يشهد قطاع الدواء في مصر، الذي يُعد الأضخم إفريقياً بحجم مبيعات يقترب من 7 مليارات دولار، حالة من الارتباك الحاد نتيجة تداخل ثلاثة ملفات استراتيجية تمس الأمن الصحي القومي. فبينما تحاول هيئة الدواء السيطرة على "قنبلة" الأدوية منتهية الصلاحية، يصطدم الواقع الصناعي باستمرار التبعية للخارج في استيراد المواد الخام، وتكتمل المأساة بقرار حكومي أوقف مسارات العلاج المجاني لملايين الفقراء عبر الجمعيات الأهلية، مما وضع المنظومة الصحية أمام اختبار أخلاقي وإداري غير مسبوق.
"إكسباير" الصيدليات.. نزاع الـ 400 مليون جنيه
تفجرت أزمة الأدوية منتهية الصلاحية في مايو 2026، مع كشف تقارير عن وجود نحو 20 مليون عبوة مسحوبة داخل الصيدليات، تقدر قيمتها السوقية بنحو 400 مليون جنيه. ورغم الاجتماعات المكثفة التي عقدها رئيس هيئة الدواء، الدكتور علي الغمراوي، مع شركات التوزيع الكبرى لإنهاء ملف المرتجعات وصرف التعويضات قبل نهاية الشهر الحالي، إلا أن جذور الأزمة لا تزال ضاربة في عمق السوق.
ويؤكد الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أن تطبيق قرارات السحب يواجه معوقات لوجستية ناتجة عن تعنت بعض شركات التوزيع في تنفيذ الإجراءات المتفق عليها.
ومن جانبه، يطالب الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية، بضرورة صدور "قرار سيادي حازم" يُلزم الشركات المنتجة بسحب الأدوية منتهية الصلاحية تلقائياً، محذراً من أن غياب آلية مستديمة للسحب يحول الصيدليات إلى "مخازن لسموم موقوتة" قد تتسرب مجدداً للسوق غير الرسمي، مما يهدد حياة المواطنين بشكل مباشر.
وهم "الاستقلال الدوائي" وتبعية المواد الخام
الملف الثاني والأكثر خطورة على استدامة الصناعة هو استمرار اعتماد مصر الكلي على استيراد المواد الخام من الصين والهند. ورغم الدعاية الرسمية المكثفة حول "مدينة الدواء" (Gypto Pharma) وقرب تحقيق الاكتفاء الذاتي، صدم رئيس هيئة الدواء الرأي العام باعترافه بأن أكبر سوق للدواء في إفريقيا لا يزال تحت رحمة الأسواق العالمية لتوفير "المادة الفعالة"، مبرراً ذلك بأن "العالم كله يستورد"، وكأن قدر الصناعة المصرية أن تظل رهينة لتقلبات الدولار.
وفي هذا السياق، يوجه الدكتور مصطفى جاويش عبر إكس انتقادات لاذعة للتوجه الحكومي، مشيراً إلى تناقض صارخ في التصريحات؛ فبينما يتحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن تدشين "أول مصنع للخامات"، يذكر جاويش بالواقع التاريخي: "في عام 1960 تم إنشاء شركة النصر للكيماويات الدوائية بـ 18 مصنعاً للخامات، وكان الأجدى تطويرها بدلاً من البدء من الصفر".
ويرى جاويش أن هيئة الدواء باتت تمارس دوراً "خانقاً" عبر تحجيم عمليات الاستيراد وربط تدبير الدولار بشروط تعجيزية، مما أدى لتعثر التصنيع المحلي بدلاً من تحفيزه.
أدوية الجمعيات.. قطع شريان الحياة عن ملايين الفقراء
تكتمل مأساة الدواء بقرار وزارة التضامن وهيئة الدواء الصادر في 26 أبريل الماضي، الذي قضى بوقف نشاط توزيع الأدوية داخل الجمعيات الأهلية. هذا القرار الذي وُصف بأنه "تنظيمي" تحول عملياً إلى منع تام، حيث أُغلقت الصيدليات المجانية التي كانت تسد فجوة هائلة تعجز منظومة التأمين الصحي الحكومية عن ملئها.
وتسبب القرار في شلل تام لخدمات العلاج المجاني؛ إذ تلقت الجمعيات التي حاولت "توفيق أوضاعها" ردوداً صادمة من هيئة الدواء تفيد بعدم وجود "سماحية" حالية لمنح تراخيص لهذه الأنشطة، مع مطالبة بعض الكيانات بتغيير نشاطها كلياً. وحذرت الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء السابقة، من أن قطع هذه القناة العلاجية في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار يمثل "تهديداً وجودياً" لأصحاب الأمراض المزمنة غير القادرين، محذرة من أن "غياب الدواء المجاني يعني الموت الصامت في بيوت الفقراء".
بدوره، يرى الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن الحكومة اختارت الطريق الأسهل بالمنع بدلاً من التنظيم، وتركت المرضى يواجهون مضاعفات الضغط والسكري والسرطان بلا بديل. فبينما تتحدث الهيئة عن "سلامة الدواء"، تترك المريض ينتقل من جمعية معروفة إلى سوق سوداء لا تضمن جودة ولا سعراً.
الرقابة لا تبرر سحق الحماية
وتستند هيئة الدواء في قراراتها إلى قانون مزاولة مهنة الصيدلة وحماية المواطن من الأدوية مجهولة المصدر، وهو حق أصيل. لكن الخبراء، ومنهم الدكتور خالد سمير (أستاذ جراحة القلب)، يشددون على أن "سلامة الدواء لا تتحقق بإلغاء دور الجمعيات، بل بتقنينه". الحل العملي كان يبدأ بإلزام الجمعيات بالتعامل مع صيدلي مسئول ومخازن مرخصة، وليس بإغلاق الباب فجأة دون فترة انتقالية.
ويكشف المشهد الدوائي في مصر 2026 عن انفصال بين "الخطاب الإنشائي" عن الإنجازات وبين "الواقع القاسي" على الأرض. فبينما تلاحق الهيئة الصيدليات لسحب أدوية منتهية بقيمة 400 مليون جنيه، تغلق في الوقت ذاته أبواب الرحمة أمام الفقراء في الجمعيات الأهلية، وتظل المصانع المصرية تنتظر "شحنات الخام" من الشرق لتعمل.
جراحة هيكلية
وإعادة إحياء قلاع الخامات الوطنية (مثل شركة النصر) لتقليل الطلب على الدولار يمكن أن يتساوق مع وقف قرار تجميد أدوية الجمعيات فوراً مع فتح مسار ترخيص "استثنائي" للجمعيات غير الهادفة للربح وتطبيق نظام تتبع إلكتروني (Bar-coding) صارم يمنع تراكم الأدوية منتهية الصلاحية من الأساس.
بدون هذه الخطوات، سيظل مريض "الأمراض المزمنة" في مصر عالقاً بين كماشة الغلاء، وقسوة القرارات الإدارية، وندرة الدواء، في سوق يُدار بعقلية "الجباية والرقابة" لا بعقلية "الإتاحة والحماية".