تتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي دعوات لرفض التجنيد الإجباري (الإلزامي) مع ما يشهده مفهوم التجنيد الإجباري التقليدي من تحوّل جذري في الوعي الجمعي المعاصر، حيث لم يعد يُنظر إليه مجرد "واجب وطني" أو إجراء إداري تنظيمي، بل استحال في الآونة الأخيرة إلى ساحة للصراع السياسي وأداة للاحتجاج المدني، يُبرز هذا التقرير كيف تحول رفض الانخراط في السلك العسكري إلى "سلاح إضراب" لمواجهة سياسات السلطة، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين العقيدة العسكرية الرسمية، وتطلعات الشعوب نحو الكرامة والآدمية.
المشهد العالمي وألمانيا نموذجاً
لا يقتصر القلق من "عسكرة المجتمع" على منطقة الشرق الأوسط، بل يمتد إلى ديمقراطيات عريقة، ففي ألمانيا، تشير الإحصائيات إلى تقدم أكثر من 2600 رجل بطلبات رسمية للإعفاء من التجنيد المستقبلي، يأتي هذا الحراك رداً على نقاشات حكومية حول إعادة تفعيل التجنيد الإلزامي عبر رسائل استطلاع لمواليد عام 2008، هذا الرفض الاستباقي يعكس رغبة شعبية عارمة في منع عسكرة الأجيال الناشئة، وتفضيل المسارات المدنية على الخيارات القتالية.
بين "السُخرة" والابتزاز المادي
في الحالة المصرية، يكتسي التجنيد الإجباري طابعاً مثيراً للجدل، حيث يرى منتقدوه أنه تحول من تدريب عسكري إلى "عمل بالسُخرة" في مشروعات اقتصادية لا تخدم الكفاءة القتالية للمجند.
وعن الجانب المادي والقانوني؛ أصدرت السلطات تعديلات على المادة 49 من قانون الخدمة العسكرية، تغلظ العقوبات على المتخلفين لتصل إلى الحبس وغرامة 100 ألف جنيه، وفي المقابل، تمنح الدولة إعفاءات للمصريين في الخارج مقابل دفع مبالغ مماثلة (100 ألف جنيه)، مما يرسخ فكرة "شراء الحرية"، ويحول الواجب الوطني إلى سلعة مادية.
وبينما يتحدث الرئيس السيسي عن أن "معركة البناء والتنمية" هي امتداد لمعارك السلاح، يرى معارضون أن هذا التوسع الاقتصادي للجيش يأتي على حساب كرامة المجند المدني.
وتعكس التدوينات والآراء المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي (X) حالة من السخط العميق تجاه المنظومة العسكرية الحالية:
أداة للإذلال الطبقي
يرى المغرد مصر المحتلة (@ALBHRALTAEB) أن التجنيد الإجباري ما هو إلا آلية لتوفير "عبيد" لخدمة الضباط، قائلاً: "الجيش المصري يفرض عليك التجنيد لحفظ كرامة السادة الضباط من أنهم ينزلوا يشتروا بنفسهم".
وينتقد أحمد (@big_data_eng) تردي مستوى التدريب العسكري، مشيراً إلى أن الميزانيات الضخمة لا تنعكس على حياة المجند، ويقول: "مفيش قوة في جيش أفراده متهانين وملهومش كرامة ولا حتى راتب مادي مجزي، التجنيد يبقى تطوعي مش إلزامي والناس تشتغل في الجيش بجد".
ويضيف مفيش قوة في جيش أفراده متهانين وملهومش كرامة ولا حتى راتب مادي مجزي، الجيش يأخذ مليارات من الدولة كميزانية، بس بدل ما تتصرف على تدريب المجندين صح في أماكن آدمية ومعاملة آدمية، المجند بيدفع من جيبه الخاص على فترة التجنيد، وياريت يطلع بعدها واخد تدريبا عسكريا قويا، انا بضرب ١٥٠ طلقة في مرمي الرماية وده للمتعة في الساعة الواحدة، شوف المجند اللي بيقعد 3 سنين ضرب كام طلقة؟، لما يبقى فيه رقابة ونظام بحق وحقيق، التجنيد يبقى تطوعي مش إلزامي والناس تشتغل في الجيش بجد.
https://x.com/big_data_eng/status/2048146876046700848
ويقدم عبدالله التابعي (@ABDALLA_ALTABEY) رؤية نقدية للسلوكيات داخل المعسكرات، واصفاً إياها بـ "فن إذلال العساكر"، ومعتبراً أن الجيش أصبح "مسيسًا" يرتضي غسيل المخ مقابل الأمان الشخصي، مما يجعل الواقع مريرًا بعيدًا عن الشعارات الوطنية.
وتساءل @ALBHRALTAEB "..هو إيه التجنيد الإجباري ؟.. دا السادة الضباط الأسياد بيكونوا محتاجين عبيدا يخدنموهم في الجيش المصري يفرض عليك التجنيد
لحفظ كرامة السادة الضباط من أنهم ينزلوا يشتروا بنفسهم .. #مصر_محتلة".
https://x.com/ALBHRALTAEB/status/2048159362821067019
الإضراب عن التجنيد
وبرزت دعوات صريحة لتحويل رفض التجنيد إلى حركة عصيان مدني منظمة، يرى المغرد mido14647535 أن "إضرابا عن التجنيد" هو الخطوة القادرة على إسقاط ما وصفه بـ "النظام الفاجر"، مقترحاً أن رفض المجندين العودة من إجازاتهم كفيل بإنهاء المنظومة في غضون شهر واحد، نظراً لاعتماد النظام الكلي على هؤلاء المجندين في تسيير أعماله الإدارية والاقتصادية.
ويضيف @mido14647535 ".. خطوة واحدة تستطيع إسقاط هذا النظام الفاجر #إضراب_عن_التجنيد، لو رفض المجندون الذهاب للتجنيد، وكل مجند ينزل إجازة لا يعود سيسقط هذا النظام في شهر، خاصة وأن الجيش ليس فيه تدريبا ولا زفتا، كله استغلال للمجندين".
كما تتهكم حسابات أخرى مثل @Dodymente على دور المجند الذي استحال "مراسلة" لخدمة عائلات الضباط وتوصيلهم لـ "الشوبينغ" أو مرافقة الحيوانات الأليفة، مما يفقد الجندي شعوره بالانتماء العسكري، ويحوله إلى ناقم على السلطة.
"العشق" والتهديد
يطرح التقرير تساؤلاً جوهرياً حول الرواية الرسمية التي تتحدث عن "عشق المصريين لجيشهم". إذا كان هذا الحب حقيقياً، فلماذا يتم اللجوء إلى تغليظ العقوبات، والتهديد بالحبس، ودمار المستقبل المهني لمن يتخلف؟
إن الدعوات لجعل التجنيد اختيارياً تضع السلطة أمام اختبار حقيقي؛ فالاختيار هو المعيار الوحيد لقياس الرضا الشعبي، أما الإجبار تحت طائلة القانون فهو اعتراف ضمني بفشل المؤسسة في جذب مواطنيها طواعية. وتتمدد حالة رفض شعبي لقانون التجنيد الإلزامي ودعوات لمنع عسكرة المجتمع.
وأضاف @Dodymente أن ضباط الجيش يتفرغون بعيدا عن مناطق خوض معركة السلاح والفكر وكمان معركة البناء والتنمية، أنت يا مدني مجند مراسلة عند سعادة الباشا ضابط الجيش والمدام حرم سعادة الباشا ضابط الجيش والعيال البهوات ولاد سعادة الباشا ضابط الجيش.
وأضاف "الجيش كده كده متعود يطاطي .. بيطاطي للأمريكان والإسرائيليين، وأي قوة ممكن الصدام معها يبقى خطر عليه، في يناير كان الأسهل أنهم يستغلوا رصيدهم ويضحكوا على الشعب لأن المعركة بتتكلف ذخيرة وده ميمنعش أن كل ما سمحت لهم الفرصة استخدموا سلاحهم في قتل الشعب ولا نسيت ؟".
وتساءل متعجبا "بدك الجيش سائقين لزوجات المسؤولين لتوصيلهم ومرافقتهم في جولات الشوبينغ، أو لتوصيل أطفالهم إلى الملاعب لممارسة رياضتهم الترفيهية، أو ليضهّر كلب المدام آخر النهار ليخرّيه".
سيظل مسيسا
وكتب عبد الله التابعي @ABDALLA_ALTABEY ".. طالب ثانوية عامة الذي يدخل الجيش نتاج رشوة جنسية أو مالية أو سياسية، هل داخل ليضحي من أجل مصر وشعبها؟، عندما دخلنا الجيش التقينا بظباط صغار وكبار وصف ضابط وشاويش كان كلهم أوسخ من بعض في الظلم والافتراء وتعريص كل ضابط لمن يكبره، ونهب كل واحد لما يستطيعه، فن إذلال العساكر والمؤهلات يؤكد الانحراف النفسي للضباط، عندما يعلم الجيش أن السيسي له قواته الخاصة التي تنفذ مذابح للشعب ولا يتحرك فهو شريك بالجرم، لأنه في هذه الحالة هو الوحيد المسلح القادر على حماية الناس، الجيش المسيس كما قال حضرتك، سيظل مسيسا ومستخفا من الشؤون المعنوية ، لأنه ارتضى الركون لغسيل المخ لأنه أكثر أمانا، سنظل نرجو غير ذلك، ولكن الواقع مرير.".
https://x.com/ABDALLA_ALTABEY/status/2048806160950530233
للخلف در
وفي "شهادة للتاريخ" كتب مصطفى الدسوقي Moustafa El Desoky بعنوان "للخلف دُر" كشف فيها النقاب عن الوجه المسكوت عنه داخل معسكرات التجنيد، حيث لم تكن الخدمة العسكرية مجرد إجراء إداري، بل كانت منظومة متكاملة لكسر الإرادة الإنسانية، يدمج الدسوقي في روايته بين الفساد الهيكلي وبين الممارسات الفردية السادية، مؤكداً أن ما يحدث داخل الأسوار يتناقض تماماً مع الشعارات الرنانة عن "حماية الوطن".
فساد "الواسطة"
تستهل الشهادة بضرب مصداقية "عدالة التجنيد"، حيث يروي الدسوقي، كيف كان رفاق دراسته من أبناء لواءات الجيش والشرطة يخرجون بإعفاءات (واسطة)، أو يقضون خدمتهم "صوريًا"؛ حيث لا يراهم أحد إلا عند تسلم "المخلة" (حقيبة المهمات) وعند ردها في نهاية الخدمة، هذا التمييز الطبقي جعل من التجنيد عبئاً يقع فقط على كاهل البسطاء الذين لا يملكون ظهراً يحميهم، وهو ما يعزز حالة السخط الشعبي التي تطالب اليوم ببدائل اختيارية أو عادلة.
استعباد المجندين و"عقيدة الإذلال"
ينتقل النص لوصف الحالة الإنسانية المزرية للمجندين، مستشهداً بقصة العسكري "متولي"، الفلاح البسيط الذي كان يعيش رعباً يومياً. وبدلاً من التدريب على السلاح، كانت مهمة متولي تنحصر في إيقاظ القائد (اللواء فاروق مرعي) وتقديم الإفطار له، ليتلقى في المقابل ضرباً مبرحاً "بالأقلام والشلاليت" وسيلاً من الشتائم القذرة دون سبب.
هذا النوع من التعامل، كما يصفه الدسوقي، لم يكن استثناءً، بل كان "روتيناً يومياً" يهدف إلى تربية الجنود على الاستكانة المطلقة، تحت قاعدة صريحة كان يرددها القادة: "وأنت جاي للخدمة في الجيش سيب كرامتك وراك في البيت".
مؤسسة أم إقطاعية خاصة
ويستعرض الكاتب؛ كيف تحولت مقدرات الجيش إلى ملكية خاصة للقادة؛ فمن استخدام أجهزة الدولة (الفيديو) في المنازل الشخصية، إلى إجبار المجندين على دفع ثمن مفقودات لم يسرقوها. يروي الدسوقي بمرارة كيف اضطر العساكر لجمع 400 جنيه (مبلغ ضخم عام 1990) لتعويض جهاز فيديو نسي القائد إعادته من منزله، وتهديدهم بالحبس ومنع الإجازات.
بل إن "فنون الإذلال" وصلت لدرجة تدريب الأطفال على كسر كرامة الكبار؛ حيث كان القائد يحضر ابنه الصغير (5 سنوات) ليضرب المجندين على رقابهم ("على قفاهم") إمعاناً في تحقيرهم، وهو ما يفسر الانحراف النفسي الذي أشار إليه المشاركون في التقرير السابق.
الصدمة الكبرى في شهادة الدسوقي تكمن في الجانب الفني العسكري؛ فهو يؤكد أنه رغم خروجه بلقب "قدوة حسنة"، إلا أنه "لم يتعلم حمل السلاح ولا الدفاع عن النفس"، كانت التدريبات الصورية والخدمات الليلية تُؤدى بقطع خشبية ("طفشة") بدلاً من السلاح الحقيقي، مما يكشف أن الهدف من المنظومة كان "السيطرة السياسية" وتطويع الأفراد، لا بناء قوة قتالية حقيقية قادرة على حماية الحدود.
ويعتبر أن ما كان يحدث في عهد مبارك هو مجرد تمهيد لما يصفه بـ "جيش فوزية" في العهد الحالي، حيث تزايدت وتيرة استغلال المجندين في المشروعات التجارية والخدمية (السخرة).
شهادة مع الدعوات الحالية لـ "الإضراب عن التجنيد" يؤكد أن الرفض الشعبي ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة عقود من تراكم الإهانات وغياب الرقابة، مما حول "فترة الخدمة" من فخر وطني إلى ذكرى مؤلمة يسعى الشباب اليوم بكل قوتهم لتجنب تكرارها.