سد عجز الموازنة يفضح البيانات الرسمية الوردية .. “المركزي” يستدين 170 مليارًا لانفاق 3.8 مليار جنيه يوميًا حتى 30 يونيو!

- ‎فيتقارير

طرحت الحكومة عبر البنك المركزي أذون خزانة بقيمة 170 مليار جنيه دفعة واحدة، وهو ما يعادل معدل إنفاق يومي يقارب 3.8 مليار جنيه خلال شهر ونصف، هي الفترة المتبقية لنهاية العام المالي الحالي 2025/2026 لتغطية عجز الموازنة وتمويل النفقات الجارية، بما في ذلك فوائد الدين العام ورواتب الجهاز الإداري والدعم السلعي، في مشهد يعكس اعتماد الدولة شبه الكامل على الاستدانة كأداة رئيسية لإدارة المالية العامة مع احتمال مؤكد أن يزيد البنك المركزي طرح أذون الدين الداخلي بقيم موازية ما يجعل الانفاق الحكومي اليومي يتضاعف إلى نحو 8 مليارات جنيه يوميا!

لتصبح الاستدانة اليومية أشبه بميزانية موازية، حيث تتحول القروض قصيرة الأجل إلى مصدر أساسي لتسيير الإنفاق الحكومي، بدلًا من الاعتماد على موارد إنتاجية أو عوائد استثمارية حقيقية.

ومع بداية عرض مشروع الموازنة العامة للسنة المالية 2026/2027، بدا المشهد وكأنه لوحة وردية تحاول الحكومة رسمها لتجميل الواقع الاقتصادي. التقرير الرسمي امتدح تخصيص 553.7 مليار جنيه لبند "شراء الأصول غير المالية"، أي الاستثمارات الحكومية والمشروعات القومية، واعتبر أن هذه الزيادة بنسبة 27٪ عن العام السابق دليل على استمرار الدولة في تحفيز النشاط الاقتصادي.

ولكن خلف هذه الأرقام، يقف البنك المركزي كالممول الأول لعجز الموازنة عبر الاستدانة المستمرة، حيث لجأ مؤخرًا إلى طرح أذون خزانة بقيمة 170 مليار جنيه دفعة واحدة، في مشهد يعكس اعتماد الدولة شبه الكامل على القروض لتغطية نفقاتها. هذه المفارقة بين التقرير الوردي والواقع القاتم هي ما يثير الجدل حول جدوى السياسات الاقتصادية الحالية.

 

ماكينة القروض والديون

منذ سنوات، تحولت الاستدانة إلى السمة الأبرز في إدارة المالية العامة. البنك المركزي يطرح أذونًا وسندات بشكل متكرر، والحكومة تعتمد على القروض الخليجية لتأمين استيراد السلع الأساسية. هذا النهج جعل الدين العام يتضخم بشكل غير مسبوق، وأصبح جزءًا كبيرًا من الموازنة موجهًا لسداد فوائد الدين. المراقبون يرون أن هذه السياسة لا تُقدم أي حلول للتنمية، بل تزيد من أعباء المواطنين عبر الضرائب والرسوم الجديدة.

 

المشروعات القومية

منذ بداية 2014 وتسلط السيسي على الحكم، ساد تصور أن المشروعات القومية الكبرى هي العصا السحرية لتحريك الاقتصاد وتشغيل العمالة. لكن بعد 8 سنوات من تجاهل التحذيرات، انفجرت الأزمة الاقتصادية في 2022، لتكشف أن التوسع في هذه المشروعات المعتمدة على القروض أدى إلى زيادة أعباء الدين العام واستنزاف موارد الدولة. ورغم ذلك، استمر النظام في الاعتماد على هذه المشروعات باعتبارها وسيلة لتحفيز النشاط الاقتصادي، حتى مع تراجع قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو.

ومشروع الموازنة خصص 553.7 مليار جنيه للاستثمارات الحكومية، مقارنة بـ434.9 مليار في السنة السابقة. لكن إذا أضفنا استثمارات الهيئات الاقتصادية التابعة للدولة، فإن الرقم يصل إلى 1.296 تريليون جنيه، منها 743 مليارًا تنفذها الهيئات الاقتصادية. هذا يعني أن الجزء الأكبر من المشروعات القومية يتم تمويله خارج الموازنة العامة، وهو ما يثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة.

هيمنة الدين

وتكشف الموازنة أن الاستثمارات تمثل نحو 13.3٪ من إجمالي مصروفات الدولة، بينما فوائد الدين تستحوذ على 46.7٪ من المصروفات. هذا يعكس أن الدين أصبح المهيمن على المالية العامة، وأن أي زيادة في الاستثمارات لا تغير من حقيقة أن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب لسداد فوائد القروض.

وتمثل الاستثمارات العامة حوالي 2.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا أضفنا استثمارات الهيئات الاقتصادية تصل النسبة إلى 5.3٪، لكن المشكلة تكمن في أن جزءًا كبيرًا منها يذهب لمشروعات منخفضة العائد الإنتاجي.

وقال حساب ثورة شعب (@ThawretShaaab): "قروض وديون وبيع أصول وزيادة الفقر والغلاء الفاحش وانتشار الفساد وفرض الضرائب والرسوم علي كل المعاملات… هذا الرجل أهان المصريين في كرامتهم ومعيشتهم".

وعلق محمد أبو زيد (@moh_abozaid1): "نفسي افهم ايه اللي قدمته الحكومة للتنمية؟ أي حمار يقدر يعمل اللي الحكومة بتعملة. قروض.. بيع سندات. بيع أرضي الدولة وشركاتها ومصانعها. ماكينة القروض مابتوقفش! البنك المركزي طالع يستلف 170 مليار جنيه دفعة واحدة".

قطاعات محدودة

واستحوذت الهيئة القومية للأنفاق استحوذت وحدها على 60٪ من إجمالي القروض المخصصة للاستثمارات، بواقع 257 مليارًا من أصل 459 مليار جنيه هي قروض الهيئات الاقتصادية هذا العام. هذا التركّز يعكس أن الدولة توجه الجزء الأكبر من استثماراتها للبنية التحتية، خاصة الطرق والكباري وشبكات النقل والمدن الجديدة والموانئ، معتبرة أنها أساس التنمية الاقتصادية. لكن هذا التوجه يخلق تشوهات اقتصادية، مثل تركز المدخرات في القطاع العقاري، ويضعف قدرة الاقتصاد على توليد عوائد دولارية مستدامة.

وقالت تقارير منها لمنصة "الموقف المصري" إنه لا خلاف على أهمية البنية التحتية، فهي عنصر أساسي لدعم النمو الاقتصادي. لكن الاعتماد عليها وحدها لا يصلح كأساس للتنمية المستدامة. الطريق أو الكوبري أو المونوريل يحسن الشكل العمراني ويسهل حركة المرور، لكنه لا يخلق قيمة مضافة أو منتجًا للتصدير. الاستثمار الإنتاجي في الصناعة والزراعة هو الذي يرفع الطاقة الإنتاجية ويوفر عملة صعبة عبر الإنتاج المحلي أو التصدير. لذلك فإن التوسع غير المدروس في البنية التحتية يزيد أعباء الاقتصاد ويضاعف الديون دون خلق عائد حقيقي.

واشار في السياق، البيان التحليلي للموازنة بالربط بين البنية التحتية وجذب الاستثمارات وتحسين النشاط الاقتصادي والتشغيل، لكن المراقبين يؤكدون أن البنية التحتية عنصر مساعد وليست محركًا رئيسيًا للاقتصاد. وأن الأساس هو القاعدة الإنتاجية، والبنية التحتية يجب أن تكون مكملة لها. وأن تحويلها إلى محرك وحيد للاقتصاد يحد من قدرة الدولة على توليد عائد دولاري، ويجعلها تعتمد أكثر على القروض والديون.

وتكشف الموازنة المصرية عن استمرار النهج القائم على الاستدانة والإنفاق على مشروعات قومية ضخمة، مع تراجع الاهتمام بالاستثمار الإنتاجي الذي يخلق قيمة مضافة حقيقية. هذا النهج أدى إلى تفاقم الدين العام، وزيادة الفقر والغلاء، وفرض المزيد من الضرائب والرسوم على المواطنين. ومع استمرار الأزمة الاقتصادية، يبدو أن الدولة تُراهن على البنية التحتية كوسيلة لتحريك الاقتصاد، لكنها تغفل أن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا عبر الاستثمار في الإنتاج والصناعة والزراعة.

وما لم يحدث تحول جذري في أولويات الإنفاق، فستظل الموازنة أداة لإدارة الأزمة لا لحلها، وسيبقى المواطن المصري هو من يدفع الثمن.