“متصدقش”: ما نتيجة تحقيقات أسبوعين ؟.. ومراقبون: التعبير يرتبط بمشهد مسيس والانتخابات “الرئاسية” المقبلة

- ‎فيحريات

تتقاطع قضية احتجاز ستة صحفيين من منصة «متصدقش» مع انتقادات حقوقية لأداء إحدى دوائر جنايات الإرهاب، وقراءة سياسية وإعلامية لأزمة حرية التعبير في مصر، لتسلط الضوء على أسئلة تتعلق بحدود العمل الصحفي، ووضوح الأدلة التي تستند إليها الاتهامات، وضمانات المحاكمة العادلة، ومدى قدرة المؤسسات الصحفية والحقوقية على أداء أدوارها بعيدًا عن الضغوط.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه منصة «متصدقش» أن التحقيقات لم تواجه صحفييها، وفقًا لبيانها، بأدلة محددة على الاتهامات المنسوبة إليهم، تحذر الجبهة المصرية لحقوق الإنسان من ممارسات قضائية تقول إنها تقوض حق الدفاع وتطيل أمد التقاضي والحبس الاحتياطي.

ويضع الكاتب الصحفي عبدالناصر سلامة هذه التطورات ضمن أزمة أوسع تخص مستقبل الإعلام والتعبير في البلاد، في ظل تصاعد الخلاف حول العلاقة بين متطلبات الأمن وحقوق الصحفيين والمواطنين في المعرفة والتعبير.

 

وأين أدلة الاتهامات بعد 15 يومًا من الحبس؟

كانت منصة «متصدقش» قد جدّدت تساؤلاتها بشأن الأدلة التي تستند إليها الاتهامات الموجهة إلى ستة من صحفييها، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، ومحمد محمود، وعمر هلال، وذلك بعد مرور أكثر من 15 يومًا على القبض عليهم، وفقًا للبيان الذي نشرته المنصة بشأن مثولهم مجددًا أمام نيابة أمن الدولة العليا.

وأوضح البيان أن التحقيقات الأخيرة تناولت أسئلة سبق طرحها خلال التحقيق الأول، تتعلق بآليات الانضمام إلى فريق العمل، والسياسة التحريرية، وطبيعة العمل اليومي، وإدارة المرتبات، من دون أن يُواجَه الصحفيون، بحسب رواية المنصة، بأدلة محددة تثبت صحة الاتهامات المنسوبة إليهم، وعلى رأسها نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها.

وطرحت المنصة تساؤلات مباشرة بشأن ماهية الأخبار التي تعتبرها جهات التحقيق كاذبة، والأدلة التي استندت إليها في توجيه الاتهامات، مشيرة إلى أن عملها يقوم على تدقيق المعلومات المنشورة، والتحقق من مصادرها، والاستناد إلى مستندات وتقارير حكومية، إلى جانب تعدد المصادر في الموضوعات التي تنفرد بنشرها.

وأكدت «متصدقش» أنها لم تتجاهل الأخطاء المهنية حين وقوعها، وأنها سبق أن نشرت تصحيحات واعتذارات عندما تبين عدم دقة بعض المعلومات. واعتبرت أن إمكانية وقوع الخطأ في العمل الصحفي لا تلغي حق الجمهور في معرفة الحقيقة، ولا تعفي المؤسسات الصحفية من مسئولية التصحيح والمراجعة.

 

التمويل غير المشروع والارتباط التنظيمي

وفي ما يتعلق باتهام التمويل الأجنبي، قال البيان إن الصحفيين يتقاضون أجورهم الشهرية عبر حسابات مصرفية في البنوك المصرية، بموجب عقود عمل قانونية، وإن حصول بعض العاملين في المؤسسات الصحفية والإعلامية على مرتبات بعملات أجنبية لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على وجود تمويل غير مشروع.

كما رفضت المنصة الاتهام المتعلق بعقد لقاءات تنظيمية مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدة عدم وجود أي ارتباط تنظيمي بينها وبين الجماعة، ومتحدية تقديم دليل على عقد لقاءات أو إجراء اتصالات من هذا النوع. وتظل هذه التأكيدات جزءًا من رواية المنصة وموقفها المعلن إزاء الاتهامات التي تواجه صحفييها.

وربط البيان القضية بدور الصحافة المستقلة في تدقيق المعلومات وكشف أوجه القصور والتناقض في التصريحات العامة، معتبرًا أن مساءلة الصحفيين ينبغي أن تستند إلى وقائع وأدلة محددة، لا إلى طبيعة عملهم أو مصادر المعلومات التي يعتمدون عليها في إعداد التقارير.

وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى أن منصة «متصدقش» تأسست عام 2018، وفقًا لبيانها، وتخصصت في تدقيق المعلومات والتحقق من التصريحات والبيانات المتداولة.

ويضع احتجاز صحفييها مستقبل هذا النوع من العمل الصحفي أمام تساؤلات بشأن المساحة المتاحة للتحقق المستقل من المعلومات الرسمية، وحدود التعامل القانوني مع التقارير التي تتعارض نتائجها مع تصريحات مسئولين.

تعطيل الدفاع وإطالة أمد المحاكمات

وفي نموذج للتعنت القضائي الذي يطال ربما قرار اعتقال فريق "متصدقش" أصدرت "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان" بيانا بشأن الدائرة الثانية جنايات إرهاب، برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم.
وانتقدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان ما وصفته بممارسات منهجية للدائرة الثانية جنايات إرهاب، معتبرة أنها تمس ضمانات المحاكمة العادلة، وتحد من قدرة المتهمين ومحاميهم على المشاركة الفعلية في الإجراءات، وتؤدي إلى إطالة أمد الفصل في القضايا واستمرار الحبس الاحتياطي.

وقالت الجبهة، استنادًا إلى إفادات محامين تابعت من خلالهم سير المحاكمات، إن الدائرة عقدت، اعتبارًا من السبت 10 أكتوبر 2026، جلسات لنظر قضايا قبل حضور المتهمين ومحاميهم، وإن المحامين فوجئوا عند وصولهم بانتهاء الجلسات وصدور قرارات بتأجيل القضايا. وأضافت أن هذه الوقائع تكررت خلال الأيام التالية، بما يحرم الدفاع، بحسب البيان، من فرصة عرض طلباته وملاحظاته بشأن سير المحاكمات.

وترى الجبهة أن حضور المتهمين ومحاميهم وتمكينهم من المشاركة الفعلية في الجلسات ليسا مجرد إجراء شكلي، وإنما يمثلان ضمانتين أساسيتين لسلامة المحاكمة. وتعتبر أن انعقاد الجلسات في غياب الدفاع، وفق الوقائع التي أوردها البيان، يثير تساؤلات بشأن مدى احترام حق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم ومتابعة الإجراءات القضائية المتعلقة بقضاياهم.

 

تأجيل المرافعات

وتطرقت الجبهة إلى ما وصفته بالبطء في نظر القضايا، مشيرة إلى أن المحكمة تصر، وفق إفادات المحامين، على استدعاء شهود الإثبات حتى في الحالات التي يتنازل فيها الدفاع عن سماعهم رغبة في تسريع الفصل في القضايا. وأضافت أن المحكمة تستدعي شاهدًا واحدًا في الجلسة، ثم تؤجل سماع الشاهد التالي لفترات تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، حتى في القضايا التي يصل عدد شهود الإثبات فيها إلى 60 شاهدًا.

كما أشار البيان إلى التأخر في استكمال إجراءات أخرى، من بينها فض الأحراز، وإلى وجود قضايا لا تزال مؤجلة لسماع مرافعة النيابة منذ أكثر من عام، بحسب المحامين الذين استندت إليهم الجبهة.

واعتبرت المنظمة أن تباعد الجلسات والتأخر في استكمال الإجراءات، إذا استمرا من دون مبررات كافية، يضاعفان الأعباء المترتبة على الحبس الاحتياطي، ويضعان المتهمين أمام فترة ممتدة من عدم اليقين بشأن مصيرهم القانوني، قبل صدور أحكام في القضايا المنظورة بحقهم.

ولفتت كذلك إلى الأعباء المالية والبدنية التي يتحملها المحامون نتيجة الانتقال إلى مقر المحكمة والانتظار من دون إحراز تقدم ملموس في نظر القضايا، مشيرة إلى أن هذه الأعباء قد تمتد آثارها إلى المتهمين وأسرهم، وتؤثر في قدرتهم على مواصلة تحمل تكاليف الدفاع القانوني.

 

استقلال القضاء وحياده

وأثارت المنظمة مخاوف بشأن ما وصفته بوجود توجه سياسي ينعكس على أداء الدائرة في التعامل مع المتهمين، معتبرة أن ذلك يثير تساؤلات حول استقلال القضاء وحياده، مشددة على ضرورة أن يستند الفصل في القضايا إلى القانون والدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية.

وتتقاطع الانتقادات التي أوردتها الجبهة مع قضية صحفيي «متصدقش» عند مسألة ضمانات العدالة وحقوق الدفاع، وإن كان البيانان يتناولان وقائع وسياقات مختلفة. ففي حين تركز المنصة على ما تقول إنه غياب الأدلة المحددة التي تواجه بها النيابة الصحفيين، تركز الجبهة على إجراءات المحاكمة وإدارتها ومدى تمكين المتهمين من الدفاع عن أنفسهم.

 

أزمة أعمق من "متصدقش" في حرية التعبير

وفي مقال عبدالناصر سلامة، رئيس التحرير السابق لصحيفة الأهرام الحكومية، والمنشور في صحيفة القدس العربي، "كشف عمق أزمة التعبير في مصر"واعتبر أزمة صحفيي "متصدقش" تتجاوز مسألة القبض على مجموعة من العاملين في منصة إلكترونية، لتكشف عن أزمة أوسع تتعلق بمستقبل الإعلام وحرية التعبير في مصر خلال السنوات المقبلة.

وربط سلامة بين القضية وانتشار منصات متخصصة في تدقيق المعلومات والتحقق من التصريحات الرسمية والمعارضة، معتبرًا أن ظهور هذه المنصات يعكس دورًا كان من المفترض أن تؤديه وسائل الإعلام التقليدية في مراقبة التصريحات العامة وكشف المعلومات غير الدقيقة.

وأشار الكاتب إلى أن منصات من بينها «صحيح مصر» و«متصدقش» و«أخبار ميتر» و«مرصد التحقق» و«تفنيد» تعمل على فحص المعلومات المتداولة، سواء صدرت عن مصادر رسمية أو معارضة أو مستقلة، أو انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويرى أن هذا النشاط يضع المسئولين أمام مساءلة علنية بشأن دقة تصريحاتهم، في وقت يفترض فيه أن تكون الرقابة المهنية والتحقق من المعلومات جزءًا أساسيًا من عمل الإعلام.

 

مفاقمات الأزمة

وتناول سلامة القبض على ستة من العاملين في منصة «متصدقش»، وإحالتهم إلى التحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا، وما أعقب ذلك من اتهامات تتعلق بالتمويل الأجنبي والانتماء إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام، وفق ما أورده المقال.

ورأى أن دخول نقابة الصحفيين على خط الأزمة كان متوقعًا في ضوء مسئوليتها عن الدفاع عن المهنة وأعضائها، لكنه أشار إلى انقسام داخل النقابة والجمعية العمومية بشأن كيفية التعامل مع القضية، بين من يضع الدفاع عن الحريات المهنية في المقدمة ومن يتبنى موقفًا أكثر تقاربًا مع الرواية الرسمية.

وبحسب قراءة سلامة، فإن هذا الانقسام أضعف قدرة النقابة على التحرك الموحد دفاعًا عن الصحفيين، وحوّل جانبًا من الأزمة إلى خلاف داخلي حول حدود التضامن المهني وعلاقة النقابة بالسلطات. كما رأى أن القضية أعادت قضايا الحريات إلى دائرة النقاش العام، بعد تراجع الاهتمام بها نسبيًا تحت ضغط الأزمات المعيشية والتطورات السياسية الإقليمية.

 

الانتخابات الرئاسية المقبلة

وفي تفسيره لسبب الأزمة، ذهب سلامة إلى أن توقيت القضية يثير تساؤلات بشأن مستقبل المجال العام، في ظل اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الحالية، المقررة في عام 2030، وما قد يصاحب المرحلة المقبلة من نقاشات حول استمرار الرئيس عبدالفتاح السيسي في الحكم والتعديلات الدستورية المحتملة.

وحذَّر الكاتب من أن استمرار النهج الأمني في التعامل مع الصحفيين وكتاب الرأي وأصحاب التأثير على مواقع التواصل الاجتماعي قد يضيق المجال المتاح للاعتراض والنقاش العام. كما ربط بين ذلك وبين ما وصفه بضعف الحياة الحزبية والبرلمانية وتراجع دور الصحافة المستقلة، معتبرًا أن غياب المؤسسات القادرة على استيعاب الخلافات السياسية يزيد احتمالات الاحتقان.

وتوقف المقال عند التوجيهات الرئاسية المتعلقة بتنظيم مؤتمر لمناقشة أوضاع الإعلام في ديسمبر المقبل، معتبرًا أن اعتقال الصحفيين قبيل انعقاد المؤتمر يثير تساؤلات حول فرص تحقيق انفراجة حقيقية في المشهد الإعلامي.

وأشار كذلك إلى أن مواقف المنظمات الدولية من القضية، وما أورده بشأن الإفراج عن مساعدات عسكرية أمريكية لمصر بقيمة 320 مليون دولار مع إعفائها من شروط مرتبطة بحقوق الإنسان، يمثلان جزءًا من السياق السياسي الذي يقرأ من خلاله مستقبل الحريات في البلاد.

 

الحرية وحقوق المواطنين

وفي الجانب الأوسع من تحليله، ناقش سلامة التبريرات التي تطرحها سلطات الانقلاب بشأن اختلاف الأولويات والظروف المحلية عن التجارب الغربية، ولا سيما القول إن حقوق الإنسان لا تقتصر على الحريات السياسية، بل تشمل أيضًا الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية، وإن أولوية الدولة تتمثل في منع انهيارها والحفاظ على استقرارها.

ويرى الكاتب أن هذه المقاربة تثير إشكالية بشأن العلاقة بين الاستقرار وحرية التعبير، خصوصًا في ضوء الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. وحذر من استمرار الفجوة بين رؤية السلطة لمتطلبات الاستقرار وتطلعات المواطنين إلى المشاركة السياسية والتعبير عن آرائهم ومحاسبة المسؤولين.

ودعا سلامة إلى التوصل إلى صيغة مشتركة تخفف الاحتقان، وتتيح مساحة أوسع للتعبير والنقاش، معتبرًا أن مصر تمتلك مقومات تاريخية وثقافية وبشرية تؤهلها للقيام بدور إقليمي مؤثر، وأن تراجع دور الإعلام والتعليم والثقافة والحياة السياسية ينعكس سلبًا على مكانتها وعلى الأوضاع الاجتماعية والمعنوية في الداخل.

وبذلك يضع المقال قضية «متصدقش» في إطار يتجاوز الاتهامات الموجهة إلى صحفييها، ليربطها بطبيعة المجال العام، ودور الصحافة في مراقبة السلطة، وقدرة المؤسسات السياسية والمهنية على حماية الاختلاف، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول حدود حرية التعبير والضمانات التي تحكم ممارستها.