية.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، بحسب المعطيات الواردة في التحليل، إلى تسجيل أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية عام 2026، استهدفت 275 تجمعًا فلسطينيًا، بمتوسط بلغ 6.7 اعتداء يوميًا.

كما تشير المعطيات نفسها إلى إقامة أكثر من 150 بؤرة استيطانية منذ 7 أكتوبر، وإجبار ما لا يقل عن 76 تجمعًا فلسطينيًا على مغادرة أماكنهم، في عمليات يقول التحليل إنها جرت في بعض الحالات بالتداخل بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية.

ويربط ليفي بين هذه التطورات وبين تحول أوسع في طبيعة العلاقة بين الجيش والمشروع الاستيطاني؛ فالمستوطنون، وفق رؤيته، لا يعملون دائمًا خارج المؤسسة الأمنية، وإنما أصبح جزء منهم مدمجًا بصورة مباشرة في وحدات الدفاع الإقليمي، الأمر الذي يجعل الفصل بين الجندي والمستوطن أكثر صعوبة.

ثلاث حلقات تشكل "الجيش الشرطي"

بحسب ليفي، يتكون هذا البناء من ثلاث حلقات رئيسية: ميليشيات المستوطنين المسلحة التي تعمل ضمن وحدات الدفاع الإقليمي، ولواء "كفير" المنتشر بصورة دائمة في الضفة الغربية، إلى جانب وحدات نظامية واحتياطية وسرايا من شرطة الحدود تعمل تحت السيطرة العملياتية للجيش.

وتتولى هذه القوات رسميًا حماية المستوطنات ومنع العمليات المسلحة وفرض النظام العام، بينما تضطلع "الإدارة المدنية" بالشؤون الإدارية والسكانية، وتتولى الشرطة الملفات الجنائية، ويعمل جهاز الأمن العام "الشاباك" على إحباط الهجمات المسلحة.

لكن التداخل الميداني بين هذه المؤسسات والمجتمعات الاستيطانية، وفق ليفي، أدى إلى تآكل الحدود التقليدية بينها.

ففي بعض الوحدات، يوجد عدد كبير من المستوطنين والجنود المتدينين المرتبطين اجتماعيًا وأيديولوجيًا بالمجتمعات الاستيطانية، كما يتلقى الجنود في الميدان توجيهات من منسقي الأمن في المستوطنات بالتوازي مع التسلسل القيادي العسكري الرسمي.

ويضيف ليفي أن تأثير الحاخامات يمثل عاملًا آخر، خصوصًا فيما يتعلق برفض بعض الجنود المتدينين المشاركة في إخلاء البؤر الاستيطانية.

"ذراع رمادية" للدولة

يذهب ليفي أبعد من توصيف المشكلة باعتبارها مجرد فشل في فرض القانون، إذ يرى أن "الجيش الشرطي" يمثل ما يسميه "ذراعًا رمادية" للدولة.

ووفق هذا التصور، يمكن تحقيق بعض الأهداف على الأرض من خلال المستوطنين، بينما تظل المؤسسات الرسمية بعيدة عن تحمل المسؤولية المباشرة عنها.

وبهذا المعنى، يرى الباحث أن التساهل مع اعتداءات المستوطنين أو التأخر في ملاحقتهم لا ينبغي تفسيره دائمًا باعتباره عجزًا مؤسسيًا أمام قوة المستوطنين، وإنما باعتباره جزءًا من بنية تسمح باستخدام العنف غير الرسمي في خدمة أهداف السيطرة على الأرض.

ويشير إلى أن الدولة تستطيع، من خلال هذه الآلية، الاستفادة من أفعال المستوطنين من دون أن تتبناها رسميًا، بينما يحتفظ الجيش بقدرته على التدخل عندما يرى أن سلوك المستوطنين تجاوز حدودًا تهدد النظام الأمني أو تكشف أمام المجتمع الدولي طبيعة عملية الضم.

نتنياهو لم يبدأ المسار

ولا يرى ليفي أن الحكومة الإسرائيلية الحالية أنشأت هذه البنية من الصفر، وإنما يعتبر أنها طورت نظامًا كان موجودًا بالفعل.

ويعيد جذور هذا المسار إلى نحو عقدين، مستشهدًا بتقرير ساسون الصادر عام 2005، والذي تناول، بحسب التحليل، تدفق أموال وموارد حكومية إلى إقامة بؤر استيطانية غير قانونية.

كما يربط الباحث بين التحول السياسي بعد عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 2009 وبين تراجع الخيار الدبلوماسي وتكريس دور الجيش في إدارة الواقع القائم بالضفة الغربية، مع تعديله تدريجيًا في اتجاه توسيع السيطرة الإسرائيلية.

ويرى ليفي أن حكومات إسرائيلية متعاقبة، بما فيها حكومات من تيارات مختلفة، أسهمت في ترسيخ هذا البناء، ولذلك فهو لا يحصر المسؤولية في اليمين الإسرائيلي الحالي وحده.

ما بعد 7 أكتوبر.. تسريع المسار

لكن أحداث 7 أكتوبر 2023 أعطت هذا المسار دفعة إضافية، بحسب ليفي, فقد توسع تسليح المستوطنين، وجرى دمج أعداد كبيرة منهم في وحدات الدفاع الإقليمي، فيما تعزز نفوذ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في الإدارة المدنية، بالتزامن مع تصاعد إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية.

ويرى ليفي أن هذه التطورات ساهمت في جعل التمييز بين المستوطن والقوة العسكرية أكثر صعوبة، كما دفعت باتجاه تكريس نمط من تهجير التجمعات الفلسطينية.

ويضع الباحث قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي أفي بلوث في قلب هذا التحول، باعتباره نموذجًا لتنامي حضور خريجي التيار الصهيوني الديني في المناصب القيادية.

لكن المفارقة، بحسب ليفي، تتمثل في أن بلوث نفسه أصبح من أبرز الأصوات العسكرية التي تحذر من عنف المستوطنين، رغم أنه في الوقت ذاته يقود عمليات عسكرية واسعة في الضفة الغربية.

صراع داخل اليمين نفسه

هذا التناقض يكشف، في قراءة ليفي، عن صراع داخل المعسكر اليميني الإسرائيلي نفسه.

فقيادة الجيش والمؤسسة الاستيطانية الرسمية تريدان الحفاظ على السيطرة التدريجية على الأرض وتوسيعها، لكنهما لا ترغبان في انفلات عنف المستوطنين بصورة تؤدي إلى زعزعة النظام أو استدعاء ضغوط دولية واسعة.

في المقابل، يرى ليفي أن المستوطنين الأكثر تطرفًا، ومن بينهم عناصر مرتبطة بتنظيم "شبيبة التلال"، يسعون إلى تحرك أكثر استقلالًا، مدعومين من بعض نواب اليمين المتطرف الذين يرفضون فرض قيود على نشاط المستوطنين في الضفة.

ومن هنا، لا يرى الباحث أن المواجهة بين الجيش وبعض المستوطنين تعني انتهاء التحالف بينهما، وإنما تعكس خلافًا على كيفية إدارة المشروع الاستيطاني وحدود العنف الذي يمكن استخدامه لتحقيقه.

أفي بلوث.. كبح العنف أم إعادة ضبطه؟

يقدم ليفي شخصية أفي بلوث بوصفها مثالًا على هذه المفارقة.

فمن جهة، حذر بلوث مرارًا من عنف المستوطنين، وتحدث عن خطر تحوله إلى عامل يقود الفلسطينيين إلى تنظيم دفاعهم عن تجمعاتهم، وهو ما قد يفتح بابًا لمواجهات أوسع مع المستوطنين والجيش.

ومن جهة أخرى، ارتبطت قيادته بتوسيع العمليات العسكرية في الضفة، وتكريس أنماط من السيطرة والتهجير.

وبحسب التحليل، فإن بلوث لا يسعى إلى إنهاء المشروع الاستيطاني، وإنما إلى إبقاء العنف تحت سيطرة المؤسسة العسكرية بحيث يخدم أهدافها ولا يتحول إلى عامل يقوضها.

ويقدم ليفي لذلك تمييزًا بين عنف المستوطنين "الوظيفي" والعنف "غير الوظيفي".

العنف الوظيفي، وفق تصوره، هو الذي يساهم في إفراغ تجمع فلسطيني صغير من سكانه، ثم تتدخل المؤسسة العسكرية لتمنع عودتهم، بينما يصبح العنف غير وظيفي عندما يتحول إلى هجوم واسع يهدد الاستقرار أو يلفت الانتباه الدولي إلى عملية السيطرة على الأرض.

"صفقة مع الشيطان"

ومن هنا يصف ليفي العلاقة بين الجيش والمستوطنين بأنها أشبه بـ "صفقة مع الشيطان".

فالجيش، بحسب تصوره، يوفر للمستوطنين الأمن والحماية ويدفع باتجاه توسيع السيطرة على أجزاء من الضفة الغربية، مقابل أن يلتزم المستوطنون بحدود معينة تمنع انهيار النظام الأمني أو تحويل عملية الضم التدريجي إلى أزمة دولية مفتوحة.

وتصبح البؤر الاستيطانية، خصوصًا الرعوية والزراعية، إحدى الأدوات الأساسية في هذه العملية، لأنها تخلق احتكاكًا مستمرًا مع التجمعات الفلسطينية وتزيد الضغط على السكان.

لكن ليفي يرى أن الجيش يتدخل عندما يعتقد أن العنف خرج عن وظيفته وأصبح يهدد المشروع الأوسع.

من الردع إلى "الأمن الدائم"

لا يحصر ليفي التحول في الضفة الغربية وحدها، وإنما يربطه بتحول أوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.

ويستخدم في هذا السياق مفهوم "الأمن الدائم"، الذي يقوم، وفق تفسيره، على السعي إلى إزالة التهديدات المستقبلية بدل الاكتفاء بردعها أو احتوائها.

ويعتبر أن هذه الرؤية دفعت المؤسسة العسكرية نحو أهداف أكثر اتساعًا، بما في ذلك القضاء على قدرات الخصوم، وإنشاء مناطق عازلة، وتوسيع حرية الحركة العسكرية، ورفض المخاطرة التي قد تعرض الجنود للخطر.

ويرى أن هذا التحول ليس بالضرورة دينيًا أو "خلاصيًا"، وإنما يمكن أن يكون نتاجًا لتطور داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

ويستشهد ليفي بما يعتبره انتقالًا تدريجيًا، منذ عهدي غادي أيزنكوت وأفيف كوخافي، من مفهوم استخدام القوة العسكرية لخدمة أهداف سياسية ودبلوماسية إلى التركيز على إلحاق الهزيمة بالخصم وتحقيق نتائج عسكرية مباشرة.

التحالف بين العقيدة العسكرية واليمين الديني

في المقابل، يرى ليفي أن التيار الصهيوني الديني المتشدد وجد في هذه العقيدة العسكرية مساحة واسعة لتحقيق أهدافه.

فالمستوطنون الدينيون المتشددون يربطون الحرب بمفاهيم دينية وتاريخية، بينما تستطيع المؤسسة العسكرية تقديم أهداف مشابهة بلغة أمنية واستراتيجية.

ويعتبر الباحث أن هذا التداخل هو الذي جعل العقيدة العسكرية العلمانية والمشروع التوسعي لليمين الصهيوني الديني يتقاطعان، حتى لو اختلفت دوافع الطرفين.

فاليمين الديني قد يتحدث عن "إسرائيل الكبرى" والدوافع التوراتية، بينما تتحدث المؤسسة العسكرية عن توسيع المناطق العازلة، حرية الحركة، منع التهديدات المستقبلية، والسيطرة على البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل.

غزة والضفة في عقيدة واحدة

ويرى ليفي أن هذا التحول يفسر كذلك انتقال بعض أساليب العمليات العسكرية من غزة إلى الضفة الغربية.

ويشير إلى العمليات واسعة النطاق في الضفة، وما رافقها من تدمير وتهجير، معتبرًا أن استخدام القوة بهذه الصورة يعكس تصورًا يرى في السيطرة العسكرية المباشرة وسيلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية.

وفي هذا السياق، تصبح عمليات تهجير التجمعات الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات والبؤر، وإنشاء مناطق عازلة، أجزاء متداخلة من عملية واحدة، وفق تحليله.

المسؤولية لا تقع على اليمين وحده

ويصل ليفي في ختام تحليله إلى أن تفسير التحول الإسرائيلي من خلال صعود اليمين الديني وحده لا يكفي.

فمن وجهة نظره، أسهمت المؤسسة العسكرية نفسها في تطوير عقائد أمنية توسع من استخدام القوة وتقلل من أهمية الحلول السياسية، بينما وفرت حكومات من تيارات مختلفة الغطاء السياسي لاستمرار هذا المسار.

وبالتالي، فإن الصراع داخل الجيش والمستوطنين لا يمثل، في قراءته، مواجهة بين طرفين متناقضين تمامًا، بل خلافًا على حدود السيطرة وآليات تنفيذها ومستوى العنف المقبول للحفاظ على المشروع الاستيطاني.

وتكشف هذه القراءة عن تحول أعمق من مجرد زيادة نفوذ المستوطنين داخل الجيش؛ إذ يتعلق الأمر، وفق تحليل ليفي، بإعادة تعريف وظيفة القوة العسكرية نفسها، من أداة يفترض أن تخدم أهدافًا سياسية محددة إلى مؤسسة تسعى بصورة متزايدة إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها وفرض واقع أمني وسياسي جديد.

وفي هذا الإطار، يصبح "الجيش الشرطي" أحد أبرز مظاهر التداخل بين المؤسسة العسكرية والمشروع الاستيطاني، فيما تتحول الضفة الغربية إلى ساحة تتداخل فيها العمليات العسكرية، والاستيطان، وعنف المستوطنين، والإدارة المدنية، في منظومة واحدة يصعب فصل مكوناتها عن بعضها البعض.