تشهد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تطورات متسارعة، في ظل مؤشرات متضاربة تجمع بين التصعيد العسكري الحذر والانفتاح السياسي على تسوية محتملة، بعدما عبرت ناقلتان صينيتان محملتان بنحو أربعة ملايين برميل نفط مضيق هرمز، بالتزامن مع تصريحات إيجابية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس بشأن تقدم المحادثات مع طهران.
وتسعى واشنطن إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر، وسط ضغوط داخلية متزايدة على إدارة ترامب لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة وفتح مضيق هرمز مجددًا أمام حركة الملاحة العالمية، بينما تواصل إيران المطالبة برفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وإنهاء الحصار البحري الأمريكي.
مؤشرات انفراج بعد عبور ناقلات النفط
أظهرت بيانات شحن أن ناقلتين صينيتين عملاقتين محملتين بالنفط الخام غادرتا مضيق هرمز الأربعاء، في خطوة اعتُبرت إشارة إيجابية على احتمال تهدئة التوترات في الخليج.
ووفق بيانات مجموعة بورصات لندن وشركة "كبلر"، تحمل الناقلتان نحو أربعة ملايين برميل من النفط الخام العراقي، وهما من بين عدد محدود من ناقلات النفط العملاقة التي تمكنت من مغادرة الخليج خلال مايو الجاري، بعد اضطرابات حادة أصابت حركة الشحن والطاقة في المنطقة.
كما ساهمت المؤشرات السياسية الإيجابية في تراجع أسعار النفط، وسط ترقب المستثمرين لإمكانية نجاح واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب.
ترامب: إيران تتوسل لإبرام اتفاق
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الحرب قد تنتهي "بسرعة كبيرة"، مشيرًا إلى أنه كان على بعد ساعة واحدة فقط من اتخاذ قرار بشن هجوم جديد ضد إيران.
وأضاف ترامب أن القيادة الإيرانية "تتوسل" للتوصل إلى اتفاق، محذرًا في الوقت ذاته من أن الولايات المتحدة قد تعود إلى تنفيذ هجمات خلال الأيام المقبلة إذا فشلت المفاوضات.
وجاءت تصريحات ترامب بعد يوم من إعلانه تعليق استئناف الهجمات عقب تلقي مقترح جديد من طهران لإنهاء الصراع.
فانس: تقدم كبير رغم تعقيدات التفاوض
من جانبه، أكد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن المحادثات مع إيران أحرزت "تقدمًا كبيرًا"، مشيرًا إلى أن واشنطن "في وضع جيد جدًا".
لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود صعوبات في التفاوض مع القيادة الإيرانية، موضحًا أن الموقف التفاوضي داخل طهران يبدو منقسمًا أحيانًا، ما يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة توضيح خطوطها الحمراء.
وأشار فانس إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لسياسة ترامب يتمثل في منع اندلاع سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط.
إيران تتمسك برفع العقوبات والإفراج عن الأموال
في المقابل، كشفت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن تفاصيل المقترح الذي قدمته طهران إلى واشنطن، ويتضمن إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، وانسحاب القوات الأمريكية من المناطق القريبة من إيران، إضافة إلى دفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب.
كما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن بلاده تطالب برفع العقوبات الأمريكية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري المفروض عليها.
ورغم ذلك، لا تبدو هناك تغييرات جوهرية في المقترحات الإيرانية مقارنة بالمبادرات السابقة التي رفضها ترامب الأسبوع الماضي ووصفها بأنها "هراء".
ضغوط داخلية على ترامب بسبب الطاقة والانتخابات
وتواجه الإدارة الأمريكية ضغوطًا سياسية متزايدة مع استمرار ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبية ترامب في استطلاعات الرأي، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.
كما تسبب الصراع في اضطراب غير مسبوق بإمدادات الطاقة العالمية، بعد تعطل حركة مئات الناقلات وإلحاق أضرار بمرافق الطاقة والشحن في المنطقة.
ويرى محللون أن الأسواق تترقب بحذر ما إذا كانت التصريحات الإيجابية ستتحول إلى اتفاق فعلي، في ظل تغير المواقف الأمريكية بشكل متكرر خلال الأسابيع الماضية.
وقف إطلاق النار صامد رغم التوترات
ورغم استمرار التوترات، لا يزال وقف إطلاق النار المبرم في أوائل أبريل صامدًا إلى حد كبير، بعد أشهر من القصف الأمريكي والإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل الآلاف داخل إيران.
كما امتدت تداعيات الحرب إلى لبنان، حيث شنت إسرائيل عمليات عسكرية ضد عناصر "حزب الله"، فيما تعرضت إسرائيل وبعض دول الخليج لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ نسبت إلى إيران وحلفائها.
وأكد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أهداف الحرب شملت وقف دعم إيران للفصائل المسلحة، وتقويض برنامجها النووي، وتدمير قدراتها الصاروخية.
لكن الحرب، بحسب مراقبين، لم تنجح حتى الآن في إنهاء مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أو الحد بشكل كامل من قدرتها العسكرية والإقليمية، فيما تمكنت القيادة الإيرانية من تجاوز الضغوط العسكرية والسياسية دون ظهور معارضة داخلية منظمة تهدد النظام.