حذر أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي من أن مصر والسودان يواجهان مخاطر فيضانات غير مسبوقة، مع امتلاء بحيرة سد النهضة قبل موسم الأمطار المقرر له الأول من مايو القادم، ما قد يدفع إثيوبيا لتصريف كميات كبيرة من المياه.
وحذر أستاذ الموارد المائية عباس شراقي من أن مصر والسودان يواجهان مخاطر فيضانات غير مسبوقة، مع امتلاء بحيرة سد النهضة قبل موسم الأمطار المقرر له الأول من مايو القادم، ما قد يدفع إثيوبيا لتصريف كميات كبيرة من المياه دفعة واحدة.
كما اشار شراقي إلى أن "التخبط" الإداري وغياب التنسيق الثلاثي يجعل دول المصب عرضة لفيضانات فجائية غير موسمية تدمر المحاصيل والمنشآت.
وهذه الكارثة تضاف إلى كارثة أشد حيث تطرح اثيوبيا مناقصة لبناء ٣سدود جديدة على النيل الأزرق بتمويل خليجي وتستعد لمواجهة جديدة مع مصر بعدما أكد وزير الري بحكومة الانقلاب علاء فاروق أن مصر لن تسمح بذلك.
وأعلنت الحكومة في إثيوبيا خلال مارس الماضي عن طرح مناقصات لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق ، في خطوة تؤكد استمرار توجه أديس أبابا نحو الاستثمار المكثف في قطاع الطاقة الكهرومائية والقدرة الإجمالية المخططة لهذه السدود تصل إلى نحو 10 جيجاوات.
التوربينات تعمل والوضع كارثي
ويقدم الخبير في شأن مياه النيل هاني إبراهيم تحليلاً فنياً دقيقاً للوضع الراهن في سد النهضة الإثيوبي (GERD) حتى نهاية شهر أبريل 2026، موضحاً المؤشرات الرقمية لعمليات التشغيل الميدانية وحجم المخزون المائي في البحيرة، وذلك في إطار توصيفه للموقف كوضع "كارثي" يتم إدارته بشكل أحادي.
على صعيد القياسات الهيدروليكية، يبلغ منسوب بحيرة السد حالياً حوالي 627.90 متراً، وهو ما يعادل سعة تخزينية تقدر في المتوسط بنحو 54.2 مليار متر مكعب. وبالرغم من أن شهر أبريل يُعد تاريخياً من أقل الشهور في معدلات التدفق اليومي للنهر، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت ارتفاعاً نوعياً مع بدء سقوط الأمطار غير المنتظمة في أعالي الحوض، حيث يصل التدفق الوارد إلى بحيرة السد نحو 40 مليون متر مكعب يومياً كمتوسط، بعد حساب الاستخدامات والفواقد وتدفقات المنشآت المائية الأخرى مثل تانا وفينشا.
أما فيما يخص عمليات التصريف والتشغيل، فقد رصد الخبير أن حجم التدفق المار من السد يتفاوت بين 150 إلى 170 مليون متر مكعب يومياً، وقد قفز في بعض أيام شهر أبريل ليصل إلى 175 مليوناً. هذه الكميات يتم تمريرها عبر تشغيل ما بين 6 إلى 7 توربينات فقط بشكل مثالي من أصل 13 توربين، مع احتمال وصول عدد التوربينات العاملة إلى 8 في أقصى تقدير، لكن مع ملاحظة تراجع كفاءة التوليد الكهربي وتمرير المياه في تلك الحالة.
ويؤكد إبراهيم في تحليله أن هذه التدفقات، التي تقارب في مستواها ما تم تسجيله في أغسطس من العام الماضي، تخضع بالكامل لسياسة التشغيل الأحادية التي تتبعها إثيوبيا. ويشدد الخبير على أن آلية عمل السد تتم دون وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات الملء والتشغيل مع دول المصب، مما يجعل التحكم في هذه الثروة المائية رهناً بقرارات فنية وسياسية منفردة من الجانب الإثيوبي.
https://x.com/HanyIbrahim17/status/2049209810432753709
ويكمن الاختلاف الجوهري بين قراءة الدكتور عباس شراقي والخبير هاني إبراهيم في "تفسير الحالة الفنية" للتوربينات و"تقدير حجم المخزون المائي" الحالي، رغم اتفاقهما على أن الإدارة الإثيوبية أحادية وكارثية.
حالة التوربينات (العمل vs التوقف)
ويرى هاني إبراهيم أن هناك تشغيلاً فعلياً مستمراً لعدد من التوربينات (بين 6 إلى 8 توربينات)، ويستند في ذلك إلى حجم التدفق المائي الخارج من السد (150-175 مليون م3 يومياً)، معتبراً أن هذه المياه لا يمكن أن تمر إلا عبر فتحات التوربينات لتوليد الكهرباء.
بينما يرى عباس شراقي توقفاً شبه كامل للتوربينات العلوية والمنخفضة، ويستند في ذلك إلى صور الأقمار الصناعية التي لا تظهر "دوامات" (Turbulence) قوية خلف السد تدل على التشغيل، ويرجع التمرير الحالي للمياه إلى فتحات المفيض أو بوابات التصريف وليس بالضرورة عبر التوربينات التي يعتقد أنها تعاني من مشاكل فنية في التركيب.
حجم المخزون المائي (السعة الحالية)
ويقدر هاني إبراهيم حجم المخزون بنحو 54.2 مليار متر مكعب عند منسوب 627.90 م. وهو رقم أعلى يشير إلى أن إثيوبيا نجحت في الحفاظ على كميات ضخمة من المياه خلف السد.
ويقدر عباس شراقي المخزون بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 م. ويرى أن البحيرة انخفضت بنحو 11 متراً عن أعلى منسوب سجلته العام الماضي (640 م)، وهو ما يمثل تراجعاً في المخزون عما كان عليه في سبتمبر الماضي.
تقييم "كفاءة" التوليد والربط الكهربائي
ويركز هاني إبراهيم على أن إثيوبيا تمرر المياه "لغرض التشغيل" حتى لو كان جزئياً، ويربط عدد التوربينات بحجم المياه المارة لحظياً.
وبينما يذهب عباس شراقي إلى أبعد من ذلك بالتحليل الهيكلي، مؤكداً أن الـ 13 توربينا لم تكن جاهزة من الأساس رغم الافتتاح الرسمي، وأن إثيوبيا تعاني من أزمة في "شبكة نقل الكهرباء" تجعل من تشغيل السد بكامل طاقته أمراً غير ممكن تقنياً في الوقت الحالي.
الأنهار الجافة
وتبنى الصحفي والمحلل السياسي قطب العربي وعبر @kotbelaraby نشر مقالا بعنوان "قبل أن تصحو مصر على أنهار جافة" استعرض فيه مشهداً جيوسياسياً معقداً يربط بين طموحات إثيوبيا المائية، والأزمات الإقليمية الراهنة، والوضع الداخلي في مصر، ويمكن تلخيص ملامح هذا المشهد في الفقرات التالية:
وذلك بعد أن أطلقت إثيوبيا مرحلة جديدة من فرض الأمر الواقع عبر الإعلان عن مناقصة لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بقدرة إنتاجية تتجاوز 10 جيجاوات، وهو ما يعادل ضعف قدرة سد النهضة. هذا التحرك، الذي كشف عنه موقع "أفريقيا إنتليجنس"، يمثل جزءاً من رؤية إستراتيجية شاملة لبناء 18 سداً، تهدف من خلالها أديس أبابا إلى إحكام سيطرتها الكاملة على تدفقات المياه والطاقة في المنطقة، مستغلة في ذلك انشغال القوى الإقليمية والدولية بتداعيات الحرب الإيرانية والأزمات المحيطة.
ويربط التحليل بين هذا التوقيت وبين حالة "الجفوة" في العلاقات المصرية الخليجية، حيث يشير إلى استغلال إثيوبيا لتراجع الدعم التقليدي للنظام المصري نتيجة تباين المواقف تجاه الصراعات العسكرية في المنطقة. فبينما كانت دول الخليج تنتظر دعماً عسكرياً مصرياً مباشراً وعلناً، اكتفت القاهرة بتقديم مساعدات تقنية ودفاعية، مما خلق مساحة استغلتها إثيوبيا للحصول على إشارات تمويلية مرتقبة لمشاريعها الجديدة كنوع من الضغط السياسي على الإدارة المصرية.
وعلى الصعيد الداخلي، ينتقد النص تعامل النظام المصري مع أزمة سد النهضة منذ بدايتها، معتبراً أن الاكتفاء بالمسارات الدبلوماسية والوعود الشفهية شجع الجانب الإثيوبي على المضي قدماً في إجراءات أحادية. هذا الفشل في منع ملء وتشغيل السد الأول يضع الدولة المصرية أمام اختبار وجودي جديد، خاصة وأن السدود الجديدة تهدد بتقليص حصة مصر المائية (55 مليار متر مكعب) التي لا تكفي احتياجاتها الأساسية أصلاً، مما انعكس فعلياً على قطاع الزراعة ومنع زراعة محاصيل استراتيجية كالأرز وقصب السكر.
وأكد أنه ليس مقبولا أن تنتظر السلطة إعلان أثيوبيا رسميا عن بناء السدود الجديدة، فلدينا أجهزة معلومات قوية واجبها متابعة النوايا الأثيوبية قبل ترجمتها إلى قرارات علنية، ومن ثم التحرك العملي المبكر للتعامل مع هذا التحدي الجديد حتى لا نستيقظ على أنهار وترع جافة تخلو من المياه.