ضربة جديدة لسياسات السيسي.. تحالف شرق المتوسط يستبعد مصر من ترتيبات الطاقة

- ‎فيتقارير

نظام يعمل بدون خطط او دراسات جدوى مصيره في نهاية الامر الفشل، هذا ما حدث مؤخرا من استبعاد مصر من ان تكون عضوا في "مركز شرق البحر المتوسط للطاقة"؛ حيث ناقشت اليونان وقبرص ودولة الاحتلال بالإضافة لأمريكا قضايا امن الطاقة في منطقة شرق المتوسط وموارد الغاز واعداد خريطة طريق تحدد اهداف وإجراءات امن الطاقة مستبعدين مصر من هذه النقاشات، وهي الدولة التي سعت لهذا المسار على مدار 12 عام. 

وأثار تأسيس الاحتلال، واليونان، وقبرص، وأمريكا، "مركز شرق البحر المتوسط ‏للطاقة"، التساؤلات حول أسباب استبعاد مصر من هذا التحالف، خاصة وأن ‏القاهرة عقدت شراكات واسعة طوال 12 عاما مع قبرص اليونانية وأثينا والاحتلال، وشاركتهم ‏تدشين "منتدى غاز شرق المتوسط"، وتبادل عبدالفتاح السيسي، ‏الزيارات مع قادتها. وناقش الأطراف الأربعة قضايا أمن الطاقة في منطقة شرق المتوسط، وموارد الغاز، ‏وستبدأ اجتماعات إعداد خريطة طريق تحدد أهداف وإجراءات أمن الطاقة، وتطوير ‏الغاز الطبيعي.‏

ويأتي ذلك التحالف بالرغم من تدشين الدول الأربعة مع إيطاليا، والأردن، وفلسطين في ‏ يناير 2019، منتدى غاز شرق المتوسط بالعاصمة المصرية القاهرة، ‏وبهدف إنشاء سوق إقليمي للغاز، وتطوير بنية تحتية مشتركة لتسهيل نقل وتصدير ‏الغاز.‏

ويأتي التحالف الجيد بعد شهرين من اتفاق مصري قبرصي يوناني في أبريل الماضي، ‏لتوريد 100 مليار متر مكعب من الغاز للقاهرة من حقل "أفروديت" بالبحر المتوسط ‏بقيمة 10 مليارات دولار ولمدة 15 عاما، وإنشاء خط أنابيب بحري بطول (280-300 ‏كم) لنقل الغاز لمصر بتكلفة ملياري دولار.‏

ويمثل الاتفاق الجديد، الذي شهدته هيوستن الأمريكية، تطورا سياسيا ‏وجيوستراتيجيا بحسب حكومة قبرص، أثار التساؤلات حول سر استبعاد مصر من تحالف للغاز مع أمريكا، وبشأن خطأ رهانات القاهرة ‏السابقة على قبرص اليونانية وأثينا وتل أبيب بملف الغاز، واحتمالات أن يوحد هذا الاستبعاد ‏موقف مصر وتركيا بملف غاز شرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية.‏

وفي قراءته لأسباب استبعاد اليونان وقبرص والاحتلال لمصر من تحالف للغاز مع ‏أمريكا، قال الخبير في شئون الطاقة الدكتور محمد فؤاد: "يمكن النظر إلى الموضوع ‏بهدوء بعيدا عن الانطباعات الأولية؛ فحتى الآن لا أرى أن ما حدث يمثل تحولًا ‏استراتيجيًا كاملًا ضد مصر بقدر ما يعكس تغيرًا في أولويات الأطراف المختلفة داخل ‏شرق المتوسط".‏ وأضاف أولًا، يجب التمييز بين منتدى غاز شرق المتوسط الذي شاركت ‏فيه مصر منذ تأسيسه، وبين أي ترتيبات أو مراكز جديدة ذات طابع سياسي أو تقني ‏أو أمني، فاستبعاد دولة من إطار معين لا يعني بالضرورة استبعادها من مجمل معادلة ‏الطاقة في المنطقة".‏

وثانيا وفي تقديره لا يرى فؤاد، أن "هناك خطأ في التحالف السابق، ففي وقت اتخاذ ‏تلك القرارات كانت مصر تحقق اكتفاء ذاتيًا من الغاز وتمتلك محطتي الإسالة ‏الوحيدتين تقريبًا في شرق المتوسط، وكانت فكرة التحالف الثلاثي منطقية اقتصاديا، ‏والمشكلة لم تكن في التحالف نفسه، وإنما في أن افتراضات السوق والإنتاج تغيرت مع ‏تراجع إنتاج الغاز المصري وارتفاع الاستهلاك المحلي".‏

ويعتقد أن "النقطة الحاكمة، أن ما حدث لا يعني خروج مصر من معادلة شرق ‏المتوسط، لكنه يوجه رسالة مهمة أن النفوذ في أسواق الطاقة لا تبنى فقط على الموقع ‏الجغرافي أو التحالفات السياسية، بل تعتمد في النهاية على القدرة الإنتاجية الفعلية. ‏فإما أن تكون منتجًا أو أن تكون مستهلكًا".‏ وخلص للقول: "لذلك فكرة "سوق طاقة" تحتاج إعادة صياغة وتعريف في المسار ‏المصري لأنها تعني بالأساس وجود فوائض، وهذا حتى حينه غير متحقق".‏
 

تنافس وتضارب مصالح

وفي تعليقه، قال الأكاديمي المصري الدكتور محمد الزواوي: "هناك تنافس على من ‏يحصل على صفة المركز الإقليمي للطاقة بشرق المتوسط، ومصر كانت تريد عقد تلك ‏الشراكة مع إسرائيل وقبرص واليونان برعاية أمريكية لتصبح مركزا للطاقة بالحصول ‏على غاز تلك الدول وتسييله بمحطتي "إدكو ودمياط"، وتصبح معبر الطاقة إلى أوروبا".‏

 وأضاف خبير العلاقات الدولية والدراسات الشرق أوسطية، والمحاضر بجامعة "سكاريا"، ‏التركية، "لكنهم الآن يريدون عمل مشروع آخر وهو خط (أنابيب ‏شرق المتوسط) يأتي من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى إيطاليا ومنها لباقي أوروبا؛ ‏فأصبح هناك تضارب مصالح بين الجانبين، ومصر تم استثناءها لهذا السبب".‏

وبين أنه "إذا دخلت ذلك المشروع فستدفع حصة كبيرة دون عائدات مقارنة بالوضع ‏الأول، الذي كانت ستصبح فيه مركزا لتسييل الغاز بشرق المتوسط، لكن لم يتفق ‏الطرفان المصري من جهة، والإسرائيلي واليوناني والقبرصي من جهة أخرى، أن تكون ‏القاهرة المعبر لأوروبا قبل تسييل الغاز بمصنعيها وتصديره بشاحنات كبيرة لأوروبا".‏ ولفت إلى أن "أمريكا في النهاية كانت معترضة على مشروع خط أنابيب شرق المتوسط ‏لكن الآن يبدو أن الأمور تغيرت في عهد دونالد ترامب، الذي يفعل كل ما تقرره ‏إسرائيل، ومن ثم فهذا يفسر استبعاد مصر من هذه الترتيبات".‏
 

تقارب مع تركيا.. وصدام مع الاحتلال

وعن وضع ذلك المشروع مصر وتركيا في جانب واحد، قال الزواوي: "بالطبع يوحدهما؛ ‏ولكن المشكلة أن مصر دخلت تحالفات لإعادة ترسيم الحدود البحرية وإذا دخلت في ‏تحالف وترسيم مع تركيا ربما تفقد بعض حصصها، خاصة وأن تركيا تريد رسم ‏خطوط الغاز بطريقة مختلفة، ومن ثم فإذا تحالفتا في إعادة رسم المنطقة والمناطق ‏الاقتصادية الخالصة ربما يخصم هذا من حصة مصر".‏

وأشار إلى أن "القاهرة اتفقت وبرعاية أمريكية منذ ثمانيات القرن الماضي، على تقسم ‏الآبار بطريقة ما، بحيث تحصل كل دولة على حصة، ومصر في النهاية ظُلمت من هذا ‏التقسيم؛ ولكن هذا هو الوضع، فلو تحالفت مع تركيا سوف يُعاد تقسيم الآبار ‏البحرية كلها، وهذا قد يؤدي إلى صدام مع أمريكا الراعية لعمليات التقسيم والتوزيع".‏

ولذلك  يعتقد الزواوي، أن "تحالف تركيا ومصر لإعادة التقسيم والتوزيع سيكون ‏صعبا للغاية، وسوف يكون أمرا صداميا مع أمريكا وإسرائيل، وأعتقد أن هذا ما لا ‏تريده مصر التي تريد أن تظل حصتها كما هي، وأن تظل عمليات الاستخراج قائمة، لأن ‏مصر لو دخلت في صدام كذلك مع الغرب ربما تعزف الشركات الغربية عن الدخول في ‏مناقصات مصرية للتنقيب واستخراج الغاز، ومن ثم أعتقد أن إعادة ترسيم الحدود ‏البحرية بين مصر وتركيا ستكون صعبة لحد بعيد".‏
 

انتقام 

وفي قراءته للمشهد، قال الكاتب الصحفي التركي حمزة تكين: "التحالف الجديد حول ‏ثروات شرقي المتوسط يستبعد طرفين رئيسيين أساسيين بالمنطقة: "تركيا ومصر"؛ ‏وهي محاولة إسرائيلية بالدرجة الأولى، يونانية بالدرجة الثانية، لسلب أنقرة والقاهرة ‏حقوقهما من الثروات الطبيعية بشرق المتوسط".‏

وأكد أن "استبعاد اليونان والاحتلال وقبرص اليونانية لمصر، ‏يؤكد أنه لا يمكن الثقة والتحالف مع هذه الأطراف لأنها تؤكد مرة جديدة على الغدر ‏السياسي والاقتصادي لتحقيق مصالحها، مهما تضرر الآخرون".‏ واشار إلى أن "استبعاد مصر، قد يكون له علاقة بالتقارب الكبير والاستراتيجي مع تركيا ‏بالاقتصاد والسياسة والمجال العسكري والاستخباراتي ما يزعج الاحتلال الإسرائيلي، ‏المنزعج من موقف القاهرة الرافض لفكرة تهجير أهل غزة، وربما يكون الاحتلال يحاول ‏الانتقام اليوم من مصر، كما يحاول الانتقام من تركيا".‏

وأضاف الكاتب والمحلل السياسي التركي: "وربما تكون اليونان تنتقم من مصر لأن ‏القاهرة التي وقعت اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع أثينا لم تفعلها على الأرض، ما أزعج ‏اليونان"، مقللا من قيمة التحالف الجديد بالقول: "هو كمن يضع الماء بزجاجة ‏مخرومة"، مضيفا أنه "‏من الجيد إعادة دراسة أي ثقة مُنحت سابقا لليونان ‏وللاحتلال".‏

وخلص للقول: "هذا التطور بكل تأكيد يوقظ أكثر تركيا ومصر نحو فكرة تعزيز ‏تحالف بينهما لحماية مصالحهما المشتركة من الثروات الطبيعية شرقي المتوسط؛ ‏ويدفع لتسريع ملف ترسيم الحدود البحرية بينهما، بما يضمن لهما مساحات واسعة ‏وثروات طبيعية هائلة". ‏

وتشهد العلاقات المصرية التركية تطورا لافتا خلال العامين الأخيرين وصل حد عودة ‏المناورات العسكرية بينهما عام 2024، والذي كان آخر حلقاته الخميس الماضي، ‏بتدريب جوي مشترك، ما يثير مخاوف إسرائيل من "اتساع دائرة التعاون بين أنقرة ‏والقاهرة"، و"إعادة رسم معادلات القوة بالمنطقة"، و"وضع تل أبيب أمام تحديات ‏أمنية جديدة"، وفق وصف "معاريف" العبرية.‏

 

اختلاف الأولويات

وفي رؤيته، يتصور المحلل السياسي التركي طه عودة، أن ‏‏"التحركات الأخيرة لقبرص وإسرائيل واليونان بدون مصر لافتة، كون القاهرة تصدرت ‏هذا المنتدى سابقا، وفي ظل توترات واضحة بين تركيا واليونان وقبرص حول المنطقة ‏الاقتصادية في شرق المتوسط".‏
 ويري الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية، أن "أولويات تلك الدول اختلفت، ليس ‏فقط حول النقطة الأساسية والمتعلقة بملف الغاز، ولكن حول إعادة رسم توازنات ‏جيوسياسية بالمنطقة وفي شرق المتوسط، خاصة بعد توترات أزمة روسيا وأوكرانيا ‏‏(2022)، وأزمة غلق مضيق هرمز (2026)".‏

ويعتقد عودة أن "واشنطن تنظر للتحالف الجديد بأنه يمكن أن يكون منصة ‏استراتيجية مرتبطة بالأمن البحري والطاقة، وربط أوروبا بالغاز من إسرائيل وقبرص، ‏وليس مجرد منتدى ومنصة اقتصادية".‏ ولفت إلى أن "مصر بالمرحلة الماضية راهنت على معادلة تتعلق بالطاقة مع اليونان ‏وقبرص، لكن كما أشرت هناك تغيرات بالمنطقة بشكل عام، أظهرت أن تحالفات شرق ‏المتوسط تحكمها المصالح المتغيرة وليس الثوابت السياسية"، ومع ذلك يرى أن "ما ‏يجري لا يعني نهاية للدور المصري، وقد يكون رسالة واضحة بأن خريطة الطاقة في ‏شرق المتوسط يعاد تشكيلها وفق مصالح جديدة".‏

وأشار إلى أن "استبعاد تلك الدول للقاهرة يدفعها نحو تركيا، التي تظل علاقاتها متوترة ‏مع إسرائيل واليونان وقبرص، ولذلك نحن أمام مرحلة تموضع كبرى بشرق المتوسط ‏قد تكون فرصة للقاهرة وأنقرة لإعادة صياغة العلاقة وإخراجها من التنافس إلى ‏التفاهم كما تابعنا التغيرات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية بالعامين ‏الماضيين".‏
 

التقارب المصري التركي

وشهدت العلاقات المصرية التركية تحولات استراتيجية خاصة في المجال الاقتصادي ‏والعسكري أنهت سنوات من الجمود، حيث تسعى الحكومتان لرفع حجم التبادل ‏التجاري من قرابة 7 مليارات دولار حالياً لتصل إلى 15 مليار دولار السنوات المقبلة.‏

وسجل التبادل التجاري بين البلدين 6.8 مليار دولار بنهاية عام 2025؛ حيث بلغت ‏الصادرات المصرية لتركيا 3.2 مليار دولار، بينما سجلت الواردات من تركيا 3.6 مليار ‏دولار، فيما ضخت الشركات التركية استثمارات ناهزت 4 مليارات دولار في السوق ‏المصرية، وتعمل حالياً نحو 1300 شركة تركية داخل مصر، خاصة في قطاع الغزل ‏والنسيج والملابس الجاهزة.‏
وفي المجال العسكري والدفاعي، تم تفعيل "مجلس التعاون الاستراتيجي" نهاية 2024، ‏مع استئناف المناورات العسكرية وبينها تدريب "بحر الصداقة 2025" بين البحرية ‏المصرية والتركية في شرق البحر المتوسط.‏

 

وفي سبتمبر 2025: وقعت وزارة الإنتاج الحربي المصرية اتفاقية مع شركة ‏‏"هافيلسان" التركية لإنتاج الطائرة المسيرة المتطورة "تورخا" بالمصانع الحربية المصرية، ‏وسمحت تركيا بانضمام مصر كشريك أصيل في مشروع إنتاج المقاتلة التركية من ‏الجيل الخامسKAAN .

وأسس عبدالفتاح السيسي، آلية تعاون ثلاثي مع اليونان وقبرص ‏في قمة القاهرة نوفمبر 2014، بهدف صياغة تحالف سياسي، أمني، ‏واقتصادي، والتعاون باستكشافات الغاز بشرق المتوسط؛ ما تبعها قمة نيقوسيا ‏ أبريل 2015، وقمة أثينا ديسمبر 2015، لتتابع القمم في 2016، ‏و2017، و2018.‏

وفي يناير 2019، انطلق "منتدى غاز شرق المتوسط" من القاهرة، ‏ليتطور المشهد بتوقيع القاهرة وأثينا في أغسطس 2020 اتفاقية ترسيم الحدود ‏البحرية، لتتواصل القمم حتى القمة العاشرة يناير 2025 بالقاهرة.‏
وترتبط مصر بإسرائيل باتفاقية لتصدير الغاز مع إسرائيل من حقول الأراضي ‏الفلسطينية المحتلة، بداية من فبراير 2018، بتوقيع شركة "دولفينوس" ‏المصرية تمتلكها وتديرها جهات سيادية- اتفاقية لاستيراد 64 مليار متر مكعب غاز في ‏صفقة بـ15 مليار دولار. ‏

وفي يونيو 2022، وقعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم في ‏القاهرة تقضي بزيادة إسرائيل لصادرات الغاز إلى مصر، التي تقوم بإسالة هذا الغاز ‏بمحطتي "إدكو ودمياط" وإعادة تصديره إلى أوروبا، ليجري في 2025، تعديلاً للصفقة ‏الأولى مع إسرائيل لتصبح بقيمة 35 مليار دولار، لتوريد 130 مليار متر مكعب غاز حتى ‏‏2040.‏