بعد موافقة نواب العسكر، بدعم من "حزب مستقبل وطن"، على موازنة الحكومة للعام المالي 2026/2027، تصاعدت موجة واسعة من الانتقادات من خبراء اقتصاديين ومراقبين مستقلين، الموازنة التي تُقدَّم رسميًا باعتبارها الأكبر في تاريخ مصر، تكشف عند تحليلها عن صورة مختلفة تمامًا: دولة تُوجّه الجزء الأكبر من مواردها لخدمة الدين، بينما تتراجع مخصصات القطاعات الاجتماعية الأساسية، ويزداد اعتمادها على الاقتراض وبيع الأصول لسد فجوات السيولة.
التقرير يستعرض الموازنة من خلال آراء محللين اقتصاديين، يشيرون إلى أن بداية العام المالي الحالي ويجد أن الدولة لا تملك سوى تريليون وستمائة وثلاثة وخمسين مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 32.7 مليار دولار، بينما الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 يقترب من 21.15 تريليون جنيه، بما يعادل 423 مليار دولار، يصبح السؤال الأول هو: كيف يمكن لاقتصاد بهذا الحجم أن يدخل عامه المالي بموارد تشغيلية لا تتجاوز جزءًا ضئيلًا من قدرته الإنتاجية؟ هذا التناقض يزداد حدة حين نعلم أن الدولة بدأت العام ببيع أصول مقومة بالجنيه والدولار بقيمة 3.456 تريليون جنيه، ثم اختفت هذه السيولة خلال ثلاثة أشهر فقط، لتعود الحكومة بعدها إلى الاقتراض بفائدة تصل إلى 25% بسبب نقص السيولة.
يؤكد المراقبون أن ما يقرب من 19.5 تريليون جنيه من الناتج المحلي، كيف يمكن لها أن تسير أمور الدولة إلا بالاقتراض والتمويل الدولي. الأرقام التي تتكشف أمام المراقبين ليست مجرد مؤشرات مالية، بل إشارات على أزمة هيكلية عميقة تجعل البعض يصف هذا الوضع بأنه كفيل بأن يجعل العام المالي الحالي أحد أكثر الأعوام حساسية ليس فقط خلال 13 من عمر الانقلاب بل منذ عشرات السنين.
وهو ما أشار له تحليل آخر حساب “عفريتكو (@SAGER160) ويعكس أزمة سيولة حادة، ويثير تساؤلات حول إدارة الموارد، حول مصير الإيرادات الضخمة التي لا تنعكس على الخدمات العامة أو على خفض الدين.
أزمة تتضح في التعليم والصحة
تبدأ الأزمة من المقارنة الصادمة بين مخصصات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية من جهة، وخدمة الدين من جهة أخرى.
ويشير الباحث مصطفى الأنصاري إلى أن فوائد الدين وحدها تعادل ستة أضعاف مخصصات التعليم، وثمانية أضعاف مخصصات الصحة، بينما تتجاوز خدمة الدين الكاملة—فوائد وأقساط—ستة أضعاف ما يُنفق على التعليم والصحة معًا.
وبالأرقام، يبلغ مجموع ما يُنفق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية 1.123 تريليون جنيه، بينما تصل خدمة الدين إلى 3.521 تريليون جنيه، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الإنفاق على القطاعات الاجتماعية مجتمعة.
ولا تعكس هذه المقارنة برأي (@__MAN_) فقط اختلالًا في أولويات الإنفاق، بل تكشف أيضًا حجم الأزمة التي وصلت إليها الدولة، حيث يبدو الاقتصاد وكأنه يعمل أساسًا لسداد ديونه، لا لتقديم خدمات عامة أو بناء مستقبل تنموي.
بلاعة العاصمة
ورغم الأزمة المالية الخانقة، تكشف الموازنة الجديدة عن قفزة ضخمة في تكلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة. ووفق بيانات (اقتصاد الشرق)، قفزت تكلفة التشغيل بنسبة 177% لتصل إلى 12.03 مليار جنيه، بعد أن كانت 4.35 مليار فقط في العام السابق، كما خصصت الدولة سبعة مليارات جنيه مقابل “حق الانتفاع” بمباني الحي الحكومي، وهو بند لم يكن موجودًا في موازنة العام الماضي.
وارتفعت مخصصات صيانة المباني إلى 3.8 مليار جنيه، وزادت بدلات انتقال الموظفين إلى 678 مليون جنيه، وارتفع بدل السكن إلى 554 مليون جنيه، هذه الأرقام أثارت تساؤلات واسعة حول أولويات الدولة، خصوصًا في ظل تراجع الإنفاق الاجتماعي، وغياب أي مؤشرات على عائد اقتصادي مباشر من العاصمة الإدارية يبرر هذا التوسع في الإنفاق.
الايرادات الضريبية
وفي سياق آخر، كشف "النائب" محمد فريد (@Mohamed_M_Farid) عن مفارقة لافتة في الحساب الختامي للدولة، حيث حققت الحكومة إيرادات ضريبية أعلى من المستهدف، لكنها في الوقت نفسه متأخرة في تحصيل 698 مليار جنيه من الضرائب والجمارك والمستحقات. هذا الرقم يعادل ثلاثة أضعاف الإنفاق على الصحة وضعف الإنفاق على التعليم، ويشير إلى خلل هيكلي في إدارة المال العام.
ويضيف فريد أن هيئتين فقط من أصل 59 هيئة اقتصادية تحققان 70% من الأرباح، ليس بسبب الكفاءة بل بسبب وضع احتكاري ممنوح لهما.
ويشير إلى أن كل جنيه تستثمره الدولة يعود بأقل من عشرة قروش، ما يعني خسارة اقتصادية رغم وجود أرباح محاسبية ظاهرية. ويشير كذلك إلى أن دعم الهيئات الاقتصادية، الذي يبلغ 320 مليار جنيه، يعادل ضعف الإنفاق على التموين والمساعدات الاجتماعية مجتمعين، ما يعكس خللًا في توزيع الموارد وتوجيهها.
ويتطرق الباحث د.محمد الشريف (@MhdElsherif) إلى جانب آخر من الأزمة، وهو توسع جهات سيادية في إدارة مشروعات اقتصادية ضخمة خارج الموازنة العامة للدولة، يشير الشريف إلى أن ملايين الأفدنة من مشروعات الاستصلاح الزراعي، ومشروعات الري والإنتاج الحيواني والسمكي، وسلاسل البيع بالتجزئة، والتصنيع الزراعي، وإدارة البحيرات، تُدار عبر جهاز يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة، ويقوده ضابط من القوات الجوية، رغم عدم امتلاكه خبرة سابقة في إدارة مشروعات زراعية أو تنموية بهذا الحجم. هذا التوسع خارج الموازنة يخلق اقتصادًا موازيًا لا يخضع للرقابة البرلمانية أو المحاسبية، ويزيد من صعوبة تقييم الوضع المالي الحقيقي للدولة، كما يطرح أسئلة حول الشفافية، وتداخل السلطات، وغياب الفصل بين النشاط الاقتصادي والسلطة التنفيذية.
وتبدو الموازنة الجديدة أقرب إلى وثيقة تكشف الأزمة بدل أن تعالجها. فخدمة الدين تبتلع الجزء الأكبر من الموارد، والقطاعات الاجتماعية تتراجع، والعاصمة الإدارية تواصل استنزاف الموارد، وفجوات ضخمة تظهر في تحصيل الضرائب، بينما يتوسع اقتصاد موازٍ خارج الموازنة، ويزداد اعتماد الدولة على بيع الأصول والاقتراض.
وهذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على نموذج اقتصادي يقترب من حدوده القصوى، كما يرى كثير من المراقبين، ويطرح سؤالًا كبيرًا حول قدرة الدولة على الاستمرار في هذا المسار دون إصلاحات جذرية تعيد ترتيب الأولويات وتعيد الاعتبار للقطاعات التي تمس حياة المواطن مباشرة.