بين غرامات تصل إلى مليون جنيه وعقوبات بالحبس، يجد آلاف الفلاحين، أنفسهم أمام معادلة قاسية تتكرر مع انتهاء كل موسم حصاد: إما تحمل تكاليف باهظة لجمع المخلفات الزراعية ونقلها والتخلص منها، وإما اللجوء إلى حرقها والمخاطرة بالملاحقة القانونية، في ظل شكاوى من غياب منظومة فعالة تتيح لصغار المزارعين الاستفادة من هذه المخلفات التي تقدر قيمتها الاقتصادية بمليارات الجنيهات سنويًا.
ورغم الحملات الحكومية المتواصلة لمواجهة الحرق المكشوف، واستخدام الأقمار الصناعية لرصد الحرائق، وتحرير المحاضر بحق المخالفين، فإن الظاهرة لا تزال تتكرر في المحافظات الزراعية، لتكشف عن فجوة بين الإجراءات الرقابية والعقابية التي تتوسع فيها حكومة عبد الفتاح السيسي، والبدائل العملية التي يحتاج إليها الفلاح للتعامل مع مخلفات أرضه.
وتثير الأزمة تساؤلات بشأن جدوى الاعتماد على الغرامات والحبس في مواجهة ظاهرة ترتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وضعف العائد الاقتصادي من بيع المخلفات، وعدم توافر معدات الجمع والفرم والكبس بالقرب من الحيازات الصغيرة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة امتلاكها خططًا لتحويل المخلفات الزراعية إلى موارد اقتصادية، تشير تقديرات بحثية إلى أن مصر تهدر فرصًا استثمارية واسعة في قطاع يمكن أن يوفر الأعلاف والأسمدة والطاقة وفرص العمل، ويخفف الضغوط على الواردات.
مأساة تتكرر بعد كل حصاد
في مركز العدوة بمحافظة المنيا، انتهى موسم دريس الذرة، لكن معاناة المزارع عرفة محمد رمضان لم تنتهِ بانتهاء الحصاد.
فأمام أرضه، تراكمت أكوام من بوص الذرة، بينما وجد نفسه أمام سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يلخص أزمة آلاف المزارعين: أين يذهب بهذه المخلفات؟
يعرف رمضان أن حرق البوص يتسبب في أضرار صحية وبيئية، ولا يعترض على ضرورة حماية البيئة، لكنه يتساءل عن البديل الذي توفره الجهات الحكومية للمزارع الذي لا يمتلك معدات لجمع المخلفات أو فرمها أو كبسها.
وفي رسالة نشرها عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وجه رمضان تساؤلات إلى مسئولي المحليات والزراعة والبيئة، بشأن مصير المخلفات الزراعية التي تتراكم في الحقول عقب الحصاد، مطالبًا بتوفير حلول عملية قبل معاقبة الفلاحين على التخلص منها بالحرق.
وتكشف شكواه عن جانب من الأزمة التي تواجه صغار المزارعين، إذ لا تتوقف المشكلة عند الالتزام بالقانون، وإنما تمتد إلى تكاليف نقل المخلفات، ومدى توافر المعدات، ووجود مشترين مستعدين لدفع أسعار تغطي نفقات جمعها.
وبالنسبة إلى مزارع يمتلك مساحة محدودة، قد تتحول المخلفات من مورد اقتصادي محتمل إلى عبء إضافي، خصوصًا عندما تتجاوز تكاليف جمعها ونقلها العائد المتوقع من بيعها.
لماذا يلجأ الفلاحون إلى الحرق؟
لا ترتبط ظاهرة حرق المخلفات الزراعية بقش الأرز وحده، وإنما تمتد إلى بوص الذرة ومخلفات محاصيل أخرى، في ظل اعتبارات اقتصادية وزراعية تدفع بعض المزارعين إلى التخلص منها بإشعال النيران.
ويقول محمد أمين، أحد مزارعي الأرز، إن سوء نوعية بعض الأراضي وانتشار الحشائش يدفعان المزارعين إلى حرق قش الأرز، اعتقادًا منهم بأن هذه الممارسة تساعد على تحسين التربة والتخلص من الحشائش.
ويشير مزارع آخر إلى أن تكلفة تنظيف الأرض تمثل عبئًا كبيرًا، إذ تصل يومية العامل إلى نحو 250 جنيهًا مقابل خمس ساعات عمل.
وبحسب تقديره، يحتاج الفدان الواحد إلى خمسة عمال لإزالة الحشائش، بتكلفة تصل إلى 1250 جنيهًا، وهو مبلغ يدفع بعض المزارعين إلى البحث عن وسائل أقل تكلفة، حتى وإن كانت مخالفة للقانون.
ويضيف أن ضعف فاعلية بعض المبيدات المتداولة في الأسواق، سواء بسبب الغش أو انخفاض تركيز المواد الفعالة، يزيد من صعوبة مكافحة الحشائش بالطرق المعتادة.
لكن الاعتقاد بأن حرق المخلفات يحسن التربة لا يلغي الأضرار الناتجة عنه، إذ يؤدي الحرق المكشوف إلى إطلاق ملوثات هوائية، فضلًا عن فقدان المادة العضوية التي يمكن الاستفادة منها في تحسين خصوبة الأرض.
وتعكس هذه الشهادات أزمة أوسع تتعلق بارتفاع تكاليف الزراعة، وتراجع قدرة صغار المزارعين على تحمل أعباء إضافية بعد انتهاء موسم الحصاد.
نقيب الفلاحين: الحرق أصبح عادة متأصلة
من جانبه، يقول حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن حرق المخلفات الزراعية تحول إلى عادة متأصلة لدى قطاع من المزارعين، ولم يعد مقتصرًا على قش الأرز، بل امتد إلى أنواع متعددة من المخلفات.
ويوضح أن بعض المزارعين يلجأون إلى الحرق اعتقادًا منهم بأنه يساعد على تنظيف الأرض من الحشرات وتحسين خصائص التربة، إلى جانب توفير تكاليف جمع المخلفات ونقلها.
ويرجع أبو صدام استمرار الظاهرة جزئيًا إلى استسهال الحرق، وعدم اقتناع بعض المزارعين بالجدوى الاقتصادية من تحويل المخلفات إلى أعلاف أو منتجات أخرى.
ويشير إلى أن صغر الحيازات الزراعية يمثل عاملًا إضافيًا، إذ يجد أصحاب المساحات المحدودة أن جمع المخلفات ونقلها إلى المكابس يتطلبان جهدًا وتكلفة قد لا يقابلهما عائد مناسب.
ويؤكد أن المزارع لا يحرق بالضرورة كامل كمية قش الأرز الناتجة عن أرضه، وإنما قد يتخلص من البقايا التي يصعب جمعها أو تسويقها.
ويلفت إلى أن ارتفاع تكاليف النقل وانخفاض الأسعار التي يعرضها المشترون يجعلان التخلص من هذه البقايا بالحرق خيارًا يلجأ إليه بعض المزارعين.
وتوضح هذه المعطيات أن مواجهة الظاهرة لا تتعلق بتغيير سلوك الفلاح وحده، بل تتطلب معالجة الأسباب الاقتصادية التي تجعل الحرق أقل تكلفة من البدائل المتاحة.
غرامات تصل إلى مليون جنيه والحبس عامًا
في مقابل شكاوى المزارعين، يتعامل القانون المصري مع الحرق المكشوف للمخلفات باعتباره مخالفة تستوجب عقوبات مشددة.
فقد حظر القانون رقم 202 لسنة 2020 بشأن تنظيم إدارة المخلفات الحرق المكشوف للمخلفات، ضمن الإجراءات الرامية إلى الحد من التلوث البيئي وحماية الصحة العامة.
وتنص المادة 70 من القانون على معاقبة من يخالف أحكام المادة 20 بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتعني هذه العقوبات أن المزارع الذي يلجأ إلى حرق مخلفات أرضه قد يواجه غرامة تتجاوز بكثير قيمة محصوله أو دخله السنوي، خصوصًا إذا كان من أصحاب الحيازات الصغيرة.
ورغم أهمية تجريم الممارسات الضارة بالبيئة، فإن استمرار الحرق يطرح تساؤلات حول مدى كفاية الردع القانوني دون توفير بدائل اقتصادية ميسرة.
فالمزارع الذي لا يجد وسيلة مناسبة للتخلص من المخلفات قد يظل أمام الخيارات نفسها، حتى مع علمه بحجم العقوبة المحتملة.
وهنا تبرز المفارقة بين قدرة الجهات الحكومية على رصد المخالفة وتحرير المحاضر، ومدى قدرتها على توفير خدمات الجمع والنقل والتدوير بصورة تصل إلى مختلف القرى والنجوع.
الأقمار الصناعية تراقب.. والحرائق مستمرة
لم تقتصر جهود الحكومة على إصدار التشريعات، بل امتدت إلى استخدام الأقمار الصناعية لرصد بؤر الحرق المكشوف، إلى جانب الحملات الميدانية والتوعية البيئية.
ففي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة رصد 131 نقطة حرق باستخدام الأقمار الصناعية خلال النصف الأول من الشهر.
وأوضحت الوزارة أن فرقًا ميدانية تحركت للتعامل مع البؤر المرصودة، ضمن منظومة متابعة تستهدف الحد من ظاهرة الحرق المكشوف للمخلفات الزراعية.
وخلال الفترة نفسها، أعلنت جمع 242 ألفًا و49 طنًا من قش الأرز في نطاق القاهرة الكبرى والدلتا، إلى جانب تنفيذ 187 حملة وندوة للتوعية بمخاطر الحرق وطرق الاستفادة من المخلفات.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التدخل الحكومي، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار الظاهرة رغم إجراءات الرصد والجمع والتوعية.
فرصد 131 نقطة حرق خلال نصف شهر يكشف أن المشكلة لم تختفِ، وأن الحملات الرقابية لم تنجح وحدها في منع تكرار إشعال النيران في الحقول.
كما تثير البيانات تساؤلات بشأن مدى وصول خدمات جمع المخلفات إلى صغار المزارعين في المحافظات والقرى البعيدة عن مراكز التجميع.
ولا تكفي كميات المخلفات التي تعلن الحكومة جمعها للحكم على كفاءة المنظومة، ما لم تُقارن بإجمالي المخلفات الناتجة في المناطق المستهدفة، وحجم المخلفات التي لا تزال خارج نطاق الجمع والتدوير.
ملايين الأطنان.. ثروة مصر المهدرة
بعيدًا عن المحاضر والغرامات، تكشف أزمة الحرق عن جانب اقتصادي لا يقل أهمية عن أضرارها البيئية.
فالمخلفات الزراعية ليست مجرد بقايا عديمة القيمة، وإنما مواد خام يمكن استخدامها في صناعات متعددة، تشمل الأعلاف والأسمدة العضوية والطاقة الحيوية وبعض المنتجات الصناعية.
ويقول الدكتور ياسر عبدالله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، إن مصر تنتج نحو 100 مليون طن من المخلفات الصلبة سنويًا، تشمل المخلفات المنزلية والزراعية والصناعية ومخلفات الهدم والبناء وغيرها.
ويؤكد أن التعامل مع هذه الكميات يتطلب منظومة متكاملة تقوم على بنية تحتية قوية، وعقود تشغيل فعالة، وآليات مستدامة للجمع والنقل والمعالجة.
وبحسب بيانات وزارة البيئة، تمثل المخلفات الزراعية نحو 32% من إجمالي المخلفات.
في المقابل، يقدر الدكتور محسن شكري حجم المخلفات الزراعية بنحو 50 مليون طن، بالإضافة إلى نحو 15 مليون طن من مخلفات الصناعات الغذائية.
وتختلف هذه التقديرات باختلاف نطاق المخلفات المشمولة وطريقة احتسابها، لكنها تتفق على ضخامة الموارد المتاحة وإمكانات الاستفادة الاقتصادية منها.
وتكشف هذه الأرقام عن فرصة لتحويل جزء كبير من المخلفات إلى مدخلات إنتاج محلية، بدلًا من تركها تتراكم في الحقول أو التخلص منها بالحرق.
3 مليارات جنيه سنويًا.. فرص اقتصادية تضيع
تشير تقديرات واردة في دراسات أعدتها مراكز بحثية وجامعات إلى أن القيمة الاقتصادية للمخلفات الزراعية تصل إلى نحو 3 مليارات جنيه سنويًا.
وتعكس هذه التقديرات إمكانات الاستفادة من المخلفات في مجالات متعددة، وإن كانت القيمة الفعلية تعتمد على نوع المخلفات، وتكاليف جمعها، ومستوى المعالجة، والطلب على المنتجات النهائية.
ويؤكد الدكتور أحمد حواش، أستاذ إعادة تدوير المخلفات الزراعية بمركز البحوث الزراعية، أن هذه المخلفات يمكن تحويلها إلى أسمدة عضوية تسهم في تحسين خصوبة التربة.
ويوضح أن عمليات التدوير المناسبة تساعد على الاستفادة من المادة العضوية والعناصر الغذائية، ومنها النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، بما يدعم إنتاجية الأراضي الزراعية.
ومن شأن التوسع في إنتاج الأسمدة العضوية محليًا أن يوفر بدائل لبعض المدخلات الزراعية، ويقلل الهدر الناتج عن التخلص غير الآمن من المخلفات.
كما يمكن استخدام المخلفات بعد معالجتها بالطرق الملائمة في إنتاج أعلاف للحيوانات، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف وتأثيرها في أسعار اللحوم والألبان.
فرص للتصدير وخفض فاتورة الاستيراد
لا تقتصر الفرص الاقتصادية على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل تمتد إلى إمكانات التصدير والاستثمار الصناعي.
وتقول الدكتورة فوزية عامر، رئيس بحوث استخدام المخلفات بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني التابع لمركز البحوث الزراعية، إن إعادة تدوير المخلفات الزراعية يمكن أن تفتح أسواقًا خارجية أمام المنتجات المصنعة منها.
وتشير إلى أسواق مثل الإمارات والكويت، في ظل محدودية الأراضي الزراعية وإنتاج الأعلاف في بعض دول الخليج.
وترى أن تطوير هذه الصناعة يمكن أن يسهم في مواجهة أزمة الأعلاف، وخلق فرص استثمارية جديدة، وتوفير فرص عمل في المناطق الريفية.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد البهي، عضو المكتب التنفيذي باتحاد الصناعات، أن المخلفات الزراعية تمثل قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على المساهمة في خفض تكاليف الإنتاج الصناعي.
ويلفت إلى أن بعض المصانع تستورد مدخلات إنتاج يمكن تصنيع بدائل لها باستخدام المخلفات الزراعية المتوافرة محليًا.
ويشير إلى أن غياب منظومة متكاملة لجمع المخلفات وفرزها وإعادة تدويرها يحد من فرص الاستفادة الصناعية منها.
وتطرح هذه التصريحات تساؤلًا بشأن أسباب عدم تحويل المخلفات الزراعية إلى صناعة واسعة النطاق، رغم وفرتها السنوية ووجود احتياجات محلية يمكن أن تسهم في تلبيتها.
مخاطر صحية وبيئية يدفع ثمنها الجميع
لا تقتصر خسائر حرق المخلفات الزراعية على ضياع قيمتها الاقتصادية، بل تمتد إلى أضرار صحية وبيئية قد تطال سكان القرى والمدن المجاورة.
ويحذر الدكتور محمد كمال، الرئيس التنفيذي للمعهد العربي لعلوم السلامة، من المخاطر الناتجة عن التخلص غير الآمن من المخلفات الزراعية، خصوصًا الحرق المكشوف.
ويوضح أن عمليات الحرق تؤدي إلى انبعاث غازات وملوثات ضارة، قد تؤثر في الجهاز التنفسي، فضلًا عن احتمالات امتداد الحرائق والتسبب في خسائر مادية وبشرية.
وتسهم الأدخنة والجسيمات الدقيقة الناتجة عن الحرق في تدهور جودة الهواء، وهو ما يمثل خطرًا أكبر على الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.
ولا تنتهي المخاطر عند الحرق، إذ قد يؤدي التخزين غير السليم للمخلفات إلى تلوث التربة والمياه، وتوفير بيئة مناسبة لانتشار الآفات والحشائش.
كما قد يتعرض العاملون في جمع المخلفات وتدويرها لمخاطر مهنية مرتبطة بالأتربة والغازات والمواد الكيميائية والمعدات المستخدمة.
وتؤكد هذه المخاطر ضرورة التعامل مع المخلفات الزراعية باعتبارها قضية بيئية وصحية واقتصادية متكاملة، لا مجرد مخالفة تستوجب تحرير محضر.
أين تذهب مليارات المخلفات الزراعية؟
تفتح الأزمة الباب أمام تساؤلات بشأن السياسات الحكومية المتعلقة بإدارة المخلفات الزراعية، ومدى قدرة منظومة التدوير الحالية على استيعاب الكميات الناتجة سنويًا.
فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن مشروعات لجمع قش الأرز والاستفادة منه، يشكو مزارعون من غياب المعدات وارتفاع تكاليف النقل وضعف المقابل المادي.
ويكشف هذا التباين عن الحاجة إلى تقييم مدى انتشار مراكز التجميع، وحجم الخدمات المقدمة لصغار المزارعين، ومدى ارتباطها بمواعيد الحصاد.
كما يبرز سؤال بشأن نصيب الفلاح من القيمة الاقتصادية التي يمكن تحقيقها عبر إعادة تدوير المخلفات.
فإذا كانت هذه المخلفات تمثل مواد خام قابلة للتصنيع والتصدير، فإن تحويلها إلى مورد اقتصادي يتطلب آليات تضمن حصول المزارع على عائد يشجعه على جمعها بدلًا من حرقها.
ويمكن أن تشمل الحلول التوسع في توفير المكابس والفرامات المتنقلة، وإنشاء مراكز تجميع قريبة من الحيازات الزراعية، وتشجيع الجمعيات التعاونية على تسويق المخلفات، وربط المزارعين بالمصانع التي تستخدمها.
كذلك يمكن أن تسهم الحوافز المالية وخفض تكاليف النقل في تغيير حسابات المزارعين، بحيث يصبح بيع المخلفات أو تدويرها أكثر جدوى من التخلص منها بالحرق.
لكن نجاح هذه الحلول يتوقف على توافر التمويل والتنفيذ الفعلي، ووصول الخدمات إلى القرى التي تتكرر فيها شكاوى المزارعين.
الفلاح بين الغرامة وغياب البديل
تكشف أزمة المخلفات الزراعية عن مفارقة واضحة؛ فالدولة تمتلك أدوات لرصد الحرائق وفرض العقوبات، بينما لا تزال شكاوى المزارعين تتعلق بأبسط مراحل التعامل مع المخلفات: جمعها ونقلها.
ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الحرق المكشوف أو تبرير الأضرار التي يسببها، لكنه يطرح سؤالًا عن مدى عدالة وفاعلية سياسة تعتمد على العقاب دون ضمان توافر بدائل ميسورة التكلفة.
فالغرامة التي تبدأ من 50 ألف جنيه قد تمثل عبئًا هائلًا على مزارع صغير، في حين أن توفير وسيلة منخفضة التكلفة لجمع المخلفات قد يمنع وقوع المخالفة من الأساس.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه القطاع الزراعي، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والعمالة والنقل، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الفلاح على تحمل نفقات إضافية.
كما أن استمرار الحرق، رغم سنوات من حملات التوعية والتشديد القانوني، يشير إلى أن تغيير السلوك الزراعي يحتاج إلى حوافز اقتصادية وخدمات فعلية، وليس الاكتفاء بالتحذير من العقوبات.
من يحاسب على غياب الحلول؟
مع انتهاء كل موسم حصاد، تعود المشاهد نفسها إلى الحقول المصرية؛ أكوام من القش والبوص، ومزارعون يبحثون عن وسائل للتخلص منها، وحملات حكومية تحذر من الحرق، وأجهزة رقابية ترصد المخالفات.
لكن خلف هذه المشاهد تبقى قضية أكبر تتعلق بكيفية إدارة مورد اقتصادي ضخم، ومدى استفادة المزارعين والدولة منه.
فالمخلفات التي يمكن تحويلها إلى أعلاف وأسمدة وطاقة ومنتجات صناعية تتحول في بعض الحقول إلى دخان يلوث الهواء، بينما تتحول بالنسبة إلى بعض المزارعين إلى مصدر للخوف من المحاضر والغرامات.
وتبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من سياسة تركز على اكتشاف الحرائق ومعاقبة مرتكبيها إلى منظومة تجعل الاستفادة من المخلفات خيارًا متاحًا ومجديًا لكل مزارع.
وبينما تستطيع الأقمار الصناعية رصد النيران المشتعلة في الحقول، فإنها لا تستطيع وحدها حل الأزمة الاقتصادية التي تدفع بعض الفلاحين إلى إشعالها.
ويبقى السؤال الذي طرحه المزارع عرفة محمد رمضان من قلب إحدى قرى المنيا معلقًا أمام المسئولين: إذا كان القانون يمنع الفلاح من حرق مخلفات أرضه، فمن يوفر له وسيلة لجمعها ونقلها والاستفادة منها، قبل أن يجد نفسه مهددًا بغرامة قد تصل إلى مليون جنيه أو الحبس؟