استعرضت دراسة علمية لبعض محاولات الانقلاب والتآمر التي حدثت ضد أحد عشر ملكاً من ملوك مصر الفرعونية؛ بداية من عصر الدولة القديمة، مروراً بعصر الدولة الوسطى، ونهاية بعصر الدولة الحديثة.
وخلصت الورقة التي أعدها الدكتور حسن دقيل للمعهد المصري للدراسات بتركيا بعنوان “تاريخ الانقلابات في مصر القديمة” إلى عدة نتائج.
وأظهرت أن للقادة العسكريين دورا كبيرا في تلك المحاولات الانقلابية، حيث استغلوا سلطتهم العسكرية في الانقلاب على الملك، وكثيراً ما نجحت محاولاتهم تلك بسبب اعتمادهم على قوة الجيش الذي كان يتبعهم.
وأبانت أن كبير الكهنة أو للسلطة الدينية الدور الأكبر في تلك المؤمرات، حيث استغلوا تأثيرهم الديني والعاطفي على الشعب وحاولوا تأليبه على الملك والقيام بالإضراب والعصيان ضد قراراته في أوقات عديدة، وكان “كبير الكهنة” كثيراً ما يعتبر نفسه أولى بالحكم من الملك، والكثير منهم بالفعل وصل لحكم مصر.
الحريم والدولة العميقة
ومن عاقبة الأولين كانت ترجمة لعاقبة الآخرين، موضحا الباحث أن لـ “حريم القصر” دورا كبيرا أيضا في تلك المؤامرات، وخاصة عندما كان يتخذ بعض الملوك أكثر من زوجة في آن واحد، مما كان سبباً في التباغض والتناحر بينهم، فقد كانت كل واحدة منهن تسعى إلى أن تنال شرف تتويج ابنها ملكاً على البلاد بعد أبيه، لدرجة أنها وبمساعدة آخرين من داخل القصر وخارجه للقضاء على الملك وتولية ابنها خلفاُ له.
وكشفت أن لحكام الأقاليم والنبلاء الأغنياء دورا في تلك المحاولات، وخاصة أمراء الأقاليم بصعيد مصر الذين دائما ما كانوا يعتبرون أنفسهم أنهم أولى بالحكم، ولذلك سعى بعض الملوك في مصاهرتهم والتقرب منهم خيفة الانقلاب عليهم.
وعن دور الدولة العميقة وتكاتف المنقلبين، نوهت الدراسة إلى أن دور كبار الكهنة، وبعض القادة العسكريين، وحريم القصر؛ أو بعض الساخطين من أمراء الأقاليم والنبلاء؛ لم يكن أي منهم قادراً على إتمام هذا الأمر أو السعي نحو إتمامه إلا من خلال التآزر مع الآخرين.
الطاعة العمياء
ونبهت الدراسة إلى أن تلك المؤامرات والمحاولات الانقلابية، حدثت في نهاية حكم الملوك الذين استمروا في الحكم فترات طويلة، وأكثرهم استمر في الحكم “ثلاثين عاماً”، كما حدثت تلك المحاولات أيضاً في فترات الضعف التي انتابت بعض الحكام؛ فضعف الملك وعدم قدرته على استتباب الأمن في البلاد كان مبرراً للانقلاب عليه، واستبداله.
وأن اعتبار الملك لدى المصريين بأنه شخصية إلهية مقدسة، لم يكن من المألوف التآمر عليه، أو تشكيل جبهة معارضة له مهما كان ظالمًا، ولأن الملك كان مُنزهاً برأيهم عن الأخطاء – في نظر العامة – فكان من الواجب على المصريين – طبقاً لذلك – الخضوع التام والطاعة العمياء.
وأضاف الباحث أنه بالرغم من هذه الصورة الدينية المقدسة فلا يكاد يخلو عصر من عصور مصر الفرعونية من تلك المؤمرات.
وأشار إلى أن الانقلابات أو المؤامرات لم تستهدف السلطة السياسية المتمثلة في الملك وفقط، بل كانت أيضاً هناك محاولات للانقلاب على السلطة الدينية المتمثلة في كبير الكهنة.
أحد عشر
وعرضت الدراسة نماذج للانقلاب على الملوك الفراعنة وأولهم “الانقلاب على الملك “تتي” وقتله، ( 2323 – 2291 ق.م)؛ هو مؤسس الأسرة السادسة، وحكم “تتي” مصر لمدة ثلاثين عاما كاملة، كان له فيها نشاط سياسي وعسكري واقتصادي كبير؛ وكان السبب في قتله؛ رفضه تغول السلطة الدينية، فتعاونوا مع قادة الجيش وعدد من الأمراء لخلعه وتعيين آخر.
وأضاقت الدراسة محاولة الانقلاب الفاشل على الملك “ببي الأول” ( 2289 – 2255 ق.م) هو ابن الملك “تتي” من الملكة “أبوت الأولى” وقد أبعده عن السلطة “أوسر كا رع” مُغتصب عرش أبيه بعد اغتياله مباشرة، ولكنه استطاع أن يُعيد العرش خلال عامين فقط.
ولفت بعض الباحثين إلى احتمالية تورط الملكة زوجته الأولى مع الوزير “رع – ور” في مؤامرة للقضاء على الملك، بسبب زواجه من المرأة الأخرى، وباءت وغيرها من المحاولات بالفشل، بل وآل الحكم من بعده لابنه.
ثم عرضت الدراسة للمؤامرة على الملك المتآمر “سنوسرت – أبوالاله”، (2010 – 1998ق.م) وأنه وصل إلى الحكم من خلال التآمر إلا أنه لم يستمر طويلاً، فانتقل الحكم إلى الملك “منتوحتب، نب تاوي رع”.
وأشارت إلى أن منتوحتب حدث معه انقلاب عسكري يُعتبر من أبرز الانقلابات العسكرية التي حدثت خلال عصور مصر القديمة، فقد قام بالتخطيط لهذا الانقلاب وتحقيقه؛ وزير الملك والمسئول الأول عن قيادة الجيش في عهده الوزير “امنمحات”، حيث انقلب عليه واغتصب منه العرش..
وكما انقلب الوزير “أمنمحات الأول” على منتوحتب مستخدما السلطة الدينية والعسكرية فجلس في الحكم ثلاثين عاما، إلا أن الحريم الملكي دبر لاغتياله والانقلاب عليه.

وضمنت الدراسة محاولة الانقلاب الفاشلة على الملك “إخناتون” ( 1351 – 1335 ق.م) حيث لم يكن بنفس درجة قوة والده أمنحتب مما سهل محاولة الانقلاب عليه، وأن كهنة آمون هم المتورطون في محاولة الاغتيال الفاشلة، بإدارة وإشراف والدته الملكة “تيي”، وظل حاكماً لمدة سبعة عشر عاما، وانتهى عهده بوفاته.
واستعرضت الدراسة اغتيال الملك “سمنخ كا رع” ( 5 133- 4 133ق.م)، بعد عام من حكمه، بعد فشله في ترضية كهنة آمون وعقد اتفاقية صلح معهم، ويعتبر من أكثر الشخصيات الغامضة في التاريخ المصري القديم.
اغتيال توت عنخ آمون
وكشفت الدراسة أن الملك “توت عنخ آمون” ( 1334إلى 1325 ق.م) مات وهو في العشرين من عمره ما أثار حفيظة الباحثين الذين ارتابوا في أمر وفاته، واعتقدوا أنه مات في ظروف غير طبيعية، وهو ما كان صحيحا، وإن كان مجهولا كيفية اغتياله للآن.
كما نبهت الدراسة إلى محاولات الانقلاب على الملك “رمسيس الثالث” ( 1183 – 1152ق.م)؛ باستحدام العصيان الشعبي، وساعد في هذه المؤامرة موظفان كبيران بالقصر وبعض الضباط وحراس القصر، وأحد رجال الدين من الكهنة، وعدد من نساء القصر الأخريات اللآئي كن واسطة بين الملكة بنتاؤر وشركائها خارج القصر، ونجح المتآمرون في إصابة الملك بجروح أدت فيما بعد إلي موته، حتى أنه لم يشهد محاكمتهم.
وبنفس الغضب الشعبي كان التآمر من كهنة المعبد على الملك “رمسيس العاشر” ( 1111 -1107 ق.م)، أحد ملوك الأسرة العشرين؛ في السنة الثالثة لحكمه، وتسبب كهنة آمون – الطامعون في السلطة – في إضراب العمال –عمال الجبانة- عن العمل.
وأخيرا عرضت الدراسة الانقلاب العسكري على الملك “رمسيس الحادي عشر” (1107-1077 ق.م) آخر ملوك الأسرة العشرين، الذي حكم مصر لمدة 30 عاماً أيضاً، واتسمت الدولة في عهده بغياب الأمن وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.